الفروق الدقيقة في مواقف خامنئي عشية عيد النوروز

خامنئي-نوروز2

ي 21 آذار/مارس، ألقى المرشد الأعلى للثورة الإيرانية آية الله علي خامنئي كلمته السنوية، عشية عيد النوروز في مدينة مشهد المقدسة، التي تعتبر أهمّ خطاباته السنوية التي يتوجه بها إلى الشعب. وبالإضافة إلى تمهيد الطريق للانتخابات الرئاسية المقبلة في البلاد، ركّزت تصريحاته كالعادة على القضايا الاقتصادية المحلية، ولكن من دون أن يتطرق فيها بشكل كبير إلى معاداة الولايات المتحدة التي كانت تطبع خطاباته السابقة في السنة الجديدة.

من موجات الأثير إلى الضريح

منذ أن أصبح خامنئي مرشداً أعلى عام 1989، بدأ يُلقي خطابين في عيد النوروز من كل عام. ويشكّل الخطاب الأول تصريحاً مسجلاً يُعرف “بخطاب خامنئي لعيد النوروز”، وقد جرت العادة أن يتم بث هذا الخطاب مباشرة على الإذاعة والتلفزيون الإيرانيين الحكوميين بعد الاعتدال الربيعي (20 آذار/مارس هذا العام). وعادة ما يتحدث فيه خامنئي لمدة خمس عشرة دقيقة جالساً على كرسي بمفرده في غرفة – وهو تباين ضئيل عن وضعية الخطاب اللاحق الذي يلقيه أمام حشود غفيرة في ضريح [الإمام الرضا] في مدينة مشهد.

وفي عامه الثالث كمرشد أعلى، بدأ خامنئي يضيف عنصراً جديداً دائمياً على خطاباته لعيد النوروز، بإطلاقه عليها شعارات مقتضبة. وفي حين جاءت هذه الشعارات أحياناً لتبجيل شخصيات تاريخية، إلا أنها عادة ما تركّز بشكل مباشر أو غير مباشر على المواضيع الاقتصادية الغنية بالايديولوجية. وهذه الممارسة هي طريقة يستخدمها خامنئي لتوضيح توقعاته الاقتصادية على أمل تشجيع المسؤولين والمواطنين على تحقيقها، من خلال تسليطه الضوء على الجهود التي يبذلها لإنعاش اقتصاد البلاد الذي يزداد تعثراً يوماً بعد يوم.

وكان شعار خطاب خامنئي المتلفز لعيد النوروز هذا العام “اقتصاد المقاومة: الإنتاج والتوظيف”، حيث استشهد بسياسته التي كثيراً ما أعلن عنها والقاضية بالتحايل للتخلص من العقوبات الدولية عبر تعديل الممارسات الاقتصادية الإيرانية. وقد اتهم الخطاب نفسه حكومة الرئيس حسن روحاني بالفشل في جعل سياساتها الاقتصادية تتماشى مع توقعات المرشد الأعلى أو آمال الشعب، حيث قال: “ترتبط معظم المرارة والصعوبات الحالية بالمشاكل الاقتصادية التي يعاني منها الشعب.” ولم يتفوه خامنئي بكلمة واحدة عن الاتفاق النووي الذي أبرمته «مجموعة الخمسة زائد واحد» أو عن علاقات إيران مع الغرب.

وفي تناقض حاد مع كلام خامنئي، جاهر الرئيس روحاني في خطابه بمناسية العام الجديد بسجل نجاح حكومته على الصعيد الاقتصادي. ووصف النمو الاقتصادي الأخير والانخفاض في معدلات البطالة كنجاح “منقطع النظير” في السنوات الخمس والعشرين الأخيرة. ولم يأت على ذكر أي مشكلة في هذا الصدد، بل ركز بدلاً من ذلك على قضايا مثل “الدور الإيجابي الذي يؤديه اقتصاد المقاومة”، وإقدام الحكومة بشكل مستمر على تطبيق الاتفاق النووي، والنسبة المتزايدة من صادرات إيران غير النفطية وتخطيها الواردات خلال العامين الماضيين، و”الدبلوماسية النفطية” الناجحة التي تعتمدها طهران، التي من وجهة نظره سمحت للبلاد باستعادة مكانتها السابقة في مجال إنتاج النفط والغاز على الصعيد العالمي.

