في ذكرى استشهاد كمال جنبلاط : قراءة في كتاب “لبنان والجسر الوطنيّ المقطوع”

بقلم: د. سوسن النجَّار نصر

كمال جنبلاط

منذ أن أطلق التاريخ نسائمه في هذا الشرق، برزت هذه القطعة الصغيرة التي شغلت مواكب جرّارة، وفازت بألقاب كثيرة، فوصفها بعضهم بأنَّها المعبر من الشرق إلى الغرب، وبعضهم رأى فيها مجموعة تضاريس حيويّة تؤمِّن لمن يستولي عليها منعة عسكريّة واستراتيجيّة، وبوابة بإمكانها أن تكون الرقم الصعب في مواجهات القوّة والاستئثار… لبنان! بلد التناقضات والتوالف، بلد الانفتاح والتقوقع في آن… كرّس نفسه بلدًا للديمقراطيّة، ثمَّ بنى تاريخه الحديث على أنقاضها! تمازج فيه مركّب القوّة مع مركّب الخوف والضعف، وضاع المبعث التاريخيّ العربيّ الكبير مع تردّدات “الإثم الكنعانيّ” كما وصفه كمال جنبلاط. اتّبع منذ عهد الاستقلال “نظريّة المجازفة”، فذاب التيّار التاريخيّ الذي تشخّص بأمراء لبنان ونهجهم المتحرّر من كلّ مواربة أو تهرّب، ليغرق في مستنقع “النكسات التقلّصيّة الطائفيّة”… فهل سيتحرّر لبنان يومًا من عقاله؟!

بهذا السؤال الذي نطرحه في واقع أليم نعيشه، نعود إلى فكر المعلِّم كمال جنبلاط السياسيّ، لنستعرض بعضًا من مواقفه تجاه الوضع اللبنانيّ، وذلك من خلال ما جاء في كتاب “لبنان… والجسر الوطنيّ المقطوع”، وهو مؤلَّف جامع كنتُ قد قمتُ بتحقيقه عام 2010، وهو يضمّ مجموعة مقالات وتصريحات توزّعت على مدى حقبات زمنيّة، امتدّت من نهاية الأربعينيّات، وصولًا إلى أوائل السبعينيّات (من القرن المنصرم)، حملت في طيَّاتها شؤون وشجون وطن وُلد بعد مخاض عسير باستقلال اكتنفه بعض الهفوات، وعاش يعترج الدرب المحفوف بالأخطار والأقدار، نتيجة عوامل عدّة، منها الجغراسيّة، والاقتصاديّة، والفكريّة، وغيرها، والتي كبّدت لبنان أحمالًا ناء بها واقعه ومرتجاه، ولا زلنا نعيش وطأتها إلى اليوم. وإنَّنا، وإن ذكر كمال جنبلاط مرّةً أنَّ “التشابه لا يعني المماثلة”، إلَّا أنَّه، ومن خلال العودة بالزمن إلى تلك الحقبات التي اجتمع فيها أكثر من واقعة، وشهدت تلاقحًا ما بين جمهوريّة لم تعمّر وأخرى إصلاحيّة قادها “راعٍ صالح”، وبين سجالات طائفيّة، وأمراضٍ وراثيّة سمّمت أجواء هذا الوطن لفترة غير بسيطة من الزمن، يمكننا أن نلحظ “التشابه”، وإن اختلف “التماثل” ما بين الأمس واليوم، وبينهما خيط جامع ما هو إلَّا البعد عن الديمقراطيّة الحقيقيّة، وهي تلك المرتكزة  إلى الصوابيّة، إلى الحقّ والعدل قبل كلّ شيء، والتي نادى بها كمال جنبلاط بعد أن اعتلى منبر السياسة قسرًا لا طوعًا، وهو رجل الفكر والعلم والحقيقة، فحاول جاهدًا أن يعلي الصوت بأنَّه لن يكون هناك وطن حتَّى ينصهر أبناؤه في وحدة مدنيّة ديمقراطيّة صحيحة، وأنَّ الإصلاح الشامل لا يقوم إلَّا على أساس فكريّ وروحيّ عميق، وأنَّه “حيث لا توجد معارضة، في الظروف العاديّة، لا يمكن أن تكون أو تقوم ديمقراطيّة سياسيّة، لأنَّه حيث تغيب قدرة الانتقاد وهيمنة المناقشة والعرض والردّ بروح المسؤوليّة والتبادل الحرّ من كلّ ضغط وتوجيه إكراهيّ، تغيب الحرّية السياسيّة، وتتعطّل الحياة الديمقراطيّة بمفهومها التاريخيّ التراثيّ الأصيل”. من هنا، نحا كمال جنبلاط نحو المعارضة السياسيّة البنّاءة، حيث لعب دورًا فاعلًا في اكتناه مشكلة لبنان، لا بل مشاكله، إذ يقول: “لا نفيد أبدًا أن نسمّي الأشياء بغير أسمائها، والأنظمة بغير وجوهها، ومفاهيمها الحقيقيّة”. لذا، لم يكن جنبلاط محض منظّر، بل كان محلّلًا وموجّهًا، ومتفاعلًا مع الأحداث، بفعل إيمانه بشرعة التطوّر، وبتيّاره الأزليّ الأبديّ الذي يحدّد مسار الأفراد والمجتمعات. وفي هذا يقول: “هناك قاعدة تنطبق على الأفراد الأحياء، كما تنطبق على المؤسّسات الحيّة؛ فكلّ مؤسّسة لا تتطوَّر وفق متطلّبات الزمن والاقتصاد والسياسة والفكر العامّ، لا بدَّ لها من أن تتناقض في داخلها وأن تموت في النهاية”. وعليه، دعا في أكثر من مقام إلى تكريم ثالوث الحقّ والحريّة والمساواة، بوصفه جامعًا لقيم صيرورة ونضال، وتوجّه وتحقيق وديناميّة تسير أبدًا في ركاب التطوّر لإبراز بنًى وشرائع وقيم. كما أعلى شأن ثالوث الصدق والإخلاص والشرف، وهي صفات واجبة في كلّ من يتولّى مقاليد الحكم، ويخوض غمار السياسة!

