مع تيمور جنبلاط تراث كمال جنبلاط في الحفظ والصون

د. قصي الحسين

K.H

ما أشق على تيمور جنبلاط، أن يضع وليد جنبلاط على كتفيه عبء تراث كمال جنبلاط. ولا بد حقاً أن يخشى الأب على ابنه من أن ينوء كتفاه بأثقال تراث جده. انتظر وليد جنبلاط برهة كمال جنبلاط المثقلة بالعرق والدم أربعين عاماً، حتى يصوغها تاريخاً، وحتى يصوغها تراثاً، ويقدمها غرسة للنضال اليومي: اللبناني والعربي والإنساني. للنضال الوطني والقومي والأممي. ولما لا، فلم يتأخر التاريخ أربعين عاماً، وإنما أراده وليد جنبلاط، بما كسا تيمور من حلل تراث الكمال، أن يتجدد اليوم بعد أربعين عاماً. أن يبدأ من سخونة البرهة دماً وتراثاً ونضالاً معاً في آن، ويجدد في نفوس الجماهير، روحاً تتوق الى البناء الحديث على أساس من تراث الأصالة والعراقة والثوابت التي تطوي الدهور طي الصخور، ولا تطويها الدهور.

ولا يقتصر محيط تراث كمال جنبلاط على جبل بني معروف وارز الشوف، وإنما يمدّنا بذخائر العروبة والاسلام والوطنية والقومية، هي من الدرجة الأولى، لأنها بلغت أقصى الأرض، وأقصى الهند، وقدمت لنا وطنيين وقوميين واشتراكيين وتقدميين، الصورة المتنوعة عما بلغه إرث كمال جنبلاط الذي غشى أو كاد في محطة تاريخيّة من المحطات، بلاد العرب والمسلمين ومواطن الإنسانية والأممية والإشتراكية والناس أجمعين.

وقد حدث أو يحدث أحياناً، أن يمثل إرث كمال جنبلاط، مصدر إلهام وتثوير للجماهير في الجبل والإقليم والجوار والمناطق في لبنان كافة، غير أنه يظل المصدر الوحيد والأهم لتاريخ حقبة وطنية وقومية وأممية وإنسانية معينة، أينما كانت قدما كمال جنبلاط تطأ أرضاً، أو تنـزل صعقاً او تبارك داراً أو دياراً أو تطفئ أوطاراً.

ومن هنا، كان على وليد جنبلاط في برهة الأربعين عاماً على الشهادة والغياب، أن يؤكد على الإرث الثقيل، وأن لا يخشى لا الاقتراف ولا الاعتراف، بأهميته تراثاً لدار المنارة ودار المختارة، أنبتت في النفوس وأرست في النصوص، وأحيت في قناديل الشموس، وهج حياة علمية، لا تزال تند عن الباحثين والثائرين والسالكين، لأهميتها القصوى، ولتنوعها العظيم فنوناً وأنماطاً. ففي دار المختارة التي ابتنت بها “الذكرى الأربعون” الأحد 19/3/2017، إنما وقف التاريخ يشهد على كتفي تيمور بك، أن حدثاً جليلاً وقع، وأنه لا يزال لحماً ساخناً، وأن إرثاً وتراثاً بقناديل من الضوء الذي لا يطفأ، إنما يسطر رسالة، ويسيل علماً، ويطبع عملاً وطنياً وقومياً في لبنان وفلسطين، كلما قابلته رسائل كمال جنبلاط التاريخية في الأفلاك والرهانات والتطلعات، بل كلما قابلته عناوين كتبه، ومقالاته ومقابلاته التي نافت على المئات ووضعت من أجلنا، من أجل تقدمنا، من أجل الباحثين والعارفين وجمهور المناضلين والثوار المختلفين، وجثت، بل سجت بكل ثقلها في التاريخ القريب والبعيد بجوار دار المختارة إنما هي في الحفظ والصون.

ونحن بعد اليوم، كما قبله، إذ نقرأ الأسفار التي تضمنها تراث كمال جنبلاط، على أكتاف حفيده الصاعد الأستاذ تيمور بك جنبلاط، إنما لنقدر من جديد عبء العبقرية الجنبلاطية، التي امتلأت بها عباءة كمال جنبلاط، وهي ترسو على كتفي تيمور جنبلاط. والذكرى هي الأربعون عاماً، وربما هي الأربعماية عاماً أو الأربعة آلاف عاماً، كما يرى الراؤون ويتحدث المتحدثون والسالكون والمناضلون.

فتراث كمال جنبلاط العلمي والأدبي والفلسفي والحكمي، كما السياسي والثوري، إنما هو تراث قادم من مناخ النضال والثورة والأصالة والحداثة، لتجديد عبقرية الأجيال اللبنانية والعربية والإنسانية التي لا بد أن تقتحم المرحلة القادمة، تماماً كما اقتحمت المراحل المعتمة، وضوأت عليها، وأنارت جوانبها، وثوّرت نفوس الأبطال بالمناضلين والمجاهدين، ودفعتهم الى ساحات الإصلاح والتغيير والبناء والتحرير والتعمير.

رسالة وليد جنبلاط، والذكرى هي الأربعون، والوريث هو تيمور، إنما هي اللحم الساخن بالشهادة دفاعاً عن عروبتين: عروبة لبنان وعروبة فلسطين. ودفاعاً عن شرفين: شرف التطهير وشرف التحرير، وهو يقرأ الجغرافية العلمية الدقيقة للظواهر الخبيئة وللنوايا الخبيثة، ليقول للجميع هنا وهناط وهنالك: إن عدتم عدنا. وليدحض كل المقولات الشعبوية المشبوهة التي تزيف العلم والحقائق والتراث، والتي تدعي بأن الوهم أعظم من الفهم، وأن المرحلة القادمة مطواعة كفاية للناهضين. فكانت لازمة الرسالة، التي رددها وليد جنبلاط على الملأ الأعظم: “ادفنوا موتاكم وانهضوا”.

ما أعظمك، كمال أبو مصلح، حين تصف الغائب، القائد، الشاهد فتقول فيه: “كمال جنبلاط حمال أثقال البلاد، إذ تتقدمها حروب، أو يشدها حكامها الى الخطوب، بسياسة خرقاء كمهاء، تضيف الى وهن الدولة رق الأحلاف، ومعرة الخضوع للأجنبي، خضوع العبد للمعبود يجاهد بجنود إنصاف وعزيمة وسماح. ميلهم معه وميله معهم. وصفوهم له، وصفوه لهم… يتولهون بالحرية، ويطلبون العدل، ويصبرون على ملمات الدهر..” (كمال أبو مصلح، كمال جنبلاط، ص 128)

كمال جنبلاط، وصنوه كان وليد جنبلاط. وقرنه اليوم تيمور جنبلاط، إنما يدلف في الذكرى الأربعين لاستشهاده بذلك الإرث العظيم من الشهادة حتى العلم القديم، دلفاً. والطريق مصعد، والطقس مرحلة تجديد العهود، ولو سالت بنا وهن الجلود. ولو ندّ عنا قزم قعود. فتيمور بك جنبلاط يرد على التحية بأعظم منها، تماماً كما يرد على الرسالة بأعظم منها: تراث كمال جنبلاط على كتفي في الحفظ والصون، ولا مساومة على الأصالة والقدامة والحداثة والتجديد.

(*) أستاذ في الجامعة اللبنانية