سبعون سنة تحت الحكم العسكري: أي معجزة يمكن أن تنقذ سورية؟

عزت صافي (الحياة)

حافظ الاسد

في 12 نيسان (أبريل) الجاري استقبلت موسكو زائراً استثنائياً لم يكن مرحباً به. الزائر كان وزير الخارجية الأميركي الجديد ريكس تيلرسون موفداً من الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب، وكان الوزير يحمل الى العاصمة الروسية قضية سورية المتفجرة بعدما باتت تشكّل خطراً يتعدّى إقليمها الى العالم الأوسع.

لم تكن مهمة الوزير الأميركي تتعدى طلب تصويت روسيا على مشروع قرار في مجلس الأمن الدولي بإدانة النظام السوري على ما يرتكب من جرائم بحق شعبه ووطنه، وكانت أفظعها جريمة استعمال المواد الكيماوية في الغارة الجوية الأخيرة على بلدة «خان شيخون» حيث سقط عشرات الضحايا، والباقون منهم معرضون للموت.

كان في حساب الوزير الأميركي، إذا رفضت القيادة الروسية التصويت على قرار الإدانة، أن تكتفي بالامتناع عن التصويت. لكن الأميركي كان واهماً، ومع أنه في زيارته الأولى موسكو ممثلاً رئيس الولايات المتحدة الجديد فقد قوبل بجفاء، وهو استمع الى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يعلن أمامه «أن مستوى الثقة بين الولايات المتحدة وروسيا تراجع منذ تولى دونالد ترامب الرئاسة». ولم يكتفِ بوتين بذلك، بل أضاف في مقابلة تلفزيونية أذيعت بعد دقائق «أن درجة الثقة بين موسكو وواشنطن على المستوى السياسي متدنية، وعلى المستوى العسكري متدهورة».

تلك الحملة التي واجهها الوزير الأميركي في موسكو اكتملت برفع صوت روسيا في مجلس الأمن ضد قرار إدانة النظام السوري على مجزرة «خان شيخون» بفضل «لا» تمتمها الرئيس الروسي العابس في وجه العالم، وكأن الشعب السوري قاتل أبيه.

لكن الرّد الصاعق على بوتين جاء عاجلاً من حيث لم يكن متوقعاً. فقد قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب لوكالة «فوكس نيوز» إن الرئيس الروسي يدعم «شخصاً شريراً». ثمّ أكد أن الوقت حان لإنهاء «الحرب الأهلية الوحشية» في سورية، أما التدخّل الأميركي فسيكون عبر شنّ ضربات جويّة جديدة تستهدف النظام.

ومن مفارقات الموقف الروسي في ذلك اليوم أن مشاهد ضحايا «الكيماوي السوري» كانت ماثلة أمام عيون العالم، وأبرزها وأشدّها تعبيراً وألماً مشهد الفتى السوري الملقى على الأرض، وكان يشهق أنفاسه الأخيرة وهو ينظر في عين الكاميرا التي كانت تنقل نظرته الى العالم قبل إسلام الروح الى باريها، لتشهد على جريمة النظام الذي نجا من حكم الإدانة الدولية.

لو صحّت المعلومات التي رافقت إعلان فوز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة الأميركية، ومفادها أن شبكة الاستخبارات الروسية نجحت باختراق خطوط حملة المرشحة الديموقراطية هيلاري كلينتون وتمكّنت من تجيير مئات آلاف الأصوات لحساب المرشح الجمهوري، لكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يمتلك السرّ الذي يجعل الرئيس ترامب مديناً له بالتربّع على مقعد البيت الأبيض.

كان الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما أمضى السنوات الأربع من ولايته الثانية في متابعة فصول الثورة العربية التي بدأت سلمية في تونس ثمّ تحولّت جهنم حارقة ومدمرة في سورية وليبيا ومصر واليمن، وقد ذهبت بثروات العالم العربي، المادية والإنسانية والمدنية، والعسكرية، وأودت بحياة نحو ستمئة ألف شهيد وضحية، ودفعت أكثر من ستة ملايين سوري الى الفرار والتشرّد في جميع أصقاع الأرض.

