بكائية البحر الميت

د. قصي الحسين

K.H

اختيار الجزء الشمالي من البحر الميت للقمة العربيّة – 28 في عمان، على مقربة من جسر العودة، وما هو ببعيد عن مدينة أريحا الفلسطينية، إنما يمنح هذه القمة العربيّة، بعداً رمزياً في برهة هي الأشد سخونة منذ تأسيس الكيان الصهيوني.

وعملت المساعي المختلفة، على جعل هذه القمة المعقودة في فوهة بركان، وكأنها فوق بركان يمور بالنيران والحمم دون بلوغ حدود الانفجار. فباتت أجواء ما قبل القمة تبدو أقل احتقاناً، للمصالحات التي كانت ممنوعة وللقاءات التي كانت مرفوعة، بين السعودية ومصر، وبين السعودية والعراق، وبين الرئيس الفلسطيني الأخ محمود عباس أبو مازن، وبين الرئيس المصري المشير عبد الفتاح السيسي.

وبذل الملك الأردني في ذلك جهوداً خفية وعلنية، لاعطاء عمق عظيم وبعيد، لأكبر تضامن عربي قبل زيارات واشنطن، حتى تؤوب بعد ذلك بنتائج ايجابية، ولاعطاء عمق أعظم لجهود الجامعة العربيّة، حتى لا تظل بلا معنى، وحتى يكون لها دور في تقريب وجهات النظر بين الأطراف المدعوة: العربيّة والأجنبية ولتوحيد الصف العربيّ، بالتزامن مع رعاية الملك الأردني لتأمين حضور عربي جامع، يبلغ حدود 15 زعيماً عربياً، وربما ينوف عن ذلك بعدد قليل.

كما يبدو، يعمل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لإخراج الملف الفلسطيني – الإسرائيلي من النسيان، خصوصاً وأن منطقة الشرق الأوسط منشغلة بالحرب على “داعش” من “الموصل” إلى “الرقة”، وما بينهما من حروب سورية في دمشق وحماة وحروب العراق واليمن وليبيا، وخروج السعودية للضرب بيد من حديد على الحوثي في اليمن وخروج إيران للضرب بيد من حديد في سورية والعراق ولبنان، بنفسها أو بالواسطة.

لا يحجب البحث عن حل للنـزاع الفلسطيني – الإسرائيلي بالاصطدام بالموقف الأميركي لصالح اسرائيل وحمايتها من المحاسبة كما ورد في تقرير ريما خلف / الأمينة العامة للجنة الأمم المتحدة الاجتماعية والاقتصادية لغرب آسيا (إسكوا). ويقول الأمين العام لجامعة الدول العربيّة أحمد أبو الغيط، أن الأردن في قمة البحر الميت، ليس أمام بكائية عربية، وإنما أمام رغبة عميقة من الملك الأردني الذي يشبه الملك الضليل امرئ القيس للمطالبة من العدو والصديق بالحق العربيّ المهدور، ولتحريك الملف الفلسطيني، بإيجابية وجاهزية واستباقية، خصوصاً أن النيران في الجوار الاقليمي: ليبيا والعراق وسورية واليمن، إنما تطغى على منطق “الأيدي المقيدة” أو “الملوثة”، بسبب فجور التنظيمات الإرهابية والدول الداعمة لها أو الواقفة خلفها لا فرق.

والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ومعه ملفات الدول العربيّة المشتعلة بالتنظيمات الارهابية: سورية والعراق وليبيا واليمن ولبنان وأخيراً فلسطين، إنما تجعل عموم المجتمعين في قمة البحر الميت يدخلون في صلاة جامعة عنوانها: “بكائية البحر الميت”، لأنهم أعجز من الوصول جميعاً إلى نتائج. وأن أقصى ما يمكن بلوغه هو تأمين الضوابط على الحدود الساخنة وفي الأرض الساخنة وفي العلاقات الساخنة وفي الأخوة الساخنة على حدّ سواء.

وإذا كان في أفق القمة العربيّة ما يسهم في رفع مستوى منسوب التفاؤل، بقرب الوصول إلى نتائج، ترسم حدود هزيمة داعش، أقله في الموصل والرقة؛ فإن القناعات المشتركة لدى أهل القمة في البحر الميت، لا تستطيع الوصول إلى حلول سياسية، إزاء الموقف من إيران والنيات الأميركية لضرب ما يمكن أن تصل إليه إيران في سورية والعراق وفلسطين ولبنان بعرض الحائط.

إنه قدر الأردن المحدد كما تقول فاتنة الدجاني (جريدة الحياة 24/3/2017) بالجغرافيا والتاريخ، هو الذي يجعل الفلسطيني الواقف في أريحا، على الجهة الأخرى من البحر الميت، يكاد يسمع رنين خطب القادة العرب المجتمعين على الضفة الأخرى، مباشرة ومن دون وسائط اعلامية، وينتظر مخرجاتها. ونحن نسمع بعده اجهاش البحر الميت بالبكاء، على عودة اللاجئين السوريين والعراقيين إلى بلادهم وبيوتهم، بالإضافة أخيراً وليس آخراً، إلى عودة اللاجئين الفلسطينيين، من خلال النوافذ المعتمة لقمة على جسر العودة، ويمضي في كوابيسه المفزعة وبملحه الأبيض الناصع الذي لا يطاق، حتى النهاية.

ليس بعيداً من ذلك، أن العلاقة مع روسيا والصين، كما في أجندة الرئيس “ترامب” إنما تتخذ أولوية على الشركاء والحلفاء في أوروبا، وعلى الشراكة مع تركيا والدور الذي تلعبه. إذ إن القمة العربيّة تعي أن تركيا هي من الدول الناظمة لحلف شمال الأطلسي “الناتو”، وأنها في أقصى خدماتها للعرب، واقعة بين نيران الروس ونيران أميركا ونيران أوروبا، هذا إذا ما استثنينا، مدافع آيات الله الإيرانية، المنتصبة قبالة حدودها، تحدد لها دورها بحذر، على رؤوس التلال، وفي الجزيرة الفراتية ومنبج وجرابلس وعلى صدور الرايات، وفي أبواق الاعلانات والإذاعات.

في قمة البحر الميت، عويل التاريخ العربيّ المثخن بالجراحات والخيانات والعداوات والمؤامرات، وليس بكائية البحر الميت على فلسطين المغتصبة من الكيان الإسرائيلي، إلاّ بكاء السبي العربيّ اليوم من المحيط إلى الخليج.

وما بعد الموصل والرقة، يقول جورج سمعان (الحياة 27/3/2017)، ليس وحده ما يقرر المستقبل. تبدلت الأوضاع في السنة الأخيرة هذه. هناك إدارة أميركية جديدة بدأت تنهج سياسة مختلفة. يتضح هذا من الحرب على الإرهاب التي تقودها في كل من العراق وسورية. فيما تصاعد النفوذ الروسي، ليس في دمشق فحسب، بل تفيد التقارير بأن الكرملين يسعى إلى أن تكون له اليد الطولى في المنطقة كلها.

في قمة البحر الميت، عويل التاريخ العربيّ كله. والناظر في صورة الأزمات، لا يخطئ مسؤولية العرب عنها. وتفاقم الصراع المذهبي السني/ الشيعي، الذي مزق الهويات الوطنية لحسابات خارجية أكثر منها داخلية، يجعل الأمر أبعد من آستانة وجنيف ونيويورك وواشنطن وموسكو. فهل البكاء فوق قمة البحر الميت غيره فوق القمم العربيّة الأخرى.

(*) أستاذ في الجامعة اللبنانية