التسامح السياسي وآفاقه في لبنان

د. قصي الحسين

حتّى الآن لا يبدو أن المجموعات الثقافية في العالم تتجه إلى القبول بعضهم ببعض، والدعوة إلى العيش الآمن، عبر التفاهم السياسي والتعاون الاقتصادي والتوازن العسكري، ولهذا كان مؤتمر “الديبلوماسية الثقافية”، الذي نظمه معهد الديبلوماسية الثقافية في برلين، على مدى خمسة أيام في الفترة: (14 – 18 كانون الأول 2016).

حقاً كان المؤتمر عبارة عن مهرجان ثقافي عالمي، نادر، شاركت فيه عشرات الشخصيات السياسية والثقافية والقانونية والديبلوماسية والفنية والدينية، من بلدان عدة. وكانت حصة البلدان الأوروبية هي الغالبة، فألقيت بحوث وكلمات لرؤساء دول وحكومات ووزراء ونواب، وسفراء سابقين وحاليين، وخبراء في شتى المجالات، من سائر بلدان العالم تقريباً.

ناقش المؤتمرون أوراق عمل، أوردت الجرائم التي ارتكبتها الصرب ضد شعب كوسوفو، وأرقام الجرائم لضحايا القتل والاغتصاب. وكانت المفاجأة حين أعلنت رئيسة كوسوفو سابقاً، عاطفة يحيى آغا، عن هويات الجرائم وعددها، والوثائق التي تمتلكها. غير أن وزير الصرب طالبها بنسيان الماضي، غير أن جوابها كان: “لم أذكر إثنية المجرمين أو الضحايا. دعني أخبرك أن كثيرين من ضحايا صربيا الكوسوفار، هم صرب، وأنا أدعو، كل من غادر البلاد منهم إلى العودة إلى كوسوفو التي تتسع لجميع سكانها”.

في الواقع، لقد قطع لبنان التجربة نفسها في حرب السنتين، وحروب إسرائيل عليه. وتعرضت المدن للتهجير، وتعرض الجبل للتهجير، وتعرض بعض الجنوب والشمال للتهجير. وها هو اليوم يدخل دورة الحياة السياسية من جديد. ويشتغل الموسيقيون والفنانون والرياضيون ورجال دين وحقوقيون واقتصاديون وإداريون، على التأسيس للتعايش في لبنان، بديلاً عن الإلغاء والنبذ والإقصاء، وإقامة الجدران والمتاريس.

وها هي المؤتمرات والندوات التي تعقد منذ منتصف هذا العام، وخصوصاً بعد انتخاب رئيس للجمهورية، وقيام حكومة الوحدة الوطنية، إنما تدور في معظمها على فكرة التعايش والتفاهم بين الثقافات العالمية. فذلك كفيل برأيهم لإرساء قواعد التسامح على أسس متينة. ولا شك إذا كان التركيز على أهمية التعليم. فهو لأنه كفيل بتحقيق التفاهم الثقافي المنشود بين اللبنانيين، والحؤول دون وقوع الفتن والحروب بين الجماعات وبين المناطق.

وينطلق الباحثون من التركيز على التعليم الديني، عبر تدريس الدين في المدارس، واعتبار أن كل الأديان تدعو إلى السلام والوئام. وأن تعليم الإسلام، يحارب داعش، ويدعو لطرده من بين صفوف المسلمين، كما بإمكانه أن يحارب جميع التكفيريين. فهل يتحقق التفاهم العالمي المنشود، وتتلاشى الحروب والنـزعات والصراعات، وتنتصر الدول بالدبلوماسية الثقافية على عجز الديبلوماسية السياسية والقوة العسكرية الطاغية.

والمفاجأة التي حملتها الديبلوماسية الأميركية في نهاية هذا العام، هو أن واشنطن تعتبر الاستيطان يقود اسرائيل إلى احتلال أبدي. فهل تؤسس هذه الدعوة من عهد أميركي آفل، لسياسة تسامح وثقافة تسامح، لا بين الإسرائيليين والفلسطينيين وإنما بين المجموعات العربيّة والأجنبية المتقاتلة في لبنان وفي سورية وفي العراق (الحياة 29/12/2016).

وهناك من يقرأ زيارة رئيس الوزراء الياباني شينـزو آبي اليوم 24/12/2016 إلى موقع هجوم “بيرل هاربر”، وذلك رداً على زيارة الرئيس باراك أوباما لهيروشيما في أيار الماضي. فهل تعكس الزيارتين تشديداً على السلام وطي صفحة الحرب، وتحمل بالتالي دعوة مهمة إلى التسامح، في وقت يشهد فيه العالم تزايداً من الأعمال العنصرية وارتفاع منسوب الكراهية.

تحدث الرئيس الراحل فرانكلين في أعقاب الهجوم على مرفأ “بيرل هاربر” في العام 1941، بأنه “يوم عار”. ولكنه هو نفسه الذي قال بضرورة التسلح بـ”ترسانة من الديمقراطية” لمواجهة الطغاة والمستبدين. ألم تبعث اليوم الملكة أليزابيت برسالة بمناسبة عيد الميلاد تقول فيها: “نعتقد أحياناً أن مشاكل العالم كبيرة إلى درجة أن ما يمكن فعله حيالها يبقى ضئيلاً. ولكن الأثر التراكمي لآلاف الأعمال الخيرة الصغيرة قد يكون أكبر ممّا