مسيرة البترول والغاز في لبنان الانحرافات والحلول / د. نقولا سركيس

نقولا سركيس

من أبرز ما يلفت الانتباه في مسيرة البترول والغاز في لبنان، منذ بدايتها قبل نحو عشر سنوات حتى الآن، أنها تختلف في جوانبها الأساسية عما حصل ويحصل في البلدان ذات الظروف المشابهة أو القريبة. أوجه الاختلاف تطال عملياً كل المراحل، انطلاقاً من الدراسات الأولية اللازمة لتحديد النتائج المرجوّة من تطوير صناعة بهذه الضخامة، الى وضع الأطر القانونية والتنظيمية لذلك، ثم اختيار نظام استثمار يوفق بين أفضل مردود مالي واقتصادي وسياسي للدولة، من جهة، وربحية معقلة وكافية لاجتذاب الاستثمارات الأجنبية، من جهة ثانية. وهذا كله في إطار سياسة متكاملة وبعيدة المدى تهدف لتحقيق المصلحة العامة من استغلال ثروة طبيعية ناضبة، أثبتت التجارب في العديد من الدول الأخرى أنه يمكنها أن تكون عاملاً أساسياً في تنمية الاقتصاد الوطني، كما يمكنها، إذا ساءت إدارتها، أن تؤدي الى الفساد والى كوارث اقتصادية وسياسية أصبحت تعرف تحت اسم نقمة “Curse” أو لعنة “Malediction” المواد الأولية، خاصة البترول والغاز.

ومن حظ لبنان أنه ما زال في أول الطريق، وأنه ليس أول بلد يتساءل عن أفضل الشروط الممكنة لاستثمار ثروة طبيعية ما زالت “موعودة”، وهو من ثمة في وضع يسمح له باستخلاص العبر من تجارب الآخرين، الإيجابية والسلبية، وبسلوك الطريق الأسلم كي تكون هذه الثروة بالنسبة له نعمة لا نقمة. الا ان الخطى التي اتخذت حتى الآن تبدو في معظم أوجهها أكثر من مقلقة، إذ إنها تنطوي على انحرافات خطيرة، تدل أكثر فأكثر على أن الهدف المخفي المنشود هو تغليب بعض المصالح الخاصة على المصلحة العامة. ويمكن إيجاز هذه الانحرافات في النقاط التالية:

  • أول خطوة كانت أول خطأ في ترسيم الحدود مع قبرص

من الغريب أنه لم تقم الجهات المختصة بالدراسات الأولية اللازمة لرسم استراتيجية وطنية للطاقة، بما فيها البترول والغاز. مما يعني أن الأمور بدأت بشكل ارتجالي وتم التعاطي معها وكأنها مسائل محض إدارية توكل معالجتها الى بعض موظفي الدولة يعملون تحت إشراف بعض المسؤولية. وكانت النتيجة الأولى ان اول خطوة عملية حققها لبنان على طريق مسيرة البترول والغاز، وهي اتفاقية الحدود البحرية مع قبرص عام 2007، قد انطوت على خطأ فادح استغله العدو الإسرائيلي في ترسيم حدوده مع قبرص عام 2010، بشكل يسلخ ما يقارب 862كم2 من المنطقة الاقتصادية الخالصة التي تعود للبنان، بما تغطيه من مكامن محتملة من البترول والغاز. هذا ناهيك عن نزاع حدودي مع إسرائيل قد يؤدي، لا سمح الله، لحرب أو حروب جديدة مع الدولة العبرية. وعلى الرغم من فداحة خطأ كهذا، لم تتم الآن أية مساءلة او محاسبة لمعرفة أسبابه وهوية ونوايا المسؤولين عنه! والأغرب من ذلك أنه كان الخطأ الأول، تبعته أخطاء وانحرافات أخرى ما تزال بدورها دون مساءلة ودون محاسبة، وكأن شيئاً لم يكن.