لماذا مشهد؟

كانت رسالة خامنئي الثانية عشية عيد النوروز خطاباً شعبياً نموذجياً ألقاه أمام حشود غافرة في ضريح الإمام الرضا في مدينة مشهد. وتؤدي هذه الزيارة السنوية دوراً شعائرياً مهماً في المحافظة على شرعيته كمرشد أعلى و”زعيم العالم الإسلامي” (وفقاً للدعاية الحكومية)، وكرئيس للمجتمعات السكانية الشيعية في المنطقة. ولطالما عرّف القادة الإيرانيون أنفسهم بهذه العبارات الأخيرة كجزء من دورهم السياسي – الديني في حماية جميع الشيعة داخل البلاد وخارجها، وتتضمن هذه المهمة الحفاظ على حدود أي منطقة شيعية (على سبيل المثال، تلك التابعة لنظام العلويين المرتبط بهم في سوريا).

ولا تعتبر مشهد المقر الرئيسي للطائفة الشيعية في العالم (فهذا اللقب عائد إلى قم)، إلا أنها أقدس المواقع الإيرانية بالنسبة إلى الشيعة لأنها تضمّ ضريح ثامن إمام من أئمة أهل البيت علي الرضا. وبناءً على ذلك، يبدو أن قرار خامنئي القاضي بجعل مدينة مشهد مقراً لهذا الخطاب السنوي البالغ الأهمية – وبالتالي المقعد الرمزي لقيادته الوطنية والمتخطية للحدود الدولية – هو خطوة مدروسة جيداً. ولم يغامر سلفه آية الله روح الله الخميني، في معظم الأحيان، بمغادرة طهران كثيراً في أعقاب ثورة عام 1979، ولم تكن له أي إقامة رسمية في أي من الأماكن المقدسة. إلا أن خامنئي يفتقر إلى بريق الشخصية والشرعية الطبيعية المتأصلة في كون شخص ما مؤسس الجمهورية الإسلامية، مما يجعل من إقدامه على ربط اسمه بشكل مستمر بأقدس مدينة في إيران أفضل خطوة بديلة يمكن أن يقوم بها.

وبالفعل، لم يختار مثل هذا المكان والزمان لأبرز خطاباته السنوية بصورة عرضية. ففي كل عام، تغصّ مدينة مشهد بمئات آلاف الحجاج المحليين والأجانب في وقت قريب من عيد النوروز لأسباب دينية وترفيهية. وفي 20 آذار/مارس، صرّح مهدي فيروزان، المتحدث باسم وزارة السياحة الإيرانية أن ١٬٥ مليون حاج قد أتوا إلى مشهد لتمضية العطلة السنوية لعام 2017. وبالنسبة لخامنئي – الذي هو حساس جداً لعدد ونوع الأشخاص الذين يستقبلوه خلال زياراته الرسمية في أي مكان في البلاد – يعتبر أن تمضية عيد النوروز في مشهد هي خطوة لا مثيل لها لأنها تؤمن له حشداً غفيراً (وإن لم تكن هذه الجماهير مجتمعة لمجرد لقائه). كما تسمح للنظام أن يخطط بدقة لزيارته السنوية المكلّفة بشكل متكلف إلى حد ما، وهو ما يجعلها تبدو عفوية في حين تعكس في الوقت نفسه عظمة، وألوهية إن صح التعبير، غائبتان عن الخطابات الأخرى (ويختلف هذا الأمر عن برنامجه السنوي المعتاد عند زيارته لمدن أخرى، حيث يشجع المسؤولون المحليون أو يجبرون الحشود الصاخبة على اللحاق بسيارته عندما يصل، فيتحول حفل الاستقبال إلى مهرجان شعبي صاخب). وبالتالي، فلأسباب رمزية ولوجستية على حد سواء، واصل باطراد تحديد موعد الخطاب في اليوم الأول من العام الجديد (20 أو 21 آذار/مارس) منذ عام 1997.

ما الذي قاله؟

نظراً إلى الشعبية والأهمية اللتين يحظى بهما خطاب خامنئي في مشهد، فإنه يستغله عموماً للتحدث بإسهاب عن مخاوفه وانتقاداته الأكثر إلحاحاً. وبالمقارنة مع الخطاب الذي ألقاه عام 2016، كان خطاب هذا العام أقصر وأكثر أيجازاً، في حين كانت نسبة كبيرة من أهميته تكمن في ما لم يقال.