وإذ يفتح المتابع مجلّدات وقائع الأحداث وانعكاساتها على مسار المجتمع الدولي المراقب والمحاسب يتبيّن أن ستّ سنوات مرّت كلاماً بكلام تحت عنوان سورية ونظامها الرابض على صدرها منذ نحو نصف قرن، بكل أثقاله العسكرية وقوانينه الاقتصادية والمالية والسياسية وما أنتجت من جماعات منظّمة في السلب والنهب وامتصاص خيرات البلاد التي كانت تكفي شعبها ومحيطها، وكانت مصدر أجيال الجهاد في سبيل عروبة عمادها الحرية والكرامة والشهادة.

سورية حالياً بلاد مشلّعة ومشرّعة الأبواب أمام دولتين تتحكمان بحاضرها وبقرارها: روسيا وإيران، فيما جبهاتها الوطنية المقاومة تتصدى لشلل الديكتاتور وأعوانه. تقاتل، وتستشهد، وتصمد، وتفاوض. هي السنة السادسة من المقاومة، والشهادة، والتفاوض مع المجتمع الدولي الوسيط المتنقل من عاصمة الى عاصمة، ومن مدينة الى مدينة. هيئة أمم متحدة، متحركة، بطواقمها من السياسيين والخبراء والعسكريين، والمراقبين. اجتماعات، ومناقشات، وأوراق عمل، وقرارات أولية معلقة الى مواعيد لاحقة، والنتجية واحدة: تبادل خطب ونظريات واقتراحات، ومواعيد جديدة، فيما الأساطيل الحربية راسية في الموانئ الآمنة، والأساطيل الطائرة تتابع دوراتها في المجالات المرسومة والمحددة في الجو، وعلى الأرض، وإسرائيل تراقب من بُعد ومن قرب، وتمضي في قضم الأراضي الفلسطينية وتطويبها في خانة الاستيطان، وبين يوم وآخر تزحف خطوتين نحو قاعدة المسجد الأقصى، وتتراجع خطوة، ولفترة موقتة.

في إسرائيل لا أثر ولا ذكر لـ «داعش»، وهذه تنشّط، وتنهب، وتصدر أحكاماً، وتعدم، وتعاقب، ولديها «قضاة» ومحاكم، ودوائر متنقلة، وآليات، وأسلحة، وغرف عمليات، وأحياناً طائرات من دون طيار، ولديها طواقم وقيادات، وكادرات. فأين كل هذه الطوابير وسواها، وأين نشأت وتدربت، ومن أين تتمون؟… أسئلة لا يجيب عنها أحد، لا من «داعش» ولا من الدول العظمى التي تملك أجهزة تراقب من فوق، ومن تحت، ومن بُعد، ومن قُرب، وسبق لها أن اصطادت «بن لادن» وهو داخل كوخ مهجور بقذيفة جوية من طائرة من دون طيار أتت من خلف البحار والأجواء، ومن مسافات تُقاس بآلاف الأميال. فأين كانت أميركا الدولة-القارة المتمددة براً، وبحراً، على المقلب الغربي من الأرض؟

وإذ تُستعاد تلك الوقائع ترتسم من خلالها ملامح مستقبل سورية، وهي ملامح مثيرة للقلق. فمنذ نحو سبعين سنة لم تعرف سورية حكماً مدنياً (ما عدا فترتين قصيرتين كان الرئيس السوري خلالهما مدنياً: شكري القوتلي – 1945 – في مطلع الاستقلال، وقبله تاج الدين الحسني، وبعدهما هاشم الأتاسي، وقد أتى رئيساً بين إنقلابين عسكريين).

سبعون سنة انطوت خلالها أجيال وراء أجيال. من حرب الى حرب، ولا نصر. بل هزائم وقوافل شهداء تلتحق بقوافل سبقتها. وها هي سورية ترفد العالم العربي والغرب الأوروبي والأميركي بملايين العائلات النازحة طلباً للأمان والعيش بما تيسّر.