  • التعتيم على القسم الأساسي من ا لتشريع البترول

أول عقبة يواجهها كل من يود معرفة المعطيات الأساسية لما يسمى “سياسة” البترول والغاز في لبنان هو جدار الصمت الذي ضرب حول خلفيات تعيين هيئة إدارة قطاع البترول وحول الشروط المزمع تطبيقها في اتفاقيات الاستكشاف والإنتاج مع الشركات الأجنبية. خاصة وان هذه الشروط وتفاصيلها لا توجد، كما هي الحال في سائر أنحاء العالم، في القانون البترولي 132/2010، بل في المراسيم التطبيقية، خاصة المرسوم المتعلق بمسودة الاتفاقيات المذكورة التي رفضت وزارة الطاقة وهيئة البترول الإعلان عنها ومناقشتها من قبل المجلس النيابي بالدرجة الأولى، ومع الجهات المعنية الأخرى من المجتمع المدني. ومن العجيب أن الكل ظل يتحدث طوال أربعة أعوام من ضرورة إقرار أو عدم إقرار مشروعي المرسومين الخاصين بتحديد البلوكات البحرية ونموذج الاتفاقيات المزمع عقدها مع الشركات Exploration and Production Agreements – EPA، وذلك دون ان تتاح له إمكانية الإطلاع على مضمونها، باستثناء عدد ضئيل جداً من المسؤولين في وزارة الطاقة وهيئة البترول. هذا كله وكأن مجرد الحديث عن الموضوع يمس سراً من أخطر أسرار أمن الدولة، في حين ان المسألة برمتها تتعلق بكل بساطة بشروط استثمار ثروة وطنية تعود ملكيتها لكل اللبنانيين ومن البديهي أنه من حق هؤلاء معرفة هذه الشروط، القانونية والمالية والضريبية والبيئية وغيرها، كما يحصل في البلدان الأخرى، حيث تناقش هذه الأمور علناً وتنشر في إطار القانون البترولي وتباع في المكتبات. هذا وقد وافقت الحكومة الجديدة على عجل، في أولى جلساتها في الرابع من كانون الثاني 2017، على هذين المرسومين بعد أن اعطي الوزراء مهلة لم تتجاوز 48 ساعة لقراءة ودراسة وتمحيص نصوصهما التي تمتد على 472 صفحة!

لا بل إن هذا التعتيم تنص عليه صراحة المادة 35 من مسودة اتفاقية الـEPA التي تؤكد تحت عنوان “الالتزام بالسرية” على أنه: “يجب ان تبقى هذه الاتفاقية وجميع المعلومات والبيانات والتحليلات والتفسيرات التي تم جمعها… سرية ولا يجوز افشاؤها او ننقلها من قبل أصحاب الحقوق الى أي شخص ثالث”…

هذا الوضع الفريد من نوعه دفع النائب محمد قباني، رئيس لجنة الأشغال العامة والنقل والطاقة والمياه في المجلس النيابي، الى القول في كلمة ألقاها في أواخر آب 2016 خلال ندوة عقدت في المجلس النيابي حول “إدارة قطاع النفط والغاز وحوكمته في لبنان: “أن أسوأ ما في مسيرة النفط والغاز الحالية هو الغموض الذي يحيط بالمعلومات ومحاولة إحاطتها بالسرية، حتى على المجلس النيابي، وهو أمر معيب يجب أن نخجل منه وننقلب عليه، إذ إن الوصول الى المعلومات في قطاع النفط والغاز كبير الأهمية، خصوصاً بالنسبة الى اللبنانيين”. وبعد أن أكد النائب قباني على “ضرورة الشفافية الكاملة في أعمال النفط والغاز”، استطرد قائلاً: “لن نقبل باستمرار هذا الغموض وهذه السرية المريبة وسنقوم بكل ما يلزم من أجل النفاذ الى المعلومات، خاصة وإننا حتى الآن لم نحصل على معلومات حول المرسومين الموجودين لدى مجلس الوزراء، وهذا أمر مستغرب ومرفوض من مجلس النواب، وهو سلطة الرقابة العليا في البلاد”.