فالحكم في الواقع ليس تقوقعًا بسيطًا، إنَّه “رؤية”، كما يقول تيلار دو شاردان، رؤية الأشياء قبل أن تحدث، وقبل أن تنتقل من وضع ما ذكيّ (السببيّة التي تحافظ على الأشياء) إلى درجة من التفكير والمشاعر والتحقّق العمليّ؛ إنَّه الحصول على خطّ الحياة في مفهومه الأوسع، والتحوُّل إلى آمال شخصيّة وجماعيّة.

أمَّا السياسة، فقد وصفها كمال جنبلاط بأنَّه يُفترض أن تكون أشرف الآداب إطلاقًا؛ كونها تعني التدبير، بمعنى تدبير الأشخاص والأشياء وإدارتها. وهي أيضًا مسلك شريف؛ لأنَّ لها علاقة بقيادة الرجال وتوجيههم، لذا ينبغي في القائد السياسيّ أن يكون متعفّفًا عن الهوى (هوى الحكم: طالب الولاية لا يولّى)، ومتجرِّدًا في الحكم، متوازنًا في حالته النفسيّة، مبتعدًا عن كلّ ما من شأنه أن يؤثّر، من داخله ومن خارجه، بتصرّفه وبتوجّه أحكامه، وأن يكون موضوعيًّا، يتمتّع بطاقة التحليل والتمييز والحكم، بالإضافة إلى صفاء الوجدان.

فالسياسة إذًا، كما يقول جنبلاط: “ليست شطارة ولباقة، وشعوذة وانتهازيّة، أو لعبًا على الحبال، كما يتصوَّر ذلك بعضهم في عصرنا، ولو أنَّ اللباقة والشطارة المهذَبة المخلصة، والذكاء الصادق، تدخل ضمن اللعبة السياسيّة، وتُذكيها، كما يعدِّل الملح والتوابل مذاق الطعام، على أنَّ الإنسان لا يستطيع أكل الملح والتوابل صرفًا وحدهما!”، كما إنَّه لا يمكن أن يكون الملح فاسدًا، لأنَّه إذا فَسُد الملح، فبماذا يُملَّح؟!

