العدالة الدولية عندما تصطدم بالسياسة

د. ناصر زيدان (الخليج الاماراتية)

نظام روما للعام 1998 والذي أُنشئت بموجبه محكمة الجنايات الدولية الدائمة في لاهاي؛ راعى موازين القوى الدولية، ولم يعتمد نموذجاً يعطي الاستقلال الكامل للسلطة القضائية الدولية عن المؤثرات السياسية. فقد اشترط النظام موافقة مجلس الأمن الدولي على إحالة الجريمة الدولية إلى المحكمة لمباشرة التحقيق فيها، كما أعطى لهذا المجلس حق إيقاف الملاحقات التي قد تكون بدأت بطلب من مدعي عام المحكمة، أو بشكوى من دولة عضو في نظام روما.
ومن البديهي أن يكون شرط تحقيق العدالة الجنائية الدولية استقلالها عن المؤثرات السياسية، وتجرّدها من الضغوط الخارجية، وهي تحتاج أيضاً إلى ذراع تنفيذية، تستطيع من خلالها تجاوز العقبات الإجرائية التي تضعها دول، أو منظمات لتكبيل عملها.

الصراع بين الدول الكبرى، أو بين الدول الإقليمية؛ يجب ألا يدوس على مبادئ العدالة الدولية، وحقوق الإنسان التي كرَّستها الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، وأبرزها اتفاقيات جنيف الأربع للعام 1949، على اعتبار أن البيئة الدولية برمّتها، اتفقت بعد الحرب العالمية الثانية على مبدأ تحرير المواطنين الأبرياء من كابوس الخوف من الجرائم التي ترتكب في الحروب، أو على هامش أعمال العنف التي تجري في أية دولة. لكن الإخفاق كان نصيب الطموحات الإنسانية، والمنظومة الجنائية الدولية فشِلت في تجنيب المدنيين ويلات الحروب، وقد حصلت مآس فظيعة خلال الصراع على السلطة في بعض الدول، وخلال التدخلات العسكرية لبعض الدول الكبرى في بعض الدول الأخرى، وخلال تنفيذ أعمال إرهابية من قبل مجموعات متوحشة في ساحات متعددة.

عندما تتلازم الملاحقات الجنائية الدولية مع محددات سياسية، تفشل هذه الملاحقات، وتتشوه صورة القوى السياسية، ويتفلّت المجرمون من العقاب.

تلك هي حالة العلاقة بين مجلس الأمن الدولي ومحكمة الجنايات الدولية الدائمة في لاهاي. فقد استخدمت الولايات المتحدة «الفيتو» ضد قرارات كادت تصدر عن مجلس الأمن الدولي لإحالة جرائم «إسرائيل» ضد الشعب الفلسطيني، خصوصاً في غزة.

لقد دعت لجنة حقوق الإنسان الدولية أكثر من مرة إلى إحالة جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الإرهاب التي تُرتكب في أكثر من بلد إلى محكمة الجنايات الدولية، ولكن مجلس الأمن صاحب القرار في هذه الشأن، لم يُقدم على هذه الخطوة.

بتاريخ 5 أغسطس/آب 2015 قرر مجلس الأمن الدولي تكليف لجنة تحقيق دولية حول استخدام أسلحة كيميائية في سوريا بين العام 2013 والعام 2015، وقد أصدرت هذه اللجنة تقريرها بعد تحقيقات استمرّت سنة كاملة، وتضمن التقرير إدانة واضحة لعناصر محسوبة على النظام السوري، وعناصر إرهابية، وحملهم مسؤولية استخدام هذه الأسلحة المحرّمة دولياً بموجب معاهدة 3/9/1992 وملحقاتها.

رفع الأمين العام السابق للأمم المتحدة بان كي مون التقرير إلى مجلس الأمن في 28/8/2016؛ طالباً إحالة هذه الجرائم إلى محكمة الجنايات الدولية لتعقّب المرتكبين وتقديمهم للعدالة، لكن مجلس الأمن أخفق في اتخاذ قرار بهذا الشأن، ولم يُحِل الملف إلى المحكمة.
ويبدو من التجارب الوطنية أو الدولية؛ انه يستحيل تحقيق العدالة، وفرض العقاب على المجرمين، إذا ما كانت أمام العدالة حواجز سياسية، حيث إن السياسة تخضع للحسابات التي لا تهتم غالباً بالشؤون الإنسانية، بقدر اهتمامها بتحقيق الأرباح.
السياق العام الذي تسلكه إجراءات المحاكمات الجنائية الدولية؛ يتناقض مع مضمون الاتفاقيات الدولية، لاسيما منها التي تتعلّق بشؤون حماية الإنسانية، وتاريخها، وآثارها، وتقاليدها.

لقد استبشر العالم خيراً عندما تم إلقاء القبض على شارلز تايلر رئيس ليبيريا الأسبق، وإيداعه سجن المحكمة الدولية، وكذلك توقيف رئيس يوغسلافيا السابقة، سلوبودان ميلوسوفيتش (الذي توفيَ في سجن المحكمة قبل صدور الحكم)، وأيضاً عندما أصدرت المحكمة قرارها بحبس زعيم صرب البوسنة رادوفان كاراديتش 40 عاماً في 23/3/2016، لكن خيبة الأمل تتنامى في أوساط الرأي العام من جراء الإخفاقات المتكررة في ملاحقة مجرمي الحرب في الكيان الصهيوني، أو في سوريا.
لا بد من إعادة النظر في قواعد الملاحقات الجنائية الدولية، وتحرير هذه الملاحقات من القيود التي تخضع لمصالح الدول الكبرى.