ومن حسن الحظ أن مشروع القانون الخاص بدعم الشفافية في قطاع البترول والغاز يسد ولو جزئياً ثغرة كبيرة في هذا المجال، مع الأمر أن يشمل هذا القانون ليس فقط مرحلة منح الرخص والإنتاج، بل أيضاً المراحل التي تليها من التكرير الى التسويق، الخ… بانتظار ذلك لا يتردد بعض المسؤولين في التأكيد أن السياسة النفطية في لبنان “تمتاز بأعلى درجات الشفافية”، وأن المادة 35 من مسودة اتفاقيات الاستكشاف والإنتاج حول السرية ستسقط (إن شاء الله) عندما ينضم لبنان، الى المجموعة غير الحكومية Extractive Industries Transparency Initiative. أما أسباب هذا الانتظار، فلم يعلن عنها بعد.

  • خطف صلاحيات المجلس النيابي

من أخطر الانحرافات التي تشكو منها سياسة البترول والغاز في بلادنا كانت شلل المجلس النيابي وعدم قيامه بالدور المحوري الذي يعود له، وله وحده، في صياغة تشريع بترولي واضح ومعلن يتماشى مع المصلحة العامة ويضمن حقوق كل المواطنين. إلا أن ما حدث هو أبعد ما يكون عن إمكانية ممارسة مثل هذه المسؤولية. وذلك لأن النص التشريعي الوحيد الذي أصدره مجلس ا لنواب في هذا المجال كان قانون الموارد البترولية في المياه البحرية رقم 132/2010 الذي نشر في الجريدة الرسمية في 2 أيلل 2010.

الا ان هذا القانون جاء مقتضباً للغاية، في 27 صفحة من الحجم الصغير، ولا يتضمن، الى جانب الخطوط العريضة لبعض المبادئ العامة وإنشاء هيئة لإدارة قطاع البترول خاضعة لوزير الطاقة، أي رقم أو  اية إشارة للأحكام العملية الخاصة بشتى الأوجه الفنية والمالية والضريبية والاقتصادية وغيرها التي يجب ان تخضع لها صناعة البترول والغاز. ويبدو ان وزارة الطاقة وهيئة البترول التي أنشئت عام 2012 قد اعتبرتا ان شروط الاستثمار هي مجرد “تفاصيل” يتم توضيحها في إطار مراسيم تطبيقية للقانون 132/2010. وهذا ما حصل في الواقع إذ أن الهيئة المذكورة ما كادت تبصر النور في ظروف غامضة عام 2012، حتى انهالت المراسيم الواحد بعد الآخر. مراسيم تمتد على مئات الصفحات، وضعت بالإنكليزية من قبل جهات أجنبية بعضها مجهولة الهوية، ثم أرسلت الى بيروت حيث ترجمت للعربية بالتعاون مع بعض أعضاء هيئة البترول، بما في ذلك مشروع مسودة اتفاقيات الاستكشاف والإنتاج EPA مع الشركات الأجنبية الذي أقر في مطلع كانون الثاني الماضي والذي يتضمن كل المعطيات الأساسية وكل التفاصيل الخاصة بمجمل شروط استثمار البترول والغاز.

وبما ان الشيطان كما يقال يختبئ في “التفاصيل”، فالواقع هو أن كل شياطين وكل قردة الشروط التنظيمية والمالية والاقتصادية والإدارية، إضافة الى حقوق الملكية والمراقبة وغيرها من شروط استثمار البترول والغاز تكمن في ثنايا مرسوم لم يطلع عليه المجلس النيابي، أي ممثلو الشعب اللبناني، ولم يطلب منهم أحد رأيه في هذا الموضوع. بهذا المعنى يمكن القول ان الأمور تسير وكأن وزير الطاقة والستة موظفين الأعضاء في مجلس إدارة هيئة قطاع البترول قد اعتبروا ان الـ128 نائباً في المجلس النيابي قد جيروا لهم القسم الأعظم والأساسي من صلاحيات التشريع في هذا القطاع الحيوي من الاقتصاد الوطني. مع العلم ان هذا ا لوضع مخالف للدستور ولمبدأ الفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.

