لا، الدستور ليس وجهة نظر!

رامي الريس

“النجوم الدستوريون” في لبنان كثر! كما هم نجوم الإعلام والفن وأصحاب الخبرات الاستراتيجية والعسكرية والتحليل الجيوسياسي وكما هم من يفهمون في البيئة ومياه المحيطات وعوادم النفايات وقوارير الغاز. الناشطون والمحللون والخبراء يغزون الشاشات ومواقع التواصل الإجتماعي!

لا بأس إذا تحدث هذا “الخبير البيئي” بفكرة تقف خلفها شركة تجارية لها مصالحها وحساباتها! ولا مشكلة أيضاً إذا سجل هذا “الخبير الدستوري” وجهة نظر سياسية قد ترفع له من “النقاط” الايجابية عند هذه المرجعية أو تلك.

الأمر ذاته ينطبق على خبراء الانتخابات والقوانين الإنتخابية الذين هم من الضيوف الدائمين على برامج الحوار السياسي، ولا مشكلة إذا وظفوا معرفتهم الإحصائية والرقمية في أعداد الناخبين وتقسيم الدوائر الانتخابية ليتبنوا نظريات هذا الطرف السياسي أو ذاك، في النهاية ثمة من يكلفهم إجراء الأبحاث بعشرات  الآلاف من الدولارات، وإذا كانت الإطلالة التلفزيونية تساعد في مضاعفة هذه الارقام، لما لا؟ أما علم الاحصائيات والأرقام فيُضرب به عرض الحائط!

بطبيعة الحال، ليست مناسبة هذا الكلام الحد من حرية الرأي والحق في التعبير، ولا تنتقص هذه الانتقادات على الاطلاق من الكفاءات العلمية أو المهنية التي قد يتحلى بها هذا “النجم” أو ذاك. فكل مواطن أو خبير أو ناشط. يمتلك رأياً وهذا بحد ذاته يستحق الاحترام. حتى لو كان مختلفاً.

ولكن مناسبة هذا الكلام هي “تغاضي”  هذا “الجيش” من الخبراء الدستوريين لمحطات ليست تفصيلية في إطار الحياة الدستورية اللبنانية.  فبعد أن برّر بعضهم  تحويل  بعض القوى السياسية حقها للمشاركة في السلطة إلى حق في التعطيل؛ عادت وبررّت الفراغ الدستوري الرئاسي لمدة عامين ونصف حيث أفرغ عمل المجلس النيابي من مضمونه تحت عنوان “الميثاقية” وربط تأمين نصاب جلسة إنتخاب رئيس الجمهورية بوصول مرشح واحد دون سواه إلى كرسي الرئاسة الأولى!

ومناسبة هذا الكلام، “تغاضي” أو حتى “تبرير” بعض هؤلاء الخبراء لخطوة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في الامتناع عن التوقيع على مراسيم دعوة الهيئات الناخبة ورفضه تشكيل الهيئة الوطنية المستقلة للإشراف على الإنتخابات النيابية، إنطلاقاً من رفضه القانون الساري المفعول الذي، للتذكير  خيضت الحروب في سبيله في العاصمة القطرية الدوحة سنة 2008 ولاقت ولادته إحتفالات شعبية وسياسية  وفولكورية منقطعة النظير!

في الدول التي “تحترم نفسها”، إذا تعذر التفاهم بين الكتل السياسية على قانون انتخابي جديد، تسري الانتخابات في مواعيدها وفق القانون النافذ (الذي للمناسبة غالباً ما تعبر في الغرف المغلقة القوى التي لعنته وشيطنته في  الغرف عن ندمها حيال القيام بذلك!) سواء كان يتلاءم مع طروحاتها أم لا. قد يكون البطريرك الراعي الوحيد الذي قد تجرأ على التذكير بهذا الأمر في مقابلته التلفزيونية الاخيرة. وهو يعكس بذلك ضرورة  إحترام المؤسسات والقوانين.

مهما يكن  من أمر،  فإن  قرار رئيس الجمهورية أيضا  تطبيق المادة 59 من الدستور التي تجيز له تعليق عمل مجلس النواب لمدة شهر خلال دورة واحدة أيضاً أثار حوله جدال ما إذا كان يقتضي توقيع رئيس الحكومة والوزير المختص أم لا. الاكيد أن الرغبة بتلافي الانفجار في الشارع جعل كل الجهات تتغاضى عن النقاش في هذا الامر تأميناً للحل السياسي (وليس بالضرورة الدستوري).

خلاصة الأمر أنه لم يعد ممكناً أن يكون الدستور في لبنان وجهة نظر! الخروج من هذه الحالة الدستورية التراجيدية يكون بإنشاء جهة مرجعية صالحة لتفسير الدستور (ربما المجلس الدستوري بعد توسيع صلاحياته) تضم عدداً من الخبراء الدستوريين المشهود لهم (وليس بالضرورة نجوم الشاشات ذاتهم) يملكون المعرفة  الكافية للبت بتفسير هذه المادة أو تلك. عندئذٍ فقط يمكن تلافي الوضع الراهن: نتناسى الدستور عندما يكون  التفاهم السياسي قائماً ونستحضره على قياساتنا عندما تتأزم سياسياً!

لا، الدستور ليس وجهة نظر! وتطبيقه لا يكون غب الطلب! نحتاج إلى سنوات ضوئية طويلة لنتمتع بالحد الادنى من الثقافة الدستورية والمؤسساتية والديمقراطية!

نعم، للأسف الشديد!

——————————

(*) رئيس تحرير جريدة “الأنباء” الالكترونيّة

Facebook: Rami Rayess II

Twitter: @RamiRayess

اقرأ أيضاً بقلم رامي الريس

عن أوروبا والعرب والقمم!

زمن الإنحطاط!

عن النقاش الإنتخابي المدّمر!

لا، لسنا بحاجة الى شهاداتكم!

ترامب والمغامرات المكلفة!

الإنحدار نحو الشعبوية!

رسالة إلى العهد الجديد!

الحوار والتوافقية والمؤسسات!

يا لها من كذبة تاريخية!

لعبة الشارع والشوارع!

“القناعة كنز لا يفنى”!

دار المختارة: صنعت التاريخ وتؤسس للمستقبل!

الإحتلال والطغيان والإرهاب!

هل أصبح إختصاص التاريخ من التاريخ؟

تراجيديا كاملة الأوصاف!

لثورةٍ حزبيّةٍ اﻵن!

إنتخابات الجبل: الرسالة واحدة!

الإنتخابات البلدية في العاصمة: هذه أبرز الخلاصات!

عن الديمقراطية اللبنانية ومساراتها المتعثرة!

إلى المعلم كمال جنبلاط: ما أشبه اليوم بالأمس!