انطلاقًا من هذا الفهم الموضوعيّ للسياسة وإدارة الحكم، برز ما أراده كمال جنبلاط للبنان، وهو خطُّ حياةٍ منفتحٌ على جميع التيَّارات الفكريّة في العالم، فتكون حدود لبنان الفكريّة هي العالم، ما يجعل المواطن اللبنانيّ عالميًّا، فتقوم نظم جديدة يولِّدها العقل اللبنانيّ بعبقريّته، تضطلع بها نخبة مختارة، تشعّ في لبنان نورًا وتكشف النقاب عن مدنيّة جديدة تجمع بين النقيضين، بين الغرب والشرق، بين الأخلاق والقانون والنظام والحرّية، بين الإنتاج والعمل، بين هذا العمل والصوفيّة المتجرّدة! “فلكلّ شيء نظام، ونظام المجتمع هو اكتمال وسلامة النخبة. كما تكونون يُولَّى عليكم، وكما يُولَّى عليكم تكونون”.

وبموازاة هذا، كان جنبلاط يوضح، بعد أن قُرئت مواقفه على أنَّها ثورة على المفاهيم السائدة، فيقول: “لستُ بداعٍ إلى ثورة معلومة، بل إنَّا نريدها ثورة روحيّة، جامحة كالأعاصير، تلهب النفوس، وتمحو القيود، وتصهر عناصر أمَّة، وتوحِّد وطنًا، وتبني دولة”.

بيْدَ أنَّ “المعركة الصاخبة” التي قامت بمواجهة ثورة كمال جنبلاط الروحيّة، كانت معركة السياسة العوجاء والتزوير والطائفيّة السياسيّة، معركة “الساسة الدجّالين” كما أسماهم، وإضعاف لبنان من خلال إضعاف وحدة بنيه والعمل على خلخلة التوازن العادل في حقوقهم، ما أبعد عن جنبلاط، وعنَّا، للأسف، تحقيق ما تمنّى، وما تمنّيناه، وما نتمنّى، فلم يستطع لبنان الحلم أن يخرج إلى الواقع، وبقي مجرّد ذكرى لتاريخ غابر كان في بدئه يئي بأنَّ دور لبنان ما بعد الاستقلال لن يقلّ شأنًا عن الدور الذي اضطلع به أيَّام الجمهوريّة الفينيقيّة الصغيرة التي قامت على شواطئ السهل الصغير المحصور ما بين هذا الجبل وهذا البحر، يوم كان قطبًا للتجارة، أو حينما حمى الشواطئ زمن اللخميّين والتنوخيّين من غزوات بيزنطيا وغيرها، يومها تكسّرت الأساطيل على شواطئه ولم تُستقبل بورود التلطّي والاستقواء بها على إخوة لنا في الوطن!