  • تحوير (أو تزوير) قانون 2010 وتعطيل دور الدولة

بعد خطف الصلاحيات التشريعية من المجلس النيابي، لم تتردد وزارة الطاقة وهيئة إدارة البترول في الذهاب الى أبعد من ذلك، عندما حورت بعض الأحكام الأساسية من القانون 132/2010، خاصة ما يتعلق منها بنظام الاستثمار، وذلك عبر المراسيم التطبيقية، وفي طليعتها مرسوم الاستكشاف والإنتاج. (EPA_ فالواقع هو ان القانون يشير في أكثر من مادة الى تبنى نظام الاستثمار المعروف عالمياً بنظام تقاسم الإنتاج (Production Sharing Agreement) او PSA. وليس هذا بالمستغرب إذ إن هذا النظام قد انتشر بسرعة في مختلف كل بلدان العالم، بعد التخلي عن نظام الامتيازات القديمة، لأنه يوفق على أحسن وجه بين مصلحة الدولة المضيفة التي تريد المحافظة على حقوق السيادة على مواردها الطبيعية وتحتاج للرساميل والخبرات الأجنبية، من جهة، ومصلحة الشركات العالمية التي تملك الرساميل والخبرات اللازمة لذلك وترغب في تطوير مصادر تموين خاصة بها، من جهة ثانية.

ويقوم نظام الـPSA هذا، بخطوطه العريضة، على منح الشركة الأجنبية حقوق التنقيب وتحمل مخاطره على نفقتها الخاصة. وفي حال اكتشاف قابل للاستثمار يدخل البلد المضيف كشريك بنسبة لا تقل عادة عن 40 – 50%، ويدفع حصته تدريجياً عن طريق الـCarried Interest، ثم يصار لتقاسم نفقات تطوير الحقل وتقاسم الإنتاج وتسويقه بنفس النسب. علاوة على ذلك يترتب على الشريك الأجنبي دفع إتاوة (Royalty) لا تقل عادة عن 12.50% من قيمة الإنتاج وضريبة على الأرباح، بالإضافة الى علاوات ورسوم مختلفة تؤدي  في النهاية الى حصول البلد المضيف على نسبة تتراوح عادة بين 60% و85-90% من الأرباح. وما لا يقل أهمية عن ذلك هو أن نظام الـPSA هذا هو أفضل نظام ممكن كي يؤمن للبلد المضيف إمكانية المشاركة الفعلية في الأنشطة البترولية والغازية، عبر شركة وطنية تمثل الدولة، وتدريب الكوادر المحلية، واكتساب الخبرات اللازمة. وهذا ما يفسر انتشار هذا النظام في العشرات من دول العالم، بما فيها الدول الأعضاء في منظمة أوبيك، وروسيا وشتى دول أفريقيا وآسيا وأميركا الجنوبية، الخ…

الا ان المفاجأة الكبرى جاءت عندما أقدم واضعوا نموذج اتفاقيات الاستكشاف والإنتاج في لبنان على تجاهل القانون البترولي 132/2010 وما نص عليه بخصوص تبني نظام تقاسم الإنتاج، ليستعيضوا عنه بمفهوم آخر فريد من نوعه أطلقوا عليه اسم “تقاسم الأرباح”، وهو مفهوم مبتكر يؤدي عملياً الى عودة مقنعة الى نظام الامتيازات القديمة التي انتهت كل البلدان العربية والدول المنتجة الأخرى من تصفيتها منذ آخر عمليات التأميم في السبعينيات من القرن الماضي. الا ان مفهوم تقاسم الأرباح الذي تنص عليه مسودة الاتفاقيات المقترحة في لبنان يقف على طرفي نقيض مع نظام تقاسم الإنتاج المتعارف عليه في العالم، وذلك لعدة أسباب جوهرية، أهمها: (1) إن هذا المفهوم  المبتكر يلغي تماماً دور الدولة المحوري في استثمار ثرواتها وإمكانية  المساهمة الفعلية مع الشريك الأجنبي في الأنشطة البترولية، و(2) إنه يعطي حق ملكية كل ما يتم اكتشافه من البترول والغاز للشركة العاملة لا للدولة، التي تصبح مجرد متفرج كما كانت الحال في القرن الماضي عندما كانت الشركات البترولية العملاقة صاحبة الامتيازات التي قضى عليها الزمن تقوم وحدها بكل الأنشطة من البئر الى أسواق الاستهلاك.

