نورا جنبلاط لـ “الأنباء”: عاطفة المرأة هي مصدر قوّتها.. والتغيير آتٍ!

الست نورا

لم يقع اختيارنا على السيدة نورا جنبلاط لتكون ضيفة فقرة “الأنباء بالمؤنّث” لمجرّد أنها زوجة رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط.. ولا فقط لأنها بطبيعة الحال نجمة كواليس مهرجانات بيت الدين، وجه لبنان الثقافي والحضاري والسياحي الأكثر إشراقاً في مراحل الحرب والسلم منذ ثمانينيات القرن المنصرم حتى يومنا هذا. ولا اخترنا “الست نورا” فقط لتسليط الضوء معها على جمعية “كياني” التي أسستها في العام 2013 لتقديم الخدمات التعليمية بمستوى عالٍ لأولاد النازحين السوريين في البقاع الأوسط، ولا لسؤالها فحسب عن رؤيتها ودورها في رئاسة مركز سرطان الأطفال “سانت جود”…

اخترناها لأنها في كل هذه المناصب والأدوار كانت ولمّا تزل بشهادة كل عارفيها، نموذجاً للمرأة المتفانية، الحاضرة في كل تفاصيل عملها وأدقّها.. ولأنها نموذج فريد لامرأةٍ عربية لم تتباهَ يوماً بمجرد كونها زوجة زعيم سياسي بحجم ودور وحضور وليد جنبلاط، بل لأنها أثبتت نجاحها بفعل كدّ وجهد وجدية غير مسبوقة.. ولأنها بقيت رغم وهج حضورها وفاعليته، نموذج المرأة – الإنسان، الجميلة قلباً وقالباً.. والأنيقة لكن بمنتهى البساطة والتواضع. فلم نرَ “الست نورا” يوماً تعتني بإظهار أناقتها وثمن مجوهراتها أكثر من اهتمامها بممارسة فكرها الـ “كمال جنبلاطي” قولاً وبالفعل. حتّى في افتتاحيات المهرجانات التي يفترض بها أن تكون “لياليها”، ما رأيناها يوماً “تتحنّط” في المقاعد الأمامية مستسلمةً لإغراء عدسات المصوّرين كما تفعل معظم زوجات السياسيين عندنا. ما رأيناها يوماً إلا كبيرةً بتواضعها، تستقبل الناس وتودّعهم عند باب المهرجانات، أو تسير بين المقاعد مطمئنّة على راحة الناس.. كل الناس، أو تنحني لتقبل جبين نازح سوريّ شوّهته طعنات الزمن أو تركع لمواساة طفل بطل يحارب السرطان.

بهذا التواضع الكبير استقبلتنا في مكتبها، فكان معها الحديث الآتي نصّه:

* بدايةً حدثينا عن دورك كإمرأة في رسم صورة لبنان الحضارية والثقافية من خلال مهرجانات بيت الدين منذ الثمانينات حتى اليوم.

المرأة تستثمر أكثر بكثير من الرجل في القضايا الإنسانية. وغالباً ما نراها تتعاطى مع القضايا على الأرض، وتتعاطى مع القضايا الإنسانية بخلفية ثقافية واجتماعية وانسانية فتبذل أقصى جهودها في سبيلها…

* لكن لم حصر المرأة بطابع انساني اجتماعي محض؟ ألأنها أكثر عاطفةً من الرجل؟ ام لأنها أكثر قدرة على العطاء الإنساني؟

المرأة عاطفية طبعاً، لكن هذه العاطفة هي مصدر قوّة لها وليست مصدر ضعف على الإطلاق. المرأة تستثمر من نفسها أكثر في سبيل القضايا الإنسانية، ولذلك غالباً ما نرى الرجل أكثر في مراكز القرار، أما على أرض الواقع وفي الميدان، فالمرأة أكثر قدرة من الرجل نعم، ربما لأنها تتعاطى بطريقة مختلفة، ربما لأنها أم وأساس العائلة، لكن أيضاً لأنها تعطي من نفسها اكثر فتتقن التعاطي مع المرأة والطفل والمحتاجين في المخيمات مثلاً. كما  ان الام اللاجئة وطفلها يتعاطون مع المرأة العاملة بانفتاح وارتياح أكثر.

*ألا تعتقدين أن هذا الكلام سيف ذو حدّيْن إذا ما استغلّ من قبل أرباب القرار لحصر وجود المرأة في أماكن معينة والحد من إمكانية وصولها الى مواقع القرار الكبرى في الدولة؟

مع الأسف ان التركيبة الإجتماعية في بلادنا ما زالت لا تعطي المرأة حقوقها الكاملة. فأنا أتمنى أن تتحرّر المرأة من كل القيود التي تؤخرها في الحياة، مع الحفاظ على دورها الإجتماعي داخل الأسرة.

 

 

*هل أنت مع الكوتا النسائية في البرلمان؟

قد تكون الكوتا خطوة ضرورية كمرحلة أولى في ظل نظامنا السياسي الحالي. ثمة الكثير من القوانين بحاجة لتطوير وتعديلات لإنصاف المرأة، ويفترض بالأحزاب أن تدخل مبدأ الكوتا إلى أنظمتها بشكل واضح. وهنا لا بد من الثناء على دور وليد جنبلاط الذي لطالما كان وما زال يشجّع انخراط المرأة في العمل السياسي وغيره. وأعتقد أن التغيير الذي حصل في انتخابات مجلس قيادة الحزب التقدمي الإشتراكي مؤخراً خطوة مهمة على طريق المزيد من مشاركة المرأة في الحزب وفي الحياة السياسية بشكل عام. أعتقد أن التغيير آتٍ لمصلحة النساء.