وقد بدأ خطاب العام المنصرم بالتطرق إلى الاقتصاد، بما في ذلك نصيحة خامنئي المعتادة الداعية إلى تحسين الأوضاع المعيشية للشعب، وتعزيز الاعتماد على الذات، وما إلى ذلك. إلا أنه سرعان ما انتقل إلى الاتفاق النووي، مقللاً من فعالية المفاوضات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة ومحذراً المستمعين في الوقت نفسه من عدم الإخلال بمبادئ وسياسات النظام الإيديولوجية. ثم أسهب خامنئي في التكلم على وقائع تلمّح إلى ميول واشنطن المفترضة إلى الإخلال بالاتفاقيات [التي توقّع عليها] ونقض وعودها، موضحاً بشكل مفصّل كيف يزعم أنها فعلت ذلك فيما يتعلق بخرق أحكام الاتفاق النووي. وبالفعل، هاجم الجزء الكبير من الخطاب المناهض للولايات المتحدة على وجه الخصوص، هذه الأخيرة بأسلوب استفزازي ولاذع، إذ وُصفت في هذا الخطاب التحريضي مراراً وتكراراً “بالعدو”، وشجّع المستمعين على تجنب المبالغة في تقدير القوة الأمريكية، وقدم المشورة لهم حول كيفية مقاومة الضغوط الاقتصادية الأمريكية وإبطال مفعولها.

وفي هذا العام أيضاً، بدأ خامنئي خطابه بالتركيز على القضايا الاقتصادية، ووصفها بأنها “مشكلة ذات أولوية قصوى في البلاد”، وقدّم اقتراحاته المألوفة في هذا الصدد. ومع ذلك، تباين خطاب هذا الأسبوع بشكل حاد عن خطاب العام الماضي على صعيدين مختلفين.

أولاً، قضى خامنئي قدراً كبيراً من الوقت في التحدث عن الانتخابات الرئاسية الوشيكة في إيران المقررة حالياً لمنتصف شهر أيار/مايو. وتضمن حديثه هذا انتقاداً شديداً للمواطنين الذين نزلوا إلى الشوارع للاحتجاج على الانتخابات المزوّرة في عام 2009. وبعد أن حضّ خامنئي كعادته الشعب على زيادة الإقبال على الاقتراع (“المشاركة الحماسية لجميع الناخبين المؤهلين في الانتخابات ستضيف إلى فخر إيران وسلطتها ووثائقها التفويضية [على الشعب أن يعلم بان المشاركة الحماسية والرائعة في الانتخابات ستحصّن البلاد وتحد من اطماع الأجانب للتطاول وممارسة الخبث]”)، حذّر من أي شغب جديد: “لم أتدخل يوماً في الانتخابات، ولا أفرض على الشعب من يجب أو لا يجب أن ينتخبوه، ولكن إذا قرر بعض الأفراد أن يعرقلوا.. عملية الاقتراع عبر إثارة الشغب فسأتدخل وسأكون لهم بالمرصاد.”

ثانياً، والأكثر أهمية، أن المرشد الأعلى لم يتكلّم كثيراً عن “أعداء الثورة” المحليين أو الأجانب ولم يتفوّه بكلمة عن الولايات المتحدة. وعلى غرار خطابه المتلفز في 20 آذار/مارس، كانت رسالته في 21 آذار/مارس واحدة من أكثر الخطابات اعتدالاً على الإطلاق من بين تلك التي ألقاها خامنئي في مدينة مشهد، والتي اتسمت بغياب لافت للنظر في روحية التهديد والتحدي واللهجة القاسية تجاه مثل هؤلاء الأعداء. فقراره بالامتناع عن التطرق، ولو بكلمة واحدة، إلى الموضوعين المفضلين لديه، أمريكا والاتفاق النووي، هو ذو أهمية ومعنى. وعلى خلاف المخاوف التي تقول إن اعتماد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للهجة أكثر صرامة تجاه إيران سيحفز النظام على أن يصبح أكثر عدوانية، لم يأت خطاب خامنئي الرئيسي لهذا العام على ذكر الولايات المتحدة. وبالمثل، إن رسالته هي على الأقل إشارة أولية إلى أن موقف الولايات المتحدة الأكثر حزماً قد لا يحفّز المتشددين إلى حد كبير أو يقوّض الإصلاحيين. وعلى أقل تقدير، لم يبدو أن خامنئي قد عمد إلى تعزيز احتمالات فوز هؤلاء المتشددين الذين يعارضون روحاني في الانتخابات، ويبدو أن الرئيس مؤهل للفوز بولاية ثانية.

(معهد واشنطن)