بهذا المعنى يمكن القول ان تجاهل نظام تقاسم الإنتاج الذي نص عليه القانون 132/2010 واستبداله بما سمي تقاسم الأرباح يبدو كتزوير حقيقي وبغاية الخطورة للقانون البترولي، غايته شل الدولة وإبعادها عن أي نوع من المشاركة الفعلية في سير وإدارة ومراقبة صناعة البترول والغاز في لبنان، لتحل محلها مصالح خاصة كما تدل على ذلك التدابير التالية التي تم اتخاذها فيما بعد. أخيراً لا آخراً بلغ التمادي في شل دور الدولة حد إقصائها كلياً عن الإشراف على الشركات العالمية، وحصر صلاحياتها في إطار حق طلب تعيين “مراقب” لها في بعض اجتماعات اللجنة المذكورة (المادة 16)، بدلاً من أن تحتل مكانها الطبيعي، أي مكان الصدارة بصفتها صاحبة حقوق السيادة وحقوق الملكية على ثروات البلاد الطبيعية. هذا كله يطرح السؤال: لماذا هذا التزوير لمبدأ أساسي من القانون البترولي، ولماذا لم تتم بعد مساءلة ومحاسبة من أساء الأمانة واستباح حقوق ملكية اللبنانيين على ثرواتهم الطبيعية.

أخيراً لا آخراً، يؤدي هذا التزوير لقانون 2010 وهذا التجاهل لنظام تقاسم الإنتاج الذي نص عليه، الى خسائر مالية فادحة لأن هذا النظام يقتضي بطبيعته استلام الدولة، عبر شركتها الوطنية، حصتها من الإنتاج فوراً وتسويقها محلياً او عالمياً، وتقاضي قيمتها. في حال إن ما سمي تقاسم الأرباح فيعني انتظار ما تعلن عنه الشركة العاملة من نفقات وإيرادات وأرباح، وكلها عناصر تتحكم بها الشركات المعنية.

لهذه الأسباب يمكن القول ان هذه العودة المقنعة لنظام الامتيازات، عبر تبني مفهوم تقاسم الأرباح، يعني عملياً العودة لنظام استثمار تخلت عنه كل الدول المنتجة تدريجياً، من المكسيك عام 1938 الى كل الدول ا لنامية الأخرى في مطلع السبعينيات من القرن الماضي، مروراً بحكومة محمد مصدق في إيران عام 1951. واليوم يصبح لبنان البلد الوحيد العالم الذي يقدم على هذه القفزة المرعبة الى الوراء، والتي لا يقدم عليها أي بلد آخر.

ومن اللافت ان عدة اساليب تضليل استعملت لتمرير هذه الانحرافات، منها الادعاء بأن لبنان يستوحي سياسته النفطية من “النموذج النروجي”، في حين إنه لا يوجد أي وجه شبه، ولو من البعيد البعيد، بين ما حصل ويحصل في النروج وما يحصل عندنا. لا بل إن العكس هو الصحيح. هذا ما أشارت اليه بالتفصيل رسالة مفتوحة وجهت لسفير النروج في لبنان ونشرت في جريدة السفير بتاريخ 23 آب 2015. وقد جاء جواب السفير المذكور بسرعة بأن النروج تستقبل موفدين من حوالي عشرين بلداً، يقضون فيها بضعة أيام او أسابيع ثم يعودون الى بلادهم حيث يقررون ما يحلو ما لهم.