لكن، ألا يجوز التساؤل لماذا يرفض الرئيس بوتين استقبال أي عائلة من مئات آلاف العائلات السورية المنكوبة بالنظام الذي يحميه؟ لعله يدرك أن الشعب السوري، بغالبيته الساحقة، بات يكره روسيا فلاديمير بوتين ويترّحم على زمن كان فيه الكرملين الشيوعي الديكتاتوري الصارم أصدق وأكثر عدلاً وإنسانية، وأكثر وفاء، للعالم العربي.

لكن سورية ليست كوبا لتعيش تحت حماية موسكو، كدولة بولشفية، وتبقى زمناً طويلاً معزولة في حوض على شاطئ الأطلسي قبل أن تنتفض على ذاتها وتسترّد وجودها ومكانتها، فتعترف بها الولايات المتحدة الأميركية ويذهب رئيسها السابق باراك أوباما الى هافانا ليقدم أوراق اعتماده كصديق وجار يسعى الى التعاون والوئام والاحترام المتبادل.

بالمعنى الوطني والقومي، كل وجود عسكري أجنبي شبه دائم على أرض عربية، ولأي سبب أو غاية، يشكّل انتقاصاً من سيادة الدولة صاحبة الأرض. بل إنه يمثّل شكلاً من أشكال الاحتلال أو الوصاية، وفي كل الأحوال لا يتفق مع حرية الشعب وهيبة الدولة وكرامتها. وهذه هي حال سورية، دولة وشعباً، تحت وطأة الأساطيل والجيوش الأجنبية الروسية والأميركية والأوروبية، والإيرانية، فضلاً عن أرتال جماعات التكفير والتهجير والتدمير والقتل والاغتصاب، والنّهب والسلب، والقهر الأقسى من عذاب الموت بكل الطرق والأساليب.

سنة سابعة حرباً، وسورية تتنفس، والتلفزيونات تنقل على مدار الساعة صور الوفود الدولية (وبينها وفد باسم سورية) تحج الى ذلك المبنى في جنيف، حيث ترتفع أعلام الأمم، وتصدر البيانات، والتصريحات، ولا رجاء. فكأن قدر سورية أن تصبر وتنتظر معجزة لإحيائها… لكن الى متى؟ وعلى يد من؟!

 

اقرأ أيضاً بقلم عزت صافي (الحياة)

كمال جنبلاط مُستعاداً في مئويته

الجزائري حين يكون ناخباً فرنسياً

ترامب على أبواب القدس وعباس على باب البيت الأبيض!

«قنبلة الإسكوا» تكشف موقف المنظمة الدولية من فلسطين

«مجلس شيوخ لبنان» وعقدة قانون الانتخاب

“دولة فلسطين” بنسختها اللبنانية في “عاصمتها” الأولى بيروت

اللبنانيون في انتظار «مجلس شيوخ» يحررهم من القيد الطائفي

هل يأتي ترامب إلى القدس ومعه السفارة الأميركية؟

اللبنانيون يتساءلون: هل نعوم على شبر نفط؟

لبنان – العهد الجديد يقبل التحدي: «بدنا نحاسب»

مجرّد يوم عطلة للبنانيين في عيد استقلالهم الـ 73

حضر الرئيس الجديد… اللبنانيون في انتظار جمهوريته

سورية التي باتت «جمهورية» في فلك الاتحاد الروسي

القرار الوطني في أيدي الفلسطينيين الباقين في ما بقي من وطنهم

جمهوريّة لبنانيّة «صوتيّة» تصرخ في برّيّة الفراغ والممانعة

أردوغان اليائس من الاتحاد الأوروبي يتشبّث بالحلف الأطلسي!

من يجرؤ على إعلان برنامجه الرئاسي للشعب اللبناني؟

لماذا لا يعتذر أوباما للشعب الياباني؟

ثماني سنوات «إسرائيلية» في البيت الأبيض

فرنسا «الأم الحنون» ولبنان «الابن البائس»