شهادة تقدير ووفاء

النقابي فضل الله شريف (النهار)

كوفية فلسطين

“سرّْ رافع الرأس واحمل تراث جدّك الكبير كمال جنبلاط” بهذه العبارة خاطب النائب وليد جنبلاط ولده تيمور، في الذكرى الـ41 لاستشهاد والده؛ هذا الموقف هزّني من الأعماق وأعادني خمسين سنة إلى الوراء، أعادني الى الزمن الجميل، إلى زمن القامات الوطنية، إلى زمن المغفور له المعلّم كمال جنبلاط، الذي تخطت زعامته الشوف إلى كل لبنان، وتخطّت لبنان إلى العالم العربي، وتخطّت هذا المدى إلى العالمية؛ وأنا هنا لا أستطيع أن أكتب عن هذه الشخصية الفذّة والمميزة لأنني عاجزٌ عن ذلك، ولكن سأسرد على الناس الطيّبة والوفيّة ما حصل معي منذ 54 عاماً.

في العام 1962، كنت في العشرين من عمري، ألاحق ملف الحصول على “علم وخبر” لإنشاء نادٍ ثقافي في بلدتي النائية “اليمّونة”، وبالمتابعة علمت أن مخفر دير الأحمر ومركز الأمن العام في زحلة أعطوا رأياً سلبياً، وأن قائمقام بعلبك ومحافظ البقاع اتخذوا مواقف سلبية أيضاً. كنت أشكو الوضع بيأس أمام صديق دراسة فقال لي: “إذهب إلى المختار وهو من الحزب التقدمي الاشتراكي ويعرف وزير الداخلية”، كان يقصد حينها المرحوم محمد عباس ياغي. بالفعل، لم أتردّد وقصدته في اليوم الثاني فأعطاني موعداً قريباً كي يصطحبني معه إلى بيروت، وصلنا إلى مركز الحزب التقدمي الاشتراكي في محلة “زقاق البلاط” بالقرب من المدرسة البطركية وكانت المناسبة لقاء حزبياً مع رئيس الحزب، وبالرغم من الحشد الشعبي الكبير استطاع المرحوم محمد عباس ياغي أن يتحدث مع الوزير، الذي طلب موافاته إلى وزارة الداخلية الساعة الثانية، (تقع وزارة الداخلية في الجزء الجنوبي الغربي من السرايا الحكومية الحالية)، أتذكر حينها أن مدير مكتب معالي الوزير كان الأستاذ نايف الزهيري والأستاذ فؤاد الخوري مديراً عاماً لوزارة الداخلية أو المدير المسؤول عن الجمعيات، لا أذكر.

الحقيقة أنني كنت أتهيّب الموقف قبل دخولنا إلى مكتب معالي الوزير، نظراً لقلة خبرتي ونظراً للهالة التي كان يتمتع بها المغفور له على مستوى الوطن، عرضنا عليه مطلبنا فسأل عن الملف الذي أحضره الأستاذ فؤاد خوري، أخذ يتفحصه صفحة صفحة ويقرأ ما فيه بهدوء وعلامات التعجب تظهر على محياه وتصدر تمتمات خفيفة كلما طوى صفحة من صفحات الملف؛ ولمّا انتهى وضع الملف جانباً ووجّه كلامه إلينا قائلاً: “الشباب كلن متوصيين فيكم، أمن وقائمقام ومحافظ، بس أنا فاهم أنو عم ينفذوا أوامر السياسيين، ومش مستغرب هذا الموقف، لكن المستغرب أنو يسمحولكم بإنشاء نادٍ ثقافي، ولكنني ككمال جنبلاط وزير الداخلية أختلف معهم بتوجّهاتي ورح رخّصلكم النادي”، شكرناه بفرح وكلني ثقة بصدق هذا الوعد.

في 27 كانون الأول 1963 استدعاني رئيس مخفر دير الأحمر إلى منزل المختار، وبعد أن وقّعت إشعار الاستلام، سلّمني “العلم والخبر” رقم 1178 تاريخ 20/12/1963 الذي يحمل توقيع الوزير الصادق. في الأسبوع التالي وردت إلى مجلس النواب اللبناني برقية تعتبرنا جماعة من الحزبيين الغوغائيين، وكان القصد منها الضغط على وزير الداخلية لسحب “العلم والخبر”، بحجة أن هذا النادي في حال تأسيسه سيؤدي إلى فتن وإراقة دماء، والمستهجن أن أحد نواب المنطقة لن أذكر اسمه “رحمه الله”، علَّق على البرقية الواردة بذات المعنى وبأسلوب يفوق مضمونها تهويلاً، فكان ردّ معالي وزير الداخلية يومها قوياً وحازماً، وتمنى لو أن الآخرين في البلدات البعيدة ينهجون نهج شباب “اليمّونة”، وبالفعل صحّت نبوءة المعلم لأن النادي الثقافي في اليمّونة والذي أعطي ترخيصاً قبل 55 سنة، غيّر وجهها بإقبال شبابها على تحصيل العلم بدرجات عالية في مختلف الاختصاصات، مما ساهم في رفع مستوى البلدة والمنطقة والوطن على السواء.

وبالمناسبة، أنا أبن الـ 75 سنة أقول للأخ تيمور إن والدك وليد جنبلاط “أطال الله عمره” كان ثاقب البصر والبصيرة عندما تخطى حقبة 40 سنة مرت، اختلف الناس في تقييمها والموقف منها، ودعاك لحمل تراث جدّك الكبير كمال جنبلاط، وهو من الرجالات التي لن تتكرّر إلا بعد مرور عقود من الزمن، وكان قصده أن تتخطى منطقة الشوف والجبل وتصبح نائباً عن كل لبنان وأحد القادة السياسيين على مستوى الوطن وتحمل راية الدفاع عن قضايا الشعب اللبناني المحقة والعادلة، وأن تكون النصير الأول للفقراء وذوي الدخل المحدود، وعندها تكون حفيداً باراً للزعيم الوطني الكبير كمال جنبلاط “رحمه الله” لأنه هكذا كان للوطن وللجميع.