  • مصالح خاصة وشركات وهمية تحل محل الدولة

تعطيل دور الدولة واقصاؤها كلياً عن مواقع المشاركة والمراقبة في عمليات استثمار البترول والغاز كرستها صراحة المادة رقم 5 من مسودة الاتفاقيات المقترحة مع الشركات العاملة (EPA) التي تنص حرفياً على انه: “لن يكون للدولة مشاركة في دورة التراخيص الأولى”. وقد اتضح الهدف من ذلك واكتملت الحلقة عندما أعلنت هيئة البترول رسمياً في آذار 2013 عن موافقتها على “تأهيل مسبق” لـ46 شركة يمكنها الحصول على حقوق استكشاف وإنتاج. وكانت المفاجأة عندما تبين أن لائحة الشركات المؤهلة للقيام بعمليات حفر وإنتاج في مياه بحرية يصل عمقها الى اكثر من2.000 متراً تضم، علاوة على شركات عملاقة معروفة عالمياً، شركات أخرى متوسطة او صغيرة ليس لها أدنى خبرة في هذا المجال، يسمى بعضها في الأوساط البترولية “الهوليكان” أي الشركات المارقة بسبب سجلها الحافل بعمليات الاحتيال والملاحقات القضائية، في عدد من البلدان المنتجة. تضاف اليها شركات وهمية لا وجود لها الا على الورق تم تسجيلها خلال الأسابيع التي سبقت عملية التأهيل “الرسمي”. هذا هو خاصة وقضع شركتي Petroleb التي سجلت في السجل التجاري في بيروت، وشركة أطلق عليها اسم Apex Gas سجلت في هونغ كونغ براسمال 10.000 دولار هونغ كونغي، أي ما يساوي 1.290 دولار أميركي.

والمعروف أن المقصود من ذلك هو تمهيد الطريق لشركات صورية او صغيرة تعود لأفراد ومصالح خاصة، كي تحل محل الدولة وشركتها الوطنية في مشاركة شركات عالمية للحصول على حقوق استكشاف وإنتاج، بما فيها حقوق ملكية لقسم من مجموع كميات البترول والغاز التي يتم اكتشافها. وقد تم التمهيد لها النوع من المشاركة غير المسبوقة عبر شرط توضحه المادة 5.2 من دفتر شروط مسودة اتفاقيات الاستكشاف، التي تحصر حق طلب رخصة تنقيب  وإنتاج بـ”شراكة تجارية غير مندمجة” تضم على الأقل ثلاث شركات سبق تأهيلها، منها شركة تقوم بدور المشغل (Operator) بحصة 35% على الأقل، وشركتين غير مشغلتين (Non-Operators) بحصة 10% على الأقل لكل منهما.

هذه البهلوانيات “القانونية” تعطي عملياً للمسؤول الذي يملك صلاحية منع حقوق تنقيب وإنتاج البترول والغاز في لبنان إمكانية “نصيحة” الشركات الكبرى التي تود القيام بدور “المشغل” ان تتخذ كشريك لها واحدة أو أكثر من الشركات الصغيرة الأخرى او حتى الشركات الوهمية التي لم تتردد هيئة البترول في الإعلان رسمياً أنها “مؤهلة” للقيام بمثل هذه المهمة وفق المرسوم 9882/2013. وهكذا اذا افترضنا ان قيمة ما يتم اكتشافه في حقل ما تبلغ 20 مليار دولار مثلاً، وان نسبة مشاركة الشركة الصغيرة او الوهمية 10%، فتكون قيمة الحصة التي يعود لها حق ملكيتها، وبشكل “شرعي”، 2 مليار دولار، تضاف اليها بالطبع العمولات والأرباح على أنواعها المرتبطة بكل عمليات الاستكشاف والتنقيب والإنتاج والتسويق طوال مدة الاتفاقية، أي ما يقارب 40 سنة!

  • خسائر مالية فادحة

تضاف الى ما سبق انحرافات وثغرات أخرى تعود لتعاسة الشروط المالية والضريبية المقترحة، مقارنة مع الشروط المتعارف عليها والمعمول بها في البلدان الأخرى. ويصح هذا بشكل خاص بالنسبة للإتاوة على إنتاج الغاز التي لا تتجاوز 4% أي اقل من ثلث نسبة 12.50% الأكثر انتشاراً في العالم، وحصة من أرباح الشركات العاملة لا تتجاوز 30% (قبل عملية مزايدة ملغومة) وضريبة دخل ما زالت على مستوى 15% من المرتقب رفعها الى 20%. هذا بالإضافة للغياب التام لما يسمى علاوات (Bonus) التوقيع ومستويات الإنتاج، وإعفاء الشركات من بعض الضرائب والرسوم الخ…