فما الذي حدث؟

إثر الاستقلال، عصفت بحياة لبنان السياسيّة أنواءُ جسام أعادت بثّ روح الطائفيّة المكرّسة بحسب قراءة كمال جنبلاط، على مراحل؛ أوّلها كان في العام 1845، يوم أُعلن ما يُسمّى بــــــ “سنجق جبل لبنان” الذي أطلق البادرة الأولى للطائفيّة السياسيّة بشكل القائمقاميّتين: الدرزيّة والمارونيّة، أمَّا المرحلة الثانية، فتمثّلت بتدخّل الدول الأوروبيّة، وعلى وجه الخصوص فرنسا التي دخلت إلى لبنان عبر جيوشها، فنجم عن هذا التدخّل في جسم الإمبراطوريّة العثمانيّة المريضة المسيطرة على هذه البقاع آنذاك، أن وُضع بروتوكول دوليّ لحكم جبل لبنان عام 1861. فيما جاءت المرحلة الثالثة من خلال ما عُرف بـــ “نظام جبل لبنان”، وهو بروتوكول مجتزأ عن برتوكول الإمارة العربيّة في عام 1864. وفي العام 1926، أخرج الفرنسيّون نظام لبنان الكبير، والمعروف أيضًا بدستور سنة 1926، فتحاشوا أن يوردوا فيه إلزامًا طائفيًّا معيّنًا مكتفين بمادّة عابرة مؤقّتة بشأن التماشي وقاعدة الطائفيّة ما أمكن في بعض الوظائف السياسيّة، غير إنَّ هذا لم يحمِ مجلس النوَّاب آنذاك من الصُّبغة الطائفيّة. وعلى الرغم من بعض التعديلات، وبعض محاولات اختراق النظام الطائفيّ المكرّس قبيل الاستقلال (نذكر هاهنا تجاوز قاعدة الطائفيّة السياسيّة في العام 1932، إذ أوشك المجلس النيابيّ أن يشهد إجماعًا مسيحيًّا وإسلاميًّا على انتخاب الشيخ محمَّد الجسر رئيسًا للجمهوريّة، وتكرّرت المحاولة في العام 1943 يوم عُرض على سامي الصلح ترشيحه بمواجهة انتخاب الشيخ بشارة الخوري. هذا دون أن ننسى أنَّه قد توالى على حكم لبنان أكثر من رئيس مسيحيّ من غير الموارنة، أوَّلهم الرئيس شارل دبَّاس، وبعده الرئيس المتقشِّف أيّوب ثابت، ومن ثمَّ الرئيس بترو طراد وغيرهم) وصولًا إلى فترة ما بعد الاستقلال، عام 1943، والتي كان يُفترض بها أن تكون دولة العلم الصحيح والكفاءة والإخلاص والعمل، فإذا بها تضيف لبنة جديدة في جدار الطائفيّة السياسيّة والتوزيع الطائفيّ المذهبيّ ما بين الطوائف الإسلاميّة والطوائف المسيحيّة.

هذا الجدار سرعان ما أطبق الخناق على من آمن بالعدل والمساواة، وبالأخلاق والقانون والديمقراطيّة، وبأنَّ هذا الوطن هو لأبنائه كافّة، لا تمييز في ما بينهم ولا تفرقة، لا في السلطة ولا في الاقتصاد، ولا في العلم، ولا في العدالة الاجتماعيّة، فلجأ إلى ثورة بيضاء أدّت إلى سقوط الرئاسة الأولى عام 1952. وقد كان كمال جنبلاط قد عقد أكثر من أمل بعد تنحّي الشيخ بشارة الخوري، إثر الانتفاضة الشعبيّة الواسعة، ممنّيًّا النفس بأنَّ الرئيس الخلف سيكون أفضل ممّن سلف، وخصوصًا أنَّه ربيب الجبهة الاشتراكيّة التي تبنّت ضرورة إحلال العلمانيّة السياسيّة الحقيقيّة في البلاد، وتطهير جهاز الإدارة من كلّ فساد، وتعميم الإصلاح الذي هدفه هو الإنسان كغاية سامية. (وهي من أهمَّ مبادئ الحزب التقدّمي الاشتراكيّ الذي أبصر النور في العام 1949).

وكما أنَّ الرياح تمضي بما لا تشتهي السفن، فقد سار العهد الجديد بما لم تشتهه المبادئ الإصلاحيّة ومحاربة الفساد والمساءلة، وفوجئ كمال جنبلاط بعهد بَعُد كلّ البعد عن الإصلاح المرتجى، وعن التلاحم الوطنيّ الذي لطالما نادى به بغية قيام وطن حقيقيّ، قولًا وفعلًا! فتصدّى من جديد لصديقه اللدود الرئيس كميل شمعون مخاطبًا إيَّاه بالفم الملآن: “أيَّها المسؤول، عليكَ أن تُصلح أو أن تعتزل”! لقد “فلت الملق” السياسيّ في تلك الفترة، برأي كمال جنبلاط، وكان عليه أن يقود ثورة جديدة ضدّ توغّل أيدي الفساد في مفاصل الدولة، وكان يصارع أقانيم إله الشرّ الثلاثة كما وصفها، الضعف، والخوف، وأبوهما الأنانية، والأنانية أمّ الشرور وسببها، وكان يحاول أن يظهر الهفوات الكبيرة للنظام القائم، والتجاوزات التي أدّت إلى احتقان النفوس وطفو الأحقاد على سطح مياه ساكنة تنبئ بعواصف عاتية.

