جدوى “دراسات المستقبلات” أميركياً صناعة القرار

د. قصي الحسين

K.H

خطا التفكير العلمي في المستقبل، منذ منتصف القرن العشرين في الولايات المتحدة الأميركية خطوات واسعة، في توجيه مراكز البحوث والمعاهد والأكاديميات والجامعات، لإعداد طلاب وباحثين مستقبليين محترفين، بأعداد عظيمة، في مخرجات التخصص الأكاديمي، يشتغلون في دراسات المستقبلات، وهم يحضرون الماجستير والدكتوراه، مما يسمح لهم بتحويل التفكير العلمي في المستقبل، إلى ممارسة عملية، في التدريس أو في التوجيه أو في الاستشارات، لمؤسسات رسمية وخاصة، لترشيد السياسة الأميركية، وترشيد الاقتصاد وترشيد المواقف داخل أميركا وخارجها، على كافة المستويات.

فبعيد الحرب العالمية الثانية، واندلاع الحرب الباردة سنة 1947، برزت حاجة صناع القرار الأميركي إلى وضع استراتيجيات الاستعداد الاستباقي على كافة الصعد، وذلك لمواجهة الأزمات ووضع حلول سريعة لها، ضماناً للأمن القومي الأميركي، وحماية للتفوق الأميركي في العالم. ويقول إدوارد كورنيش، المستقبلي الأميركي البارز، إن نشدان هذا الأمن، كان بمثابة الدافع الأساسي لوضع أسس دراسات المستقبلات على نار حامية، ورصد مخصصات مالية عظيمة، تشجيعاً للأكاديميين والباحثين على التخويض فيها، وتقديم دراسات ذات جدوى أميركياً.

وتولت المؤسسة العسكرية الأميركية استشراف المستقبل، فأنشأت مؤسسة (راند Rand) سنة 1964، فكانت بذلك أنموذجاً لتأهيل المستقبليين الأميركيين الأوائل، كما يذكر المستقبلي الأميركي “ويندل بل”، مؤكداً، أن “هرمان كاهن”، كان أول مستقبلي أميركي، ابتكر مقاربة “المشاهد لـ Scenarios Building” .

ومنذ ذلك التاريخ، أخذ الاستشراف الأميركي ينهض على أسس قوية، مادية ومعنوية، لدعم المؤسسات له. وتمكن المستقبليين الأميركيين من تحقيق الثراء الفكري والإنتاج الواسع والجدوى العظيمة لأجل مستقبل أميركا ووضع خططها واستراتيجياتها لإدارة نفسها بكفاءة عالية، وإدارة شؤونها في العالم بكفاءة لا توازيها كفاءة أخرى في العالم.

في السبعينيات والثمانينيات، من القرن العشرين، أخذ الإدراك الأميركي الداخلي طريقه إلى التصاعد، إن على المستوى الرسمي، أو على مستوى الشركات الخاصة، وبدأ تحقيق جدواه العملية، من خلال استشراف المستقبل. فبعد أن كان الموقف الأميركي سياسياً واقتصادياً واستراتيجياً متردداً، اقله في الخمسينيات، نراه يبدأ، مع “وندل بل”، في الانغماس بمخرجات عظيمة للغاية، مما جعل الولايات المتحدة الأميركية تبدو، وكأنها ورش عمل مستقبلية الاتجاه والمضمون في جميع الأنشطة والسياسات والخطط، التي تقر عادة في الكونغرس وفي البيت الأبيض، بعد تقديمها واضحة الدعائم والمعالم.

وأخذت الجامعات الأميركية، بنتيجة ذلك. فأقبل الجامعيون والجامعات على تخصيص الوقت والمال والجهد، لإعداد الطلاب المستقبليين، ولبناء وتأسيس المراكز البحثية المستقبلية لاستشراف المستقبل. وتمثل ذلك في الدوريات العلمية أيضاً وفي الدورات التخصصية، والإشتغال على كثافة الاتصال الجماهيري بها من خلال وسائل التواصل، مما جعل المستقبليين الأميركيين، الأبرز في العالم، إن على مستوى الأعداد، أو على مستوى الاختصاصات الاستشرافية المستقبلية.

ولعل المستقبلية الإيطالية، ماسيني، كانت قد ميزت في دراساتها حول دراسات المستقبلات في الولايات المتحدة الأميركية، بين مجاميع أساسية: 1- دراسات تكنولوجية. 2- دراسات اجتماعية/ سياسية. 3- دراسات عالمية ذات أبعاد استراتيجية علمية متنوعة. وهي التي قالت بالأثر المستقبلي للتكنولوجيا العسكرية في الولايات المتحدة الأميركية. وقد واكبها المستقبلي الأميركي “هرمان كاهن” في كتابه: “نحو عام 2000” فقال إن الولايات المتحدة، تكون في ذلك التاريخ قد قطعت أشواطاً من خلال التكنولوجيا العسكرية وتوظيفها لمخرجات التطور التكنولوجي.ولا شك، أن الحروب، التي قادتها أميركا في الشرق الأوسط: حرب الخليج الأولى، والثانية وحرب أفغانستان واحتلال العراق عام 2003 لم تكن إلا تطبيقاً عملانياً للأخذ بهذه التطورات التكنولوجية العسكرية، والأخذ بجدوى دراسات المستقبلات.

بدت الدراسات الاجتماعية/ السياسية الأميركية، في صعود دائم، بعدما جعلت من الأثر المستقبلي للتحولات الاجتماعية في العالم موضوعها الأساسي، وأبرز الذين تحدثوا في ذلك “دانيل بل/ Daniel Bell” في كتابه: “حلول المجتمع ما بعد الصناعي”، مستشرفاً أن تكون الجامعات ومراكز البحوث، بمثابة البؤر الصالحة للتأثير السياسي، داعياً لبناء هياكل اجتماعية في أميركا والعالم، تستطيع أن تتأقلم في حياتها مع هذا الواقع الجديد.

والبارز في دراسات المستقبلات الأميركية، الاشتغال على تسويق صورة لمستقبل العالم تتماهى مع نمط الحياة الأميركية، سواء بالإغراء، أو بالإغراق في الأسواق. ويقول “سلوتر”، وهو مستقبلي أميركي في كتاب: “الازدهار الطويل” لـ”بيتر شفارز”، فيؤكد لنا: أن الولايات المتحدة الأميركية، جراء قدراتها وخصائصها واستشرافاتها المستقبلية، قادرة على صناعة حضارة عالمية جديدة. وهي معنية في تشكيل كافة مشاهد المستقبل العالمي للإنسانية الجديدة.

 

اقرأ أيضاً بقلم د. قصي الحسين

قمم الحروب

على هامش قمة الرياض فلسفة الاستنـزاف العربي أميركياً

فرنسا وعقد التسوية

 المناظرة الانتخابية بالضوء

فساد الميثاق    

تحرير الموصل عقدة الارهاب الراحل والقادم

نعم لريما خلف وفلسطين الجريمة ماثلة

 بكائية البحر الميت

 مع تيمور جنبلاط تراث كمال جنبلاط في الحفظ والصون

محمد حسنين هيكل عام على أيقونة الصحافة

ترامب وفوبيا المؤتمرات

الانتخابات النيابية فلسفة الوجبة الناقصة

خطاب الكراهية المقارن ترامب وعبد الناصر

آستانة وجنيف سورياً

عن الرئيس ترامب محاصراً

 كاسترو ثائراً وحاكماً مختلفاً

التسامح السياسي وآفاقه في لبنان

صادق جلال العظم سورية في القلب

الاتحاد الأوروبي ولعنة الهويات

العجز عن لبنان