عن أوروبا والعرب والقمم!

رامي الريس

رامى-الريس

في الوقت الذي تشهد فيه القارة الاوروبية تحولات غير مسبوقة، خصوصاً بعد القرار البريطاني بمغادرة مشروع الوحدة الذي كانت إنضمت إليه بريطانيا بعيد منتصف القرن الماضي، استضافت العاصمة الاردنية مؤتمر القمة العربية بحضور رفيع للقادة والزعماء العرب.

فأوروبا تعيش أصعب مراحل مشروعها المشترك الذي تعرض لإهتزازات قوية قد تقوده إلى السقوط التدريجي لا سيما مع صعود موجات الشعبوية التي ترتكز في مقارباتها على الكثير من التطرف، وبعض طروحاتها تلامس الفاشية بسبب مستويات الإنغلاق والتزّمت التي تنادي بها الاصوات اليمنية الراديكالية.

لا شك أن أوروبا بحاجةٍ إلى رؤية جديدة، وإلى مشروع جديد، يستنهض المبادىء الأساسية التي قامت من أجلها، ويعيد الإعتبار لسياسات الإنفتاح لأنه المسار الوحيد الذي سيحول دون إضمحلالها وتلاشيها وتمزقها في نزاعات سبق لها أن دفعت الأثمان الباهظة لخروجها منها.

الربط بين الواقع الأوروبي والواقع العربي عنوانه الرئيسي أن الواقعين يعيشان أزمات عميقة إلى حدودٍ بعيدة؛ وإذا كانت المقاربة بينهما لا تجوز في بعض عناوينها ومجالاتها بسبب تردي مستوى الواقع العربي إلى درجاتٍ غير مسبوقة؛ فإن التطورات الدولية والإقليمية؛ باتت تحتّم إجراء مراجعة نقدية عربية  لفهم مسببات التشرذم والإنقسام والتدهور السياسي والأمني والإقتصادي والإجتماعي.

لقد طرح كمال جنبلاط منذ زمن بعيد مشروع الوحدة الإقتصادية العربية التي تحتمها المبادىء والمصالح المشتركة، وهو ما يتطلب تعزيز الحركة الإقتصادية البيني العربية ورفع مستويات التبادل التجاري والصناعي والزراعي فيما بينها. طبعاً، الخلافات السياسية والإنقسامات التاريخية حالت دون ذلك وجعلت مستويات التنسيق العربي- العربي في أدنى درجاتها.

على الرغم أن الحديث عن العروبة قد يستفز البعض إما شماتةً من أصحاب النظريات المعاكسة التي تعتبر أن التطورات السياسية أثبتت فشل العروبة  وعقمها، وقد  يؤدي  إلى إستغراب البعض الآخر بإعتبارها “موضة” قديمة فات عليها الزمن؛ ولكن، ألا تستطيع العروبة، بإرتفاعها فوق العصبيات المذهبية، أن تشكل مشروع تقاطع بين هذه الرؤى المتضاربة؟ ألا تستطيع أن تكون الرد الأمثل على صعود التيارات المتطرفة من كل حدبٍ وصوب؟

إن “إسقاط” العروبة المنفتحة الديمقراطية المتحررة أمام دبابات الأنظمة القمعية والديكتاتورية  العربية، لا يجعل المشروع ساقطاً بالفعل، فمصادرة تلك الأنظمة لشعار العروبة وتدجينه وضرب أسسه ومرتكزاته يفترض به أن يكون حافزاً لإعادة التمسك بهذا المشروع الجامع.

قد يقول قائل أن هذا الكلام بات خارج السياق، الأصح أن السياق، إذا صح التعبير، أصبح خارجه، فالتجربة الأوروبية- رغم تعثرها الراهن- شكلت منعطفاً على مستوى العلاقات الدولية، وعلى قدرة الدول أن تتقارب  في مجالات معينة وتحافظ في الوقت ذاته على خصوصياتها السياسية والثقافية والإجتماعية.

——————————

(*) رئيس تحرير جريدة “الأنباء” الالكترونيّة

Facebook: Rami Rayess II

Twitter: @RamiRayess