محمد حسنين هيكل عام على أيقونة الصحافة

د. قصي الحسين

K.H

في السابع عشر من شهر شباط 2016، طوى أيقونة الصحافة العربيّة الأستاذ محمد حسنين هيكل عامه الثاني والتسعين ورحل. طوى برحيله حياة حافلة، لعب خلالها على مدى ستة عقود أدواراً مفصلية في تاريخ الصحافة المصرية بخاصة والصحافة العربيّة بعامة، صنع لها أيقونتها ومضى.

مراسلاً لجريدة “ذي إيجيبشان غازية” في الحرب العالمية الثانية، بدأ عمله في الصحافة، وتدرج فيه. وسرعان ما وقف في العام 1952 إلى جانب “ثورة يوليو”، واصبح مفكرها والناطق الأبرز بلسانها، وصولاً إلى الثورة المصرية في العام 2011، مقترباً من لاعبيها كافة، غير أنه وجد في انتخاب الرئيس عبد الفتاح السيسي، صورة “المرشح الضرورة” لإنقاذ مصر، ومعها العرب من ورطة النكوص والحكم بأثواب السالفين.

كان الأستاذ، وهو لقبه الذي عرف به تميزاً له عن غيره من الصحافيين المصريين والعرب، الذي رحل في القاه

رة عن 93 عاماً، في القلب من جيل جديد يتشكل في الصحافة المصرية، بعد الجيل الأول من الصحفيين اللبنانيين والسوريين، الذين غادروا إلى مصر في أيام محمد علي، “واحة الحرية في أيام العثمانيين”، فبرز في الصحافة المصرية والبلاد على تخوم الحرب العالمية الثانية، وهي تشهد لمعان مجلة “روز اليوسف” لفاطمة اليوسف المرأة المرعبية العكارية، ابنة بلدة حلبا، وتأسيس مجلة “آخر ساعة” لمحمد التابعي، وإطلاق صحيفة “الأخبار” لمصطفى وعلي الأمين تلك التي عمل فيها جميعاً .

في العشرينات من عمره، كان الأستاذ، إلى جانب عبد الناصر. اقترن اسمه بأعظم شخصية عربية في التاريخ الحديث، فبدا إلى جانبه وكأنهما من جيل واحد. فتعاون هيكل المولود في أسيوط مع الثائر عبد الناصر المولود في قنا بالاسكندرية، لصناعة الحدث الجديد، تحرير الأمة من أغلالها. وبين رئاسة تحرير “آخر ساعة” والعمل في “روز اليوسف”، وفي جريدة الأخبار، وجد هيكل نفسه في أسرة “الأهرام” فجأة، بعد أن توسط لديه محامي أسرة تقلا التي تملك “الأهرام”، فأنقذ الصحيفة العريقة، وجعلها واجهة مصر الإعلامية، وصار هيكل في “ثورة يوليو” إلى جانب عبد الناصر، خصوصاً بعد تأميم القناة، أيقونة الأهرام.

واستمرت علاقة هيكل الخاصة بعبد الناصر، طوال فترة حكمه يفسر قراراته ويشرحها. ويحرر خطاباته ويدققها. وينقل الرسائل بين الداخل والخارج، حاملاً حقيبة الإرشاد القومي (وزارة الإعلام) حتى آخر يوم في حياة عبد الناصر.

كان محمد حسنين هيكل، كما نعاه غسان شربل في جريدة (الحياة 18/2/2016) صحافياً من الوريد إلى الوريد. ويتابع شربل في غير مكان:”كان هيكل يحب شؤون المهنة وشجونها”. يحرص في زياراته إلى العواصم على زيارة الصحفيين. وفي الجلسة الأخيرة التي جمعته به قال له: “إن الصحافة خيار ممتع ومتعب. والصحافي الحقيقي هو من يجعل عمله أكبر من لقبه. ذلك أن الألقاب تأتي وتذهب. وينهي مقاله بالقول: “يخطئ الصحافي ويصيب، لكن الأكيد هو أن هيكل ظل صحافياً حتى الرمق الأخير”.

هيكل

اشتهر هيكل، الصحافي الشاب بكتاباته المميزة التي أهلته للفوز بجائزة “الملك فاروق للصحافة” في العام 1947، على خلفية تحقيقاته الصحافية عن وباء الكوليرا. وحجز عبد الناصر مقعداً له في الضباط الأحرار، وفي مجلس قيادة الثورة. وهو الذي خط له خطاب التنحي الشهير لعبد الناصر، عقب هزيمة حزيران العام 1967. وكان في غرفة عبد الناصر عند رحيله، فكتب بيان إعلان وفاته، الذي قرأه الرئيس السادات. ثم كتب له تقرير التكليف الاستراتيجي لحرب تشرين المجيدة في تشرين الأول/ أكتوبر 1973.

وبعد عزل الرئيس حسني مبارك التقى هيكل الرئيس السابق محمد مرسي، مرة وحيدة وكانت جلسته معه “غير مريحة”. قال له بالانفتاح على الجميع. غير أنه سرعان ما تصدر مشهد معارضة “الإخوان المسلمين”، فأحرق أنصار مرسي، جانباً من منـزل هيكل في قرية برقاش (جنوب القاهرة)، وقضوا على مكتبته ووثائقه. وحين استلم الرئيس السيسي مقاليد السلطة في القاهرة، اقترب الأستاذ منه معللاً ذلك بأنه “مرشح الضرورة”.

خلف هيكل، الذي حاز لقب الأستاذ بامتياز، عشرات الكتب، ترجم بعضها إلى عشرات اللغات. غير أنه ظل كاتباً مثيراً للجدل، لاقترابه من السلطة والأدوار السياسية التي لعبها، محلياً وإقليمياً، ولم يتخل عن حضوره الدائم في المشهدين السياسي والصحافي، حتى بعد أن استأذن في الانصراف عند بلوغه الثمانين، بمقال مؤثر، سرعان ما تحول إلى كتاب، صنع له أيقونته الصحافية.

وكتب محمد حسنين هيكل وصيته في ثماني صفحات، وجعلها وديعة مغلقة عند رفيقة حياته “هدايت تيمور” والتي كان قد انتهى من كتابتها قبل أن يدلف إلى عامه السابع والسبعين (في 23 ايلول/ سبتمبر عام 2000)، وقال: “لنكن واقعيين، بعد هذه السنين، فأنا قرب النهاية ومستقبلي ورائي” تاركاً للأجيال العربيّة اليوم وغداً، وديعة وأيقونة لنا جميعاً.

* أستاذ في الجامعة اللبنانية