العريضي لـ “الأنباء”: زرع الحزب اللاطائفي أنبت .. والحصاد آتٍ

غازي العريضي

ليست الذكرى بحد ذاتها مناسبة لتذكّره. فنحن لم ولن ننساه، وهو الحاضر بيننا في كل تفاصيل شخصياتنا وحياتنا. نتنفّسه، نقرأه، نتأثّر بتعاليمه، ونحاول الإمتثال لإرث غنيّ هو أثمن ما خلّفه لنا ولأجيال وأجيال ستأتي بعدنا.. ثم نفتقده، ونبالغ في التأثّر بحجم الخسارة التي لحقت بنا بنتيجة استشهاده، وما خلّفه من ضربات ونكسات لمشروعه الوطني.. لنعي بعد ذلك كلّه حجم المسؤولية الملقاة على عاتقنا لجعل هذه الذكرى تجدّد فينا وبنا عاماً بعد عام، عقيدة معلّمنا الراسخة فينا بأن “ما من شيء أشرف من العبور فوق جسر الموت إلى الحياة التي تهدف إلى إحياء الآخرين”!

وكيف لا نفتقد كمال جنبلاط، وحال السياسة في بلدنا تسير من سيّء إلى أسوأ، وسط لغطٍ يشوب كل مفاهيم العمل السياسي؟ وأين سياسيو لبنان اليوم من مفاهيم معلّمنا؟

“الأخلاق، احترام الناس، الحرفة، المعرفة، الثقافة، بعد النظر والصبر ومعرفة الميزان الداخلي اللبناني”، عناوين أساسية في فكر كمال جنبلاط نفتقدها في السياسة اليوم”، قال النائب غازي العريضي في تصريح خاص لـ “الأنباء”، وأضاف ان “كمال جنبلاط أغنى الحياة السياسية اللبنانية بكرامة وشرف وأخلاق وشجاعة وانسانية وبوطنية صافية وصادقة ونبيلة كمال جنبلاط كان يتواجد على تلال كفرشوبا وشبعا في الجنوب، وبعد أيام في قلب عكّار وأكروم ووادي خالد، وفي أقصى الحدود والقرى اللبنانية، وكان يقود كل التظاهرات والنضالات الشعبية دفاعاً عن الحرية، وعن لقمة العيش الكريمة”.

*لم يكن معلّمنا طائفياً. ورغم أنه كان صوفياً ومتديّناً إلى أقصى الحدود، غير أنه أسس بالفكر والقلم والممارسة لمشروع وطنيّ يتعدى إطار الشخص والطائفة…

“كان كمال جنبلاط المدافع الأشرس عن الفلاح والمزارع، سواء أكان مزارع تبغ ام مزارع تفاح. اليوم أصبحت التفاحة مسيحية والتبغ شيعي”، قال العريضي، متابعاً: كمال جنبلاط دافع عن حقوق العمال والفقراء وقضاياهم، وكان صاحب نظرة إنسانية أخلاقية في البعد الإقتصادي والإجتماعي والمالي للواقع السياسي اللبناني. وكان صاحب نظرة تغييرية ديمقراطية سلمية حقيقية، واليوم نحن بأمس الحاجة إلى هذا الخطاب الوطني، إلى هذا العقل الوطني والممارسة الوطنية، والثقافة الوطنية، والفكر الوطني الذي طرحه كمال جنبلاط”. وأضاف: “الذين قتلوا كمال جنبلاط، وبعد سنوات من الإغتيال اعترفوا بخطأهم امام وليد جنبلاط بالقول: يبدو يا اخ وليد أن والدك كان على حقّ”!

*مات كمال جنبلاط. إنه قدرنا. لكن بعد أربعين عاماً ما زال فكره موجوداً، وما زالت مسيرته مستمرة، وإن كانت قد أصيبت بنكسات وضربات كثيرة ساهمت بتراجعها، ضاربةً عبرها كل أشكال العمل الوطني.

فأي نكسات هي؟ جواب للعريضي واضح وفي غاية الأهمية: الحزب أصيب بضربة كبيرة باغتيال كمال جنبلاط كما اصيب المشروع الوطني ككل. وكان المطلوب تعميم الفكر المذهبي والطائفي والظلامي في البلد، وهذا ما حصل للأسف. وكحزب تقدمي إشتراكي أصبنا في مكان آخر أيضاً، في حرب الجبل التي فُرضت علينا كحرب وجود، وتحوّلت إلى لعبة أمم كبيرة، ولعبة إقليمية كبيرة كانت إحدى نتائجها التغيير الوطني الحقيقي الذي أدى الى اتفاق الطائف لوقف الحرب في البلد، لكن في الوقت ذاته إلى تكريس الحالات المذهبية والطائفية، وهذا أمر غريب عجيب أصبنا به نحن أكثر من غيرنا نظرنا لوجودنا الأساسي والتاريخي في هذه المنطقة. الإصابة الثالثة كانت الإدارة السورية للشأن اللبناني، التي كرّست هذه الحالة المذهبية والطائفية وما أصاب البلد على المستوى السياسي تشريعاً وقوانين وإدارة سياسية وقرارات سياسية وإدارية على مستوى مؤسسات الدولة. والضربة الرابعة التي أصابت هذا الواقع أيضاً هي الإنقسام السياسي الواضح الذي حصل على مدى السنوات السابقة، خصوصاً بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

*لكننا ما زلنا موجودين .. ومستمرّون.. فما المطلوب؟

ما يريحنا هو أن المخزون الفكري، والإنتماء إلى هذه المؤسسة والحنين إلى فكر كمال جنبلاط والتوق الدائم إليه، والتمسّك به لم يهتزّ على مستوى بنية الحزب في مختلف المناطق اللبنانية. لم يسقط رفاقنا في وحول المذهبية والطائفية في عكار والضنية وإهدن وزغرتا والكورة وطرابلس والبترون وجبيل وكسروان والمتن والجنوب والبقاع وفي بيروت وكل المناطق اللبنانية رغم أنهم عاشوا ظروفاً وأجواء صعبة جداً، لكن افكارهم وانتماءهم وعزيمتهم لم تسقط. مرت مراحل صعبة كان الواقع السياسي فيها يحدّ من إمكانية العمل، لكن الإرادة لم تسقط. اليوم الظروف أفضل بكثير، فقد شعرنا بهذا الزرع الأصيل الموجود في بنية الحزب. أطلقت ورشة في الفترة الاخيرة تديرها وتحمل عناوينها مجموعة من الشابات والشباب ينتمون إلى طوائف ومذاهب ومناطق مختلفة، يحملون فكراً واحداً، ومنطقاً واحداً، وعلماً واحداً إلى جانب العلم اللبناني هو الحزب التقدمي الإشتراكي، ونحن نعلّق أملاً كبيراً على هذا الدور وعلى هذه الإنطلاقة الجديدة في محطة من محطات الحزب، خصوصاً مع كل هذه المطالبات بالخروج من دائرة المذهبية والطائفية. هذا يشكّل احد أكبر التحديات بالنسبة إلينا وإلى الجيل الجديد على مستوى كل مؤسسات الحزب من القيادة إلى المنظمات الحزبية والمنظمات الرديفة. وختم العريضي قائلاً: لدينا كنز هائل على المستوى الفكري، وكنز هائل على مستوى التضحيات والإنجازات في مسيرة الحزب، وعلينا أن نعرف كيف ننهل من هذا الكنز والإرث والرصيد الكبير!

 

(*) غنوة غازي – “الأنباء”