* لكن الحزب لم يعتمد بعد مبدأ الكوتا. فهل تعملين على إقناع وليد جنبلاط بأهمية إدراجها في مجال العمل الحزبي؟

في الواقع أنا لست حزبية، لكن أعتقد أن حزباً نشأ على المساواة بين الرجل والمرأة وعلى تفكير تقدمي متطور أسّسه المعلّم الشهيد كمال جنبلاط لا بد أن ينجح بإشراك النساء أكثر فأكثر في صفوفه، على الرغم من التركيبة العربية واللبنانية التي ما زالت تقليدية مع الأسف.

*إنطلاقاً من دورك الرائد في مهرجانات بيت الدين التي أطلقت في أوج الحرب في الثمانينيات، هل تعتقدين ان المرأة قادرة على صنع السلام أكثر من الرجل؟

ثمة تكامل في الأدوار بين الرجل والمرأة. لكن في ذهن المرأة دائماً هاجس العائلة والمحيط، الذي يحكم نظرتها لمجتمعها وللبيئة التي تعيش فيها، فيأتي تعاملها مع بعض القضايا مختلفاً. مهرجانات بيت الدين جمعت الناس حول هدف حضاري ثقافي، وساهمت بالطبع بوضع لبنان على الخارطة الثقافية والسياحية في المنطقة والعالم.

اليوم مهرجانات بيت الدين تستقطب نحو 30 إلى 40 ألف شخص في مدة شهر، ما كرّس بيت الدين كمعلم ثقافي تراثي حضاري. المهرجانات بالفعل أغنت منطقة الجبل، فطوّرت المجتمع هناك وساعدت بانفتاحه، فعلى هامش المرجان تم تأسيس كونسرفاتوار في المنطقة، وتم إنشاء أوركسترا شبابية من طلاب الثانويات يتم تعليمهم بشكل مجاني. بالفعل المهرجانات ساهمت بإنماء المنطقة وإنعاش الدورة الإقتصادية فيها، وأمّنت فرص عمل لكثيرين.

– ماذا يتحضّر لمهرجانات الصيف المقبل؟

لا يمكنني الإفصاح عن البرنامج قبل أوانه، لكن الإفتتاح سيكون مع شاب متميز وصاحب صوت بارع.

*أنت مؤسسة ورئيسة جمعية “كياني” التي تعنى بالنازحين السوريين ومن أبرز إنجازاتها مدارس تعليم النازحين في البقاع. ما مدى أهمية هذه المدارس؟

لقد أسّسنا جمعية “كياني” عام 2013، بعد أن تسببت الأزمة السورية بتدمير البشر قبل الحجر، وبعد حجم النزوح الذي خلّفته على لبنان. ولبنان كان كبيراً بترحيبه بالنازحين السوريين لكن هذا الملف أرهقه، ووضع النازحين على ارض الواقع بات سيئاً جداً، ما يستلزم المزيد من المساعدة من قبل المجتمع الدولي.

أما نحن فقد لاحظنا مدى النقص في الخدمات التعليمية وأسسنا جمعية “كياني” لسد هذه الثغرة، في ظل وجود 500 الف طفل سوري في لبنان في عمر الدراسة منهم فقط حوال 200 الف تم استيعابهم في مدارس لبنان الرسمية. ولمّا كان التعليم حق اساسي للطفل، فقد بنينا بالشراكة مع الجامعة الاميركية ووزارة الشؤون الإجتماعية مدارس في المخيمات العشوائية في البقاع حيث الحاجة الأكبر لإيصال العلم للنازحين، خصوصاً أن المنظومة التربوية في البقاع لم تكن قادرة على استيعاب الاعداد الكبيرة من الأولاد الموجودين.

أسسنا 7 مدارس تضم 3500 طفلاً في البقاع الاوسط بين مكسة ومجدل عنجر عند الحدود، ومن بين هذه المدارس مدرستيْ مالالا يوسف زاي للبنات بين 14 و18 عاماً حيث يتم اعطاءهن إلى جانب التعليم الأساسي تعليماً مهنياً في اختصاصات عدة منها الخياطة والمعلوماتية والمساعدات التمريضية وتصفيف الشعر، وبذلك يتم تحضيرهن لتصبحنَ منتجات ومحصّنات بمهن تقيهنّ ما قد يواجههن من تحديات صعبة.

*وأي مسؤولية للدولة اللبنانية في هذا السياق؟

الدولة اللبنانية قدّمت الكثير ولكن ما زال هناك نقص رغم المساعدات المحدودة التي قدمها المجتمع الدولي أيضاً. اليوم أكثر ما يهمّنا هو مبادرة الدولة اللبنانية الى تشريع هذا التعليم غير النظامي، بحيث يستطيع الطالب السوري الذي يتلقى تعليماً غير نظامي في لبنان أن يتابع دراسته بشكل نظامي فيما بعد. على الدولة ان تعترف بهذا التعليم وان تجد الصيغة الملائمة لتثبيته قانونياً بحيث يصبح تعليماً معترفاً به.

*أين الست نورا جنبلاط من حاجات الناس الذين يزورونكم في كليمنصو والمختارة لطلب الخدمات؟

البيت مفتوح وعند الطلب أكون حاضرة دوماً. وتيمور جنبلاط يبذل جهداً كبيراً في هذا المجال. والأسرة بأكملها جاهزة لدعمه والوقوف إلى جانبه بصورة دائمة.

*هل لديك أي طموح سياسي؟

شخصياً لا أبداً. أفضّل مواقع تواجدي في الشأن العام، في المجال الإجتماعي والإنساني.

 

(*) غنوة غازي- “الأنباء”