نتيجة ذلك ان معدل نصيب الدولة من مجموع الأرباح، خلال سنوات طويلة بعد انطلاق الإنتاج، لن يتجاوز في أحسن الحالات 50-52%، أي أدنى بكثير من الحد الأدنى الذي تحصل عليه الدول المنتجة، والذي يتراوح بشكل عام بين 60-80%، في حين يرتفع الحد الأعلى أحياناً الى 90% في بعض البلدان كالنروج وغيرها. لا بل أن الأسوأ من ذلك هو ان حصة لبنان المتوقعة على ضوء النصوص الراهنة تبقى أقل مما كانت تحصل عليه الدول المنتجة قبل تأميم الامتيازات القديمة في السبعينيات من القرن الماضي (إتاوة 12.50% وضريبة 50% على الأرباح). وهذه كلها فروقات تترجم طبعاً بخسائر كبيرة بالنسبة للبنان. خسائر ليس لها أي مبرر إذ إنه يمكن تفاديها، مع الاخذ بعين الاعتبار ضرورة الشروط المطبقة في البلدان القريبة والبعيدة، وضرورة تأمين ربحية معقولة ومقبولة للشركات الأجنبية العاملة.

مصدر آخر للخسارة يكمن في آلية المزايدة التي تنص عليها المادة 24 من مسودة الـEPA الخاصة بكيفية تقاسم ما يسمى بترول او غاز الربح بين الدولة والشركة العاملة. هذه الآلية الفريدة من نوعها تعنى ان بعض العناصر المعتمدة لتحديد حصة كل من الطرفين لا يحددها القانون او المرسوم بل تخضع للتفاوض مع كل شركة على حدة، وراء أبواب موصدة، أي في شروط تتعارض كلياً مع الشفافية التي تحتاجها الشركات المعنية التي لا تربطها “علاقات خاصة” مع ممثلي الدولة، كما تتعارض مع المصلحة العامة في البلد المضيف والتي تستلزم تجنب كل فرص ومزاريب الرشى والفساد.

  • حاجة ملحة لشركة نفط وطنية

أقل ما يمكن أن يقال إنه ليس من الطبيعي ان يكون لبنان واحداً من البلدان النادرة في العالم، لا بل البلد العربي الوحيد، من الخليج الى المحيط (بما في ذلك إقليم كردستان العراقي!) الذي لم تنشئ بعد شركة نفط وطنية. ومن البديهي ان هذا الوضع غير طبيعي لأنه لا يمكن رسم وتنفيذ سياسة بترول وغاز وطنية، دون وجود أداة حكومية تكون بمثابة ذراع الدولة في ممارسة حقوق السيادة وخدمة المصلحة العامة في هذا المجال الحيوي، خاصة أن شركات النفط الوطنية أصبحت تحتل مكان الصدارة في صناعة النفط العالمية، وان حصتها من إنتاج البترول الغاز في العالم قد قفزت من أقل من 10% قبل عمليات التأميم في السبعينيات من القرن الماضي، الى ما فوق 90% حالياً.

لذلك، فإن التردد في لبنان حول إنشاء شركة نفط وطنية (يمكن أن تكون مختلطة بين القطاعين العام والخاص) هو وضع شاذ لا يمكن تفسيره الا بجهود البعض الرامية للإبقاء على شل دور الدولة في الاشراف على هذه الصناعة ولترك المجال مفتوحاً أمام بعض المصالح الخاصة، كما تمت الإشارة الى ذلك أعلاه.

  • انحرافات وثغرات أخرى

علاوة على ما سبق لا بد من الإشارة الى احكام أخرى غير طبيعية في المراسيم التي تم إقرارها حتى الآن والتي لا مجال للدخول في تفاصيلها في إطار هذه المذكرة، وفي طليعتها:

  • دمج موضوعي الاستكشاف والإنتاج في المرسوم رقم 43، وهذا خلافاً لما هو متعارف عليه ومعمول به في صناعة البترول والغاز، حيث يتم أولاً منح رخص استكشاف مستقلة لبعض سنوات، تتحول فيما بعد الى اتفاقية انتاج تغطي فقط منطقة اكتشاف مكامن وكميات قابلة للاستثمار تجارياً.
  • معدل مساحة الرقع او البلوكات العشر يتراوح حوالي 2.000ك2 لكل منها، أي خمسة أضعاف مساحة البلوكات التي حددتها إسرائيل مؤخراً لمنح حقوق تنقيب جديدة. اما في لبنان فيمكن القول إنه كان من الأفضل تقسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة الى ما بين 15 و20 رقعة، مما يزيد في قدرة لبنان التفاوضية ويسمح له بالتفاوض عليها تدريجياً، وفق ما ينجم عن عمليات الحفر الأولى من معطيات.
  • أول دخل بترولي وأول بوادر السمسرات: من المؤسف أن أول “دخل بترولي” حصل عليه لبنان كان سابقة غير مشجعة بالنسبة لما ينتظرنا. هذا الدخل كان حصة الدولة من قيمة بيع المعطيات (Data) التي تم الحصول عليها في إطار عقود المسح البحري ثم البري. عقود تمت كلها بالتراضي مع شركات أجنبية دون استدراج عروض، ودون ان تعرف أسباب اختيار هذه الشركات دون غيرها. اما المعروف فه ان ما حصل جاء نتيجة نشاط بعض الوسطاء، وان حصة الدولة من قيمة مبيع معطيات المسح البحري قد تجاوزت 30 مليون دولار، أي مبدئياً ثلث مجموع الأرباح، دون أن يعلن حتى الآن عن كيفية التصرف بهذا المبلغ.

أما المسح البري الذي تم هو أيضاً بالتراضي عن طريق الوسطاء، فقد قامت به شركة مغمورة اسمها NOOS يملك القسم الأكبر من رأسمالها رجل أعمال بريطاني متخصص في بيع المأكولات على الانترنت. والأطرف من ذلك، هو ان توقيع العقد مع هذه الشركة تزامن مع تصاريح ترويج لبعض المسؤولين مفادها  أنها شركة رائدة تعد بين مساهميها الملياردير الأميركي بيل كيت، وانها مختصة بتقنيات مسح جيولوجي تستعملها النازا الأميركية!

ضرورة تصليح المسار قبل فوات الأوان

خلاصة هذه النظرة السريعة على مسيرة البترول والغاز في لبنان هي ان البعض قد رأى. على ما يبدو في الثروة الموعودة فرصة العمر لتكديس الثروات، على حساب المصلحة العامة. وهذا ما يفسر انعدام الشفافية وسلوك ما شاهدناه من طرق ملتوية تخالف ما هو معروف في سائر أنحاء العالم، لتمشي بعكس السير، وبعكس المنطق وبعكس ما يتأمله اللبنانيون.

والآن بعد أن أضعنا من السنين ما فيه الكفاية، أصبحت الضرورة أشد إلحاحاً من أي وقت مضى لتفادي تكرار الخطأ الفادح الذي رافع توقيع اتفاقية ترسيم الحدود مع قبرص قبل عشرة أعوام، ولتفادي التوقيع على اتفاقيات إنتاج مجحفة تربط لبنان لعشرات السنين، ويصبح من شبه المستحيل الإفلات منها. وذلك بانتظار سد الثغرات وتصحيح ما حصل من انحرافات، عبر حوار وطني علني وصريح، على غرار ما حصل في النروج وغيرها، حول استثمار ثروة يتوقف عليها لعدة عقود انعاش اقتصادنا ومستقبل شبابنا.

وغنى عن القول إن أسلم وأسرع طريق الى هذا الحوا هو تبديد التعتيم الذي ما زال سائداً وتمكين وسائل الاعلام من الاطلاع على كل ما هو محاط بالسرية، وذلك عبر ندوات تلفزيونية وغيرها يشارك فيها عدد من رجال القانون والاقتصاد وأساتذة الجامعات ممن يفخر بهم لبنان، الى جانب ممثلين عن مختلف أطياف المجتمع المدني. حينذاك لن يكون من الصعب على اللبنانيين إدراك مخاطر التضليل الذي تم انتهاجه حتى الآن، وإعطاء رأيهم حول مسار قضية وطنية بمثل هذا الحجم، يتوقف عليها الى حد بعيد مستقبلهم ومستقبل أولادهم.

(الأنباء)