الصيغة اللبنانية في النقاش الانتخابي

رامي الريس

rayess

يحتدم السجال في الأوساط السياسية والإعلامية اللبنانية حول قانون الانتخابات الجديد، وتنشر يومياً عشرات المقالات والتحليلات المتعلقة بطبيعة النظام الانتخابي (الأكثري، النسبي، المختلط)، كما يتزاحم المحللون السياسيون والخبراء الانتخابيون على شاشات التلفزة لإبداء الرأي حول هذه القضية.

لطالما شكل قانون الانتخاب في لبنان مادة خلافية وسجالية، ولطالما عوّلت عليه مختلف الأطراف والقوى السياسية لما له من تأثيرات واسعة النطاق في طبيعة التركيبة السياسية اللبنانية التي تختلف من حيث تكوينها عن دول أخرى، فالحياة السياسية اللبنانية أشبه بفسيفساء متنوعة تقوم على التعددية التي ثبت أن المسّ بها إنما يترك تداعيات في غاية السلبية ويعيد إنتاج أشكال مختلفة من التوتر والتشرذم والانقسام وصولاً إلى العنف في حقبات معيّنة.

وشكلت التوازنات اللبنانية الدقيقة، على رغم هشاشة النظام السياسي ولوثته الطائفية والمذهبية، مجالاً لاختبار الديموقراطية (وإن كانت ضعيفة ومشوّهة في بعض أوجهها وممارساتها) في منطقة اتسمت إجمالاً بسيطرة أنظمة ديكتاتورية وقمعية.

parliament

كما بيّنت الديموقراطية اللبنانية، التي أدى قصورها إلى الانزلاق نحو النزاعات الأهلية في محطات عدة، بالإضافة إلى مسببات أُخرى بطبيعة الحال، أنها أتاحت مواجهة الاحتلال الإسرائيلي وتحرير الأرض من دون قيد أو شرط، في الوقت الذي قامت أنظمة عربية بـ «مساكنة» الاحتلال ورفع الشعارات السياسية و «القومجية» وامتنعت عن إطلاق رصاصة واحدة في مواجهة هذا الاحتلال ما أبقى الأرض محتلة لعقود طويلة.

من نافل القول إن «النجاح» الاقتصادي الظرفي في لبنان، أتى على حساب التنمية الريفية والعدالة الاجتماعية والمساواة المناطقية والقطاعات الإنتاجية، فولد أحزمة بؤس وفقر حول المدن الكبرى وأدى توازياً إلى اختلال في الميزان التجاري مع معظم الدول لضعف الإنتاج بسبب ارتفاع كلفته ونتيجة عوامل أخرى أيضاً. إنما هذا القصور الاقتصادي لا بد أن يعالج عند فصل الخلافات السياسية عن الملفات الاقتصادية والاجتماعية التي من الواجب مقاربتها من حيث عناصر تكوينها التقني وليس انطلاقاً من الخلفيات السياسية أو العقائدية لهذا الفريق أو ذاك، وبمعزل عن هذه المعطيات، تبقى الصيغة اللبنانية المرتكزة إلى التعددية والتنوع ضمانة اللبنانيين جميعاً وللمنطقة أيضاً.

????????????????????????????????????

ففي الوقت الذي يُهجّر المسيحيون من سورية والعراق، يدشن البطريرك الماروني كنيسة في قلب الشوف (المختارة) في جبل لبنان. وفي الوقت الذي تتصارع المكونات الطائفية والمذهبية على السلطة في العراق، وتدفع سورية ثمن رعونة نظامها ووحشيته؛ ينتخب لبنان رئيس الجمهورية الماروني المسيحي. ألا يوجب كل ذلك البحث الجدي عن صيغة انتخابية تحمي التعددية والتنوع وتراعي هواجس جميع الأطراف السياسية؟ ألا يعلو الحفاظ على هذه الصيغة (من دون نفي الحاجة الملحة لتطويرها) فوق الحسابات المصلحية الضيقة لهذا الفريق أو ذاك؟

الإصلاح الانتخابي مطلوب من دون شك، ولكن إذا كانت الطروحات الانتخابية تتلطى خلف العناوين الإصلاحية فيما المطلوب هو توسيع الحصص البرلمانية، عندئذ ستسقط بطبيعة الحال تلك الذرائع. لبنان بحاجة إلى إصلاح شامل، وتحميل قانون الانتخاب وحده دون سواه وزر الإصلاح يسقط القانون ويسقط الإصلاح، والأخطر أنه قد يؤدي إلى إسقاط صيغة التعددية والتنوّع!

(*) جريدة الحياة 21/1/2017