لقد ظهر بشكل بارز “الطابور الخامس”، (وهو ظاهرة يقول فيها كمال جنبلاط بأنَّها رافقت كلّ الحقبات السياسيّة في لبنان منذ تفتّق تاريخه) والذي أخذ يعزف ما أسماه جنبلاط “أنشودة التدجيل”، فبرز طابع الفرديّة ليغرق المواطن في عُقد التناقضات القائمة والخوف على الغد الآتي، وعلى المصير، وقامت طبقة البرجوازيّة الماليّة التي استأثرت بالرقاب والعباد، ما أدَّى إلى انحطاط التمثيل الشعبيّ في ما بعد (نشير هاهنا إلى انتخابات عام 1957 الشهيرة، والتي تمّ فيها إقصاء كمال جنبلاط عن المجلس النيابيّ)، وغرق البلاد في “أزمة عقول وعيون وبصيرة”، وبروز أولئك الذين أسماهم كمال جنبلاط “أصحاب الذهنيّة المتحجّرة”، فكان أن أطلق ثورة جديدة هي “ثورة النفوس على النصوص”، مرتكزًا إلى قيمة الإنسان، وإلى القيم الإنسانيّة الخلقيّة والروحيّة الاجتماعيّة والمعنويّة، بوصفها جوهر هذه الإنسانيّة وخلاصة كنزها الدفين. فكانت ثورة عام 1958، والتي رأى كمال جنبلاط إثرها أنَّ “كلّ انتفاضة شعبيّة لا تبلغ مداها، ولا تحقّق على الأقلّ بعض أهدافها السياسيّة لا بدَّ لها من أن تُردّ على أعقابها في دفعة كبت وحركة تفسّخ وتدمير داخليّ”. فانتهت الثورة برحيل الرئيس كميل شمعون بعد انتهاء ولايته، ووفود الرئيس فؤاد شهاب صاحب العهد الإصلاحيّ الأوَّل في لبنان، والذي، بمجيئه، حَلُمَ كمال جنبلاط بالكثير من الإنجازات الوطنيّة، ومُثُله في هذا المنصب قوله: “إنَّ شرط الخدمة العامّة وشرفها هو بادئ ذي بدء في التجرّد، في التضحية، في عدم الطموح، في عدم الطلب”!

نادى كمال جنبلاط بالإصلاح المتكامل، وبقيام وانتشار الأحزاب السياسيّة العلمانيّة اللاطائفيّة إلى حدٍّ كبير، ودعا إلى توطيد الوحدة اللبنانيّة مذكّرًا دائمًا وأبدًا بأنَّ حركة التاريخ لا يمكن أن تُردّ إلى الوراء، وبأنَّ “أحدًا بالمقابل، لا يستطيع أن ينطح صخرة التاريخ دون أن تتساقط قرونه جميعها”، وبأنَّ الاستقلال الحقيقيّ يكون في شعور المواطن، كلّ مواطن، بأنَّه شريك في الدولة، وفي إدارتها، وفي الدفاع عنها. ورأى بأنَّ النظام هو في النهاية أداة ميتة ووسيلة جهاد جامدة لا يحييها سوى روح التعامل البشريّ من الداخل؛ فكما أنَّ الإنسان الفرد لا تتوفَّر له كينونة، ولا يحظى بتطوّر وتفتّح بدون المجتمع، فإنَّ الإنسان بدوره يخلق المجتمع على الدوام وينمّيه، ويحيي قيمه، ويدافع عن حرّيته ويقوِّم نشاطاته؛ فملكوت العدل لا يُبنى إلَّا على يد النخبة كما يقول، “ولم يقم عمل مثمر في التاريخ إلَّا على كاهل النخبة وبإرادة فرد”.

