الانتخابات النيابية فلسفة الوجبة الناقصة

د. قصي الحسين

K.H

لأن قوانين الانتخابات بعامة، والانتخابات النيابية المزمع الحديث فيها اليوم في لبنان بخاصة، ليست هي في الواقع إلا وثيقة لعقد اجتماعي بكل معنى الكلمة، فإنه لذلك ننظر فيما يدبره أقطاب السياسة والمتصلون بهم، من رجال الفكر السياسيين، من جميع المشاريع والأوراق التي يقدمونها على أنهات لا تجسد في الواقع فلسفة الانتخابات أقله كما نرى اليوم، بل تكاد تكون عبارة عن تسوية، بين الأقطاب السياسيين الذين يضعون “منيفستو الانتخابات”. ولطالما تكون هذه التسوية نصفية أو ناقصة، لا تعبر عن واقع التطور والنمو والتقدم. ولا عن اتجاهات التطور، ولا عن صيرورة التيارات الحية المتحققة والنامية والمتطورة والمتقدمة، النازعة إلى التحقق، بل تعبر عن نزعات الأقطاب أنفسهم الذين يصنعون الانتخابات ويضعون “المنفستو” المعبر والمنسجم مع إراداتهم ورغباتهم ورغائبهم ومصالحهم دون التعبير عن واقع التطور وصيرورته واتجاهاته.

إن فلسفة الانتخابات في منطقها وفي منطلقها، لا تستطيع أن تكون إلاّ إنسانية الطابع، تعنى باللبنانيين ككل، وليس بجماعة بعينها، حتى وإن توجهت إلى هذه الجماعة أو تلك بعينها. ذلك أن فلسفة الانتخابات، إنما هي تعبر عن تفكير عقلي نظامي في مبادئها التي يجب أن تكون منسجمة مع مبادئ المعرفة والوجود والعمل، المتميزة عن التفكر الاستحواذي والاستقطابي والأناني، القائم أساساً على منطق ومنطلق التفكر الديني والعصبوي والشمولي والايديولوجي. بحيث تبدو فلسفة الانتخابات وكأنها عبارة عن دعوة إلى مطعم يقدم وجبة ناقصة.

في هذا المجال، يقول الفيلسوف الفرنسي “آلان باديو” في كتاب له بالاشتراك وهو بعنوان: “الفلسفة في الحاضر”: إنه بمقدرة الفيلسوف التحدث في كل شيء. ولكن هذه المرة تتمثل الفكرة أكثر ما تتمثل بـ”فيلسوف التلفزيون الثرثار” الذي يتحدث بسيولة مائعة عن مشكلات المجتمع، ومشكلات الحاضر والمستقبل، وما إلى ذلك. والفيلسوف الحقيقي، هو الذي ينشئ مشكلاته. هو مبتكر مشكلات. ولهذا، فإنه ليس الشخص الذي يملك أن يُسأل في التلفزيون، ليلة إثر ليلة عن رأيه بكل ما يجري… هو الذي يظل يبتكر المعنى الفلسفي على طريقته كفيلسوف، ويوزعه بأشكال مختلفة كفيلسوف أيضاَ. وقد دون باديو أخيراً في كتابه هذا: فيما يخص الفلسفة والأوضاع السياسية وغير السياسية، يجب أن تلقي ضوءاً على التيارات الجوهرية. وأن تلقي ضوءاً على المسافة بين التفكير والسلطة، بين الحقائق الاجتماعية والسياسية والفكرية من جهة وبين الدولة من جهة أخرى. عليك إذن أن تدرس هذه المسافة، وأن تعلم إذا ما كانت قابلة للعبور أم لا. كذلك عليك أن تلقي ضوءاً على قيمة الاستثناء، وقيمة الحدث، وقيمة الانقطاع، وأن تفعل هذا بمواجهة استمرارية الحياة، وبمواجهة التحفظ الاجتماعي.

الانتخابات

هذه برأينا، هي الواجبات العظيمة الثلاث للفلسفة بعامة ولفلسفة الانتخابات وفلسفة الانتخابات النيابية القادمة بخاصة: التعامل مع الاختيار، والتعامل مع المسافة، والتعامل مع الاستثناء. على الأقل إذا ما كانت فلسفة الانتخابات النيابية اللبنانية القادمة ذات معنى للحياة. فيجب إذن، أن تكون أكثر من مجرد سلطة لسدّ فراغ، أو مجرد فرع معرفي للبطش واستعراض العضلات.

إن فلسفة الانتخابات تظل بنظرنا على الأقل، الفعل المنظم لجميع التجارب العملية والنظرية التي يجترحها الإنسان، صاحب الأسئلة الكبرى بعقله، وامتدادات هذا العقل على المجهول المفتوح والضرب فيه، وهذا ما يخشاه رئيس اللقاء الديمقراطي ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي الأستاذ وليد جنبلاط. فهو يعرف قبل غيره من السياسيين اللبنانيين الذين لم يعانوا ما عاناه، معنى التشتت الذي أصاب ماهية المواطن اللبناني، ومعنى هويته وجدواها، خصوصاً في زمن الهيمنة الشمولية القاتلة للثقافات والأفكار والأسئلة الفلسفية الحرة والمتجاوزة ، تلك الهيمنة التي أدت إلى أطروحة موت اللبناني طيلة الثلاثين سنة الماضية.

إن وليد جنبلاط في حراكه السياسي الجديد وفي مبادراته الحوارية الهادئة والجريئة والنشطة، إنما يعبر في موقفه هذا، على أن التشتت اللبناني اليوم، لا يمكن الخروج منه، إلاّ بإعادة الوحدة التفاعلية الحقيقية إلى العنصر الهوياتي الإنساني اللبناني، وجعله يحرث بنفسه الفضاء المطلوب حرثه في استمرار. ووحدها فلسفة الانتخابات الصادقة لا الزائفة ولا الناقصة، إنما هي التي تؤهل لهذا الحرث المجدي، تماماً كما تؤهل المواطن اللبناني عموماً لضرب كل الغشاوات التي فرضتها وتفرضها فلسفة الانتخابات التي تقدم اليوم للبنانيين كما يجري الحديث عنها كوجبة باردة وناقصة.

إن ثراء التنوع اللبناني ككل، هو الذي أوجد في الماضي وسيوجد اليوم وغداً، حضارة اللبناني في الانتخابات المكتملة الفلسفة، عمادها رزمة من الثقافات المتنوعة. ففلسفة الانتخابات الكاملة، هي رافعة لبنان الحضاري وليس فلسفة الوجبة الناقصة، الذي يدفع وليد جنبلاط بموقفه من قانون الانتخابات كأسها السمي لا عن فمه وإنما عن فم لبنان.

* أستاذ في الجامعة اللبنانية

اقرأ أيضاً بقلم د. قصي الحسين

قمم الحروب

على هامش قمة الرياض فلسفة الاستنـزاف العربي أميركياً

فرنسا وعقد التسوية

 المناظرة الانتخابية بالضوء

فساد الميثاق    

تحرير الموصل عقدة الارهاب الراحل والقادم

نعم لريما خلف وفلسطين الجريمة ماثلة

 بكائية البحر الميت

 مع تيمور جنبلاط تراث كمال جنبلاط في الحفظ والصون

جدوى “دراسات المستقبلات” أميركياً صناعة القرار

محمد حسنين هيكل عام على أيقونة الصحافة

ترامب وفوبيا المؤتمرات

خطاب الكراهية المقارن ترامب وعبد الناصر

آستانة وجنيف سورياً

عن الرئيس ترامب محاصراً

 كاسترو ثائراً وحاكماً مختلفاً

التسامح السياسي وآفاقه في لبنان

صادق جلال العظم سورية في القلب

الاتحاد الأوروبي ولعنة الهويات

العجز عن لبنان