نعم لريما خلف وفلسطين الجريمة ماثلة

د. قصي الحسين

K.H

لنتذكر أولاً، أنه في شهر كانون الأول من العام 1948 أطلقت الأمم المتحدة الاعلان العالمي لحقوق الإنسان، بصيغة شارك فيها العرب بقوة، باعتراف كوفي أنان، الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة نفسه. قال: “إن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، هو واحد من أعظم إنجازات القرن”. واضاف أنان قائلاً: “في تلك الآونة شغل الديبلوماسي اللبناني المرموق شارل مالك منصب رئيس اللجنة الثالثة للجمعية العمومية، ولعب دوراً حاسماً في وضع نص الاعلان”. وهذا التصريح إنما يؤكد مبدأ عالمية هذه الدعوة وأن المشاركة اللبنانية العربيّة فيه كانت قوية، وأنه في الوقت عينه قانون دولي إنساني عادل، لعدم تمييزه بين البشر، في اللون والعرق والجهة والبلد.
ولنتذكر تالياً، أنه في موقع “عدالة – المركز القانوني لحقوق الأقلية العربيّة في إسرائيل”، قائمة بالقوانين والتشريعات والتعديلات القانونية التي ذكرها المركز على أنها “تمييزية ضد الأقلية الفلسطينية في إسرائيل. فهناك سبعون قانوناً وتشريعاً ونحواً من خمسين اقتراحاً وتعديلاً بالروح ذاتها، قد يقر غداً في إسرائيل. وكل تلك القوانين والمقترحات والتعديلات، إنما تتجه لتطبيق واقع تمييز عنصري على الفلسطينيين من عرب 1948، وهم أهل فلسطين الأولين والأصليين.
ولنتذكر مع هذا وذاك، أن تأسيس دولة إسرائيل على أرض فلسطين التاريخية، كان في ذلك التاريخ نفسه الطعنة النجلاء التي أصابت من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مقتلاً منذ تاريخ إعلانه. وأسباب ذلك كثيرة، أقله، أن الفلسطينيين مواطني إسرائيل، يعانون اليوم، لا بل منذ نشوء الدولة الإسرائيلية وبمباركة الدول الكبرى، من التمييز العنصري في كل نواحي الحياة تقريباً، وذلك أن الدولة الاسرائيلية منذ تأسيسها العام 1948، إنما تأسست في السرّ كما في العلن في كثير من الأحيان، على أنها دولة القومية اليهودية برموزها ومؤسساتها والسلطة فيها. بل ربما هي دولة الإثنوس اليهودي، كونها تجاهر بالأفضلية الممنوحة لليهود الآتين من اقاليم الشرق والغرب على حساب الفلسطينيين أهل البلاد الأصليين، فيتم اقتلاع ونفي وتشريد وتقتيل وإضاعة حقوق واعتداء على ملكيات خاصة وعامة للفلسطينيين، لصالح المستوطنين اليهود وإقامة المستعمرات الخاصة بهم، وبناء وتعمير الأحياء والقرى والمدن وتمييزها، أخيراً وليس آخراً، بجدار الفصل العنصري.
إن تراجع النخب الإسرائيلية اليوم عن الالتزام بالقانون الدولي وحقوق الإنسان، طبعها المؤسسون الأوائل للدولة العبرية، تماماً كما التراجع عن مكتسبات ديمقراطية حقوقية، إنما يؤكد على أن الإسرائيليين اليوم، ماضون في فرض كامل السيادة الإسرائيلية بين البحر والنهر، لصالح “نظام ابرتايد” معدل، دون الأخذ بعين الاعتبار، الواقع الجديد الذي ستنشأ عليه الدولة الإسرائيلية وضمنها فلسطينيون العام 1948.
إن تصدي تقرير الإسكوا الأخير، والذي دافعت عنه رئيسة المنظمة السيدة ريما خلف باستقالتها، إنما يكشف نوايا إسرائيل العنصرية والعدوانية، في تداولها مع الواقع العنصري المرير على الأرض، في جانبي الخط الأخضر. وهذا ما أهاج اليمين الإسرائيلي والعالمي، واستقدم غضب إسرائيل وأميركا، لا لشيء إلا لأن تقرير الأسكوا قال الحقيقة البسيطة المطابقة للواقع المعاش بدون أي رتوش عليها.
وإذا كانت ريما خلف قد وصفت الوضع داخل أراضي 1948 في فلسطين المحتلة، كما هو، وقدمت استقالتها احتجاجاً، على الغطرسة الإسرائيلية والإهمال الأميركي بحقيقة هذه الغطرسة الإسرائيلية، بل مجاراتها والوقوف إلى جانبها، فإن السؤال الذي يتردد على الشفاه فوراً: ماذا بعد استقالة ريما خلف الاحتجاجية من منصبها ومن مسؤولياتها، كأمينة عامة للجنة الأمم المتحدة الاجتماعية والاقتصادية لغرب آسيا (إسكوا).
تقول الدكتورة ريما خلف في تقريرها: “إن الجريمة ماثلة”، في الإشارة إلى ممارسات إسرائيل، ويتنصل منه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خوفاً على منصبه، أو انحيازاً لإسرائيل في ممارساتها العنصرية، لتفتيت الشعب الفلسطيني، وجعل الفئة العرقية اليهودية تسيطر على الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة أو في أراضي الشتات الفلسطيني.
لهذا ربما، يتعين على الفلسطينيين داخل الأرض المحتلة وخارجها أن يهبوا هبة رجل واحد للوقوف إلى جانب الدكتورة ريما خلف “الإنسانة الحرة”، لا “الموظفة العبدة” والتي تعلن على الملأ: “أؤمن – شأني في ذلك شأنك – بالقيم والمبادئ الإنسانية السامية التي طالما شكلت قوى الخير في التاريخ، والتي أسست عليها منظمتنا هذه الأمم المتحدة. وأؤمن مثلك أيضاً بأن التمييز ضد أي إنسان على أساس الدين أو لون البشرة أو الجنس أو العرق أمر غير مقبول، ولا يمكن أن يصبح مقبولاً بفعل الحسابات السياسية أو سلطان القوة. وأؤمن أن قول كلمة الحق في وجه جائر متسلط، ليس حقاً للناس فحسب، بل هو واجب عليهم.
كما يتعين بالتالي على العرب والمسلمين، أن لا يدعوا السيدة الدكتورة ريما خلف، تسقط بأوراق تقريرها، كريشة في مهب الرياح الإسرائيلية والأميركية إذ التقرير يجب أن يعمم، لا أن يسحب من التداول. وفضلت ريما خلف أن تستقيل على أن تخلف وراء سردية خيانة ضميرها. وأن تقول: إن قضية الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال بات هو الوحيد في سلوك سياسات التمييز العنصري. فالفصل العنصري من أخطر الجرائم ضد الانسانية في القانون الدولي. ومثلما شارك العرب في وضع أوراقه إلى جانب دول العالم في العام 1948، عليهم اليوم أن يطالبوا العالم بحفظ وصون أوراق القانون الدولي لمكافحة جريمتي الفصل العنصري والإبادة الجماعية، وحماية للتقرير الذي قاتلت الدكتورة ريما خلف من أجل كشف المخططات الإسرائيلية، التي تنال من فلسطين أرضاً وشعباً ومؤسسات.