من هنا إذًا، وضع كمال جنبلاط خارطة الطريق للمرحلة المقبلة، بعد أن أرهقه تعثّر الإصلاح لسنوات مضت، وأعيته خيبات الأمل المتلاحقة التي لم تثنه عن تطبيق أسس الحزب التقدّمي الاشتراكيّ الذي أراده نظرةً كلّية للوجود، وإصلاحًا للعنصر البشريّ، وكان يعني بذلك “غاية اكتمال الخلق في الإنسان”، وفاقًا لقاعدة التكوين الإبداعيّ وشرعته “التنوّع ضمن الوحدة”.

على هذا الأسّ والفهم العميق لمسار الحياة، وإيمانًا منه بمبدإ التطوّر الخلّاق الذي يحكم المجتمعات والخلق والبنى الإنسانيّة جمعاء، وما النظام سوى انسجامٍ مع هذا التطوّر، أكمل كمال جنبلاط مسيرة “العمل المباشر” و”القوّة المعنويّة”، ولم يبخل “بالتضحية بالذات” في سبيل تعميم لغة الانفتاح والفهم والعدل، متأثّرًا بقول أرسطوطاليس: “إنَّ غاية المجتمع هي التأمّل بالخير، التأمّل الفاضل. وماذا سينفع الإنسان أن يربح الدنيا إذا كان سيخسر نفسه؟!” فالسياسيّ الحقيقيّ، أي رجل الدولة، كما يقول، “يجب أن يكون له دائمًا عين على المبادئ، يستلهم منها مواقفه، وتصرّفاته، وعين أخرى على الواقع المحيط لتطبيقها”.

لم يرَ كمال جنبلاط يومًا، على الرغم من الصعوبات، أنَّه قادر على التخلّي عن لبنان، ولم يفقد الأمل في أن تـسلك هذه الرقعة الصغيرة من المعمورة، هذه “الحركة”، مسار التيّار الإنسانيّ الهادف وصولًا إلى الرقيّ والإنشاء، وهما هدم وبنيان مستمرّان،  فيقول في هذا: “ولتمييز هذا التيّار الأساسيّ للبنى الإنسانيّة الذي لا تشكّل الحالة اللبنانيّة سوى تطبيق صغير له، لا أجد سوى كلمة “حركة”، أي تحقيق توازن ناشط، وطنيّ، سياسيّ واجتماعيّ، ينهدم وينبني على الدوام، في كلّ حقبة، ويحمل في كلّ مرحلة حاسمة انفتاحًا على عدد من المكنات النظريّة التي ستكون إحداها- أي المكنة المشاكلة للتطوّر- في نهاية الأمر من خيار الجماهير ومن صنعها”.

أوَليست الديمقراطيّة “حكم الشعب للشعب بواسطة الشعب؟

إذًا هو مفهوم التطوّر والسببيّة، أو المثاليّة الواقعيّة التي كان يؤمن بها كمال جنبلاط لبناء وطن الحرّية والشعب السعيد، ونكاد نسمع صوته الهادئ يرنّم أنشودته المعبّرة :”وهذا الكون بأسره في النهاية حلم من أحلامي تعتريه سكرة الوعي فيفيق”!

غير إنَّ مسيرة العواصف أبعدت السفينة للمرّة الثانية عن ميناء الخلاص والأمن والاستقرار، وقطعت حبال الحلم الجميل المعلّقة على أهداب وطن لم تُتَّمم له بعد طقوس العماد المقدّس، فعادت أنياب المرض الطائفيّ لتنهش في الجسم اللبنانيّ، بعد أنَّ مرّ بفترة تعافٍ ظنّها ستدوم إلى الأبد. لقد عادت أجنحة الظلام ترفرف في الأجواء باعثة التفرقة، مغذّية مركّب الخوف القديم على لبنان، وقد صوّرته “قطعة من السكّر ستذوب في الماء”! وفي هذا يعلِّق كمال جنبلاط قائلًا: “وما أكثر السطول! وما أكثر حملة السطول في لبنان!” فظهر التسميم الطائفيّ بأبشع صوره، وتعوَّد أكثر السياسيّين أن يتقنوا فنَّ الشعوذة والانتهازيّة، وبدأت سياسة بناء الجسور الفاصلة في الوطن الواحد تتمدّد، قاطعةً امتداد الجسور الجامعة، فأعلن جنبلاط فشل النظام الديمقراطيّ الوطنيّ أمام واقع “تحكّم الشارع والجماهير الغاشمة بالدولة”، ويستحضرنا هنا قول هرمس المثلّث العظمة: “يا نفسُ، إنَّ زمانًا تدبِّر فيه الرعيّة السلطان في سياسته، وهو عالة عليها، لزمان معكوس، وقد وجبت الهلكة على الجميع، وإذا وجب أن يكون الفرس يدبِّر الفارس، فقد وجب هلاكهما جميعًا، وإذا وجب أن يكون الجسد يدبِّر النفس، فقد وجب هلاكهما جميعًا”.

تفاقمت الأزمة اللبنانيّة في العام 1962 وما تلاه من أعوام، فرأى كمال جنبلاط فيها أزمة حكم، وأزمة سلطة، وأزمة قيادات شعبيّة، وأزمة مجلس نيابيّ لا يريد أن يفهم أنَّه مجلس تشريعيّ، لا ساحة للمهاترات على أنواعها، وأزمة صحافة لا تريد أن تدرك أنَّ مهمّتها التوجيه الصحيح، لا تظهير ما يجول في أفكار بعض “السذَج” على حدّ تعبير جنبلاط، أو بعض الذين يدسّون بالأخبار، وبالروايات، وبغير الروايات، ممّا هو أسمى منها وأبقى في الأذهان المريضة.

لا يكفي أن يكون على رأس هذه البلاد رجل قلّ أن يكون مثله بين الرجال، يقول جنبلاط، بل يجب أن تسعى السلطة إلى تقوية الزعامات المخلصة في البلاد، وألَّا تحصر هذه الزعامات كلًّا منها في نطاق منطقته ودائرته وطائفته، كما فعلوا، فكانت الفاجعة! فاجعة الحكم!

حاول كمال جنبلاط أن يوضح الخطأ الفادح الذي جرّ البلاد إلى أزمة من انعدام الثقة، والإثراء غير المشروع، وغياب التخطيط، والغرق في فوضى عارمة، وإثارة مشاعر القلق والخوف، واعتماد سياسة “لفلفة الأشياء”، مشدِّدًا على أنَّ خلاص لبنان لا يكون باستخدام العنف، أيًّا كانت مبرّراته، ولا باستخدام وسائل الضغط، بل بتبنّي تخطيط وطنيّ جديد. وقد حاول إبّان وجوده في السلطة كوزير للتربية، وللداخليّة، بأن يسبر الأخطاء ويدافع عن القوانين والأنظمة الإنسانيّة المثلى ما أمكن، فقام بتقديم أكثر من مشروع لتعديل بعض مواد الدستور (مشروع قانون “من أين لكَ هذا؟”)، بما من شأنه أن يحقّق عدلًا، وأن يُبعد شبح الحرب الأهليّة الذي بات يلوح في الأفق.

قرأ كمال جنبلاط المستقبل كما لم يفعله أحد من قبل، فصرّح عام 1960 بأنَّه “ستفاجئنا من الآن إلى عشر سنوات لا أكثر أحداثٌ جسام لا نفقه لها معنى، ولا نعرف كيف نتلقّفها لكي نتدبّر انعكاساتها على المجتمع والاقتصاد والسياسة في لبنان”.

نعم، لقد استشعر كمال جنبلاط الخطر المقبل على لبنان، وعلى استمراريّة هذا “الموزاييك” الذي ربط أبناءه بخيط رفيع جدًّا من التعايش والانسجام، وأحسَّ بفأس الانقسام يضرب أعماق الديمقراطيّة والوحدة الوطنيّة، فحذَر قائلًا: “ولا يقوم وطن على حافتَي جسر، وعلى فاصل، وعلى ممرّ و”عبَّارة”؛ الجسر موضع لتلاقي بلدين وقوميّتين وشعبين، ولا يُشكِّل قاعدة مكانيّة وزمنيّة لدولة وأمّة. لا يُبنى بيتٌ لجماعة على قارعة الطريق العامّ. فمسكينٌ لبنان، شعبًا ودولةً، الذي لا يستطيع حكَّامُه أن يجعلوه، في أيّ منعطف من التاريخ، وفي أيّ قضيّة صغيرة أو كبيرة، في مستوى الكرامة، في مستوى المسؤوليّة، في مستوى الأقدار”!

كانت المرحلة تستدعي، بنظر جنبلاط، عودة سريعة إلى العلمانيّة السياسيّة الحقيقيّة، كونها تحقّق المساواة الإنسانيّة، وهي وحدها الكفيلة، إذ ما تمَّ استيعابها عبر التفكير المنطقيّ والإيجابيّ، بإخراج لبنان من الأزمة، وبتمييز الغثّ من السمين، وإظهار الفرق للعيان ما بين المسؤولين الحقيقيّين وشبه الحقيقيّين! فتكون تلك العلمانيّة جسرًا تعبر عليه قوافل الجيل الجديد المنتظر.

قاد كمال جنبلاط معركة الديمقراطيّة والاشتراكيّة الأكثر إنسانيّة في بلاد غرقت في أتون الطائفيّة والاستزلام، يذكيه بعض “أصحاب النفوس السفلى”، وكان لا بدَّ له من المضيّ في الجهاد السياسيّ، إذ حتَّم الواجب الوطنيّ على جنبلاط السير قُدمًا في معالجة الوضع السياسيّ القائم آنذاك، وفي إنقاذ ما يمكن إنقاذه. فقدَّم من خلال الحركة الوطنيّة التي كان يرأسها “البرنامج المرحليّ”، “لأنَّ الإصلاح يُفرض في النهاية”، كما قال، على الرغم من إيمانه من أنَّ “ما من مصلح إلَّا في غربة بين قومه”!

وحلَّ العام 1977، فرحل كمال جنبلاط… خرج من السجن العربيّ الكبير، ومن “لعبة الأولاد” التي كان يمارسها بعض الساسة في لبنان، ممّن لم يتقنوا أدب السياسة ومسلكها الشريف. غاب المصلح باغتيال وُصف بأنَّه جريمة العصر فخُلِّد ذكر كمال جنبلاط في سجل الشهادة إلى الأبد بعد أن أتمّ رسالته: “ربِّ، أشهد أنّي بلَّغت”! وانقطع الجسر، وتفرّق الأبناء بفعل تفرُّق النفوس والطقوس، وطأطأت الحرب الطاحنة كلّ الرؤوس، وانطوت بعدها حقبات ومراحل سجّلت تاريخ لبنان الحديث، لبنان ما بعد كمال جنبلاط، مع ما حمله من تقلّبات وتحدّيات لا تزال مستمرّة إلى حيننا هذا.

واليوم، وفي الذكرى الأربعين لغياب المعلّم، وفي تأمّل لحالنا، يملأنا سؤالٌ متوجّس الإجابة، ما الذي تغيّر في لبنان؟ وأين أصبح التيَّار العلمانيّ الإنسانيّ الديمقراطيّ الشامل الذي ناضل لأجله كمال جنبلاط، لا بل، ودفع حياته ثمنًا من أجل هذا الــ “لبنان” الأمنية والمرتجى؟

وحدها كلماته تملأ الأرجاء والرجاء، تتردّد أصداؤها في مهاجع النفوس المشتاقة، وعلى صفحات زمن صبغه الألم، واليأس، فتعود المآقي إلى تصفّح أوراقٍ، بل وصايا، نصحنا بتنفيذها والعمل بها… لكن غاب عن ذهن المعلِّم الشهيد بأنَّه وُلِدَ، وكتَبَ… لا لهذا الزمن… بل لزمن آخر!

(*) أستاذ جامعيّة وباحثة