بين موسكو وطهران: اختلاف استراتيجيات في سوريا… أم أكثر؟!

ناجي مصطفى (الأنباء)

%d8%a8%d9%88%d8%aa%d9%8a%d9%86-%d8%ae%d8%a7%d9%85%d9%86%d8%a6%d9%8a-%d9%88%d8%a7%d8%b1%d8%af%d9%88%d8%ba%d8%a7%d9%86

مما لا شك فيه أن الاتفاق الذي ابرم بين موسكو وأنقرة وأفضى الى اعلان وقف شامل للنيران في الجبهات السورية كافة قبل نحو اسبوعين قد اثار حفيظة ايران، لا بل وانزعاجها أيضا نتيجة عدم اشراكها في صياغة هذا الاتفاق، لا سيما بعد “الانجاز” العسكري في حلب الذي تعتبر طهران انها أحد ابرز صناعه سواء بواسطة حرسها الثوري المتواجد مباشرة على الارض ام بواسطة مليشياتها المتنوعة اللبنانية والعراقية والافغانية وغيرها.

ولعل أهم اسباب تحفظات طهران ما يلي:

– اعتقادها أنها اللاعب الاقوى على الساحة السورية وانها دفعت، وهذا هو الأهم، الثمن الاكبر للابقاء على نظام الاسد منذ بدء اندلاع الحرب في سوريا وحتى اليوم، في حين أن حضور موسكو  المباشر في سوريا لم يبلغ بعد السنة ونصف السنة.

– احساس طهران ان موسكو تتجه الى ان تكون انقرة شريكتها الاستراتيجية في المنطقة وذلك على حسابها هي، بعد ان ارسلت تركيا اشارات قوية الدلالات تفيد باستعدادها للابتعاد عن شريكتها التاريخية الولايات المتحدة الاميركية ومن خلفها الحلف الاطلسي وتحولها الواضح نحو روسيا البوتينية.

-انطواء الاتفاق بذاته على عناوين تشي بأن موسكو باتت المقرر الوحيد في الساحة السورية دون اعطاء اي دور وازن سواء للنظام المغلوب على امره او لطهران الحاضرة بقوة في سوريا.

روسيا ايران

   لكن السؤال المهم الذي يطرح في الاروقة السياسية الدولية، لماذا قررت موسكو الآن اطلاق مبادرة وقف اطلاق النار الشامل تمهيدا لاجتماع الآستانة المزمع انعقاده بدعوة منها، في حين ان الوقائع الميدانية على الارض لا سيما بعد سقوط حلب، تشير كلها الى امكانية ان يحقق النظام وحلفاؤه وفي مقدمهم موسكو المزيد من الانجازات الميدانية على الارض؟

ان الاجابة على هذا السؤال تنطلق من قراءة روسية عميقة لوقائع الميدان السوري اولا ولميزان القوى الدولي والاقليمي ثانيا وللدور الذي تأمل روسيا ان تلعبه في مستقبل الاقليم ثالثا، فالرئيس فلاديمير بوتين يدرك تماما أن ما جرى انجازه مع “انتصار” حلب هو أقصى ما يمكن ان تحققه روسيا وبهذه الكلفة المنخفضة عليها نسبيا من الناحية البشرية، في ظل حرب مكلفة للاقتصاد الروسي الذي يعاني بالاصل ما يعانيه نتيجة العقوبات الاقتصادية المفروضة على موسكو بعد أزمة القرم، فبوتين يريد الخروج من المستنقع السوري مسلحا بالانتصار الذي حققه في حلب قبل ان يتحول هذا المستنقع الى وحول متحركة يغرق فيها الجيش الروسي لا سيما وانه لا تزال في الذاكرة الروسية القريبة صورة الحرب الافغانية التي كانت سببا في انتهاء اسطورة القوة السوفياتية قبل ما يزيد عن ربع قرن من الزمن.

روسيا

  وبوتين العارف ايضا بلعبة الجغرافيا السياسية يدرك مدى خطورة استعداء عالم اسلامي بغالبيته السنية على الاتحاد الروسي الذي يعيش فيه اكثر من خمس وثلاثين مليون مسلم، ناهيك عن طوق من الدول الاسلامية في آسيا الوسطى التي كانت في الماضي جزءا من الاتحاد السوفياتي القديم. ومن هنا فقط يمكن فهم القلق الايراني من ايلاء موسكو اهمية اكبر للعلاقة مع انقرة “السنية” على حسابها  رغم انها هي من لعبت دور الوسيط في اعادة العلاقة الى طبيعتها بين البلدين بعد تأزمها جراء اسقاط طائرة السوخوي الروسية فوق شمال سوريا قبل نحو سنتين من اليوم.

 كما أن بوتين “البراغماتي” أيضا وأيضا لا طموحات كبيرة لديه في سوريا ،اكثر من تأكيد حضور روسيا كلاعب في الاقليم عن طريق تثبيت حضور القوة الروسية على ساحل المتوسط في طرطوس وفي قاعدة حميميم الجوية، وانه من خلال تأكيد هذا الدور يطل مجددا على الساحة الدولية كلاعب اساسي لا يمكن تجاوزه، فبوتين الواقعي يدرك في قرارة نفسه استحالة أن تستعيد روسيا دورها القديم في صراع القطبين السوفياتي والاميركي للسيطرة على العالم، فلا قدرات روسيا الاقتصادية تسمح بذلك وهي التي تساوي موازنتها السنوية دولة متوسطة مثل اسبانيا ليس الا، ولا قدراتها التسليحية هي بمستوى التفوق التكنولوجي الحربي الاميركي، خصوصا وأن بعض اسطولها البحري الذي استقدمته الى المتوسط ومن ثم أعادت سحبه مؤخرا بدا متواضعا وقديما ويعود بمعظمه الى الحقبة السوفياتية الذي تعوزه التكنولوجيا الحديثة المفتقدة لديه.

A man walks past a burnt car and damaged buildings along a street at the al-khalidiya neighbourhood of Homs November 19, 2012. REUTERS/Yazan Homsy (SYRIA - Tags: CONFLICT) FOR BEST QUALITY AVAILABLE: ALSO SEE GM1E92I15Y801 - RTR3AMBE

في مقابل ذلك نجد ان لطهران استراتيجية مختلفة ازاء سوريا والاقليم عموما، فهي ومنذ انتصار الثورة الايرانية بقيادة الامام الخميني عام 1979 وتحت عنوان تصدير الثورة وقيمها الدينية لبناء عالمها الاسلامي المتصور على قاعدة مذهب الامامية الاثني عشرية، استثمرت كثيرا في الاقليم اموالا واسلحة وتدريبا وترسيخا لايديولوجيتها الميثولوجية الخاصة بها، وبالتالي فهي تعتبر ان ما جرى انجازه سواء من قبل حرسها الثوري مباشرة او بواسطة ادواتها وتنظيماتها التي انشأتها في كل من لبنان والعراق وسوريا وصولا الى البحرين واليمن هو مكتسبات استراتيجية لا يمكن التنازل عنها، لذلك فهي تعتبر ان بقاءها ومتفرعاتها وملحقاتها في سوريا هو مسألة خارجة عن أي بحث، ولعل هذا ما يفسر الموقف الايراني الاخير من وجوب استمرار بقاء حزب الله في سوريا، وما يفسر ايضا استمرار حزب الله والمليشيات الايرانية كلها في خرق الهدنة الناجمة عن الاتفاق الروسي التركي لا سيما في وادي بردى والغوطة في تعبير واضح عن انزعاج ايران من الاتفاق المذكور من جهة وعن حاجتها الملحة من جهة ثانية الى استكمال رسم “الكوريدور” الآمن من طهران الى بغداد فسوريا نحو البقاع اللبناني عبر استكمال السيطرة على كامل الحدود الفاصلة بين لبنان وسوريا .

 هل يؤدي هذا التباين والاختلاف في الاستراتيجيات الروسية والايرانية فوق الساحة السورية الى ما هو أكثر من مجرد اختلاف؟ وهل يمكن ان يتحول الى أزمة سياسية مع وضوح تفضيل موسكو لانقرة على طهران كشريك استراتيجي في المنطقة؟ هذا ما يمكن ان تجيب عليه الوقائع الميدانية في القابل من الايام وكذلك في مدى تسهيل طهران لامكانية نجاح مؤتمر الآستانة الذي لا يشكل بديلا عن جنيف بما هو اطار مرجعي حرصت موسكو على توضيحه بوصفه المدخل لمعالجة الازمة السورية ومستقبلها.

(الأنباء)

 

اقرأ أيضاً بقلم ناجي مصطفى (الأنباء)

غياب المشروع العربي فتح قابليات القوى الاقليمية للتوسع والسيطرة

لماذا شيطنة قانون الستين وتقديس النسبية؟

سقوط تدمر بيد “داعش” يكشف زيف ادعاء نظام الاسد بقتال الارهاب!

حرب الفيتوات المتقابلة تهدر فرص تأليف الحكومة وتعوق انطلاقة العهد!

وليد جنبلاط المسكون بهاجس التاريخ… قلق من لعبة الأمم!

بعد الانتخاب والتكليف ومساعي التأليف: حكومة الفرصة الأخيرة ما قبل الانهيار والفشل!

سيناريو إفتراضي لما بعد إنتخاب عون!

بعد تجاوز قطوع ترشيح عون… ماذا عن التكليف والتأليف؟!

الاستحقاق الرئاسي: بين سلة بري واستعجال عون!

الاستحقاق الرئاسي: بين ارتباك المستقبل ومناورات حزب الله!

عام على التدخل الروسي في سوريا: اي حصيلة واي نتائج؟

سوريا: قوى تتقدم وأخرى تنكفىء وأشلاء وطن تنزف دما وهجرة!

وليد جنبلاط داعية الوحدة في زمن الانقسام الطائفي والمذهبي

بعد ثورات الربيع… أليس لهذا الليل العربي من أخر؟!

عن الميثاقية المظلومة… ما لها وما عليها!

مستقبل سوريا: اخر محاولات للتسوية والا التقسيم

في ذكرى مصالحة الجبل: تأكيد الاصرار على العيش الواحد

لبنان في ثلاجة الانتظار… الى متى؟

زيارة وليد جنبلاط الى الصرح البطريركي… اي ابعاد؟

عندما جنبلاط يحث على إنتخاب رئيس تداركا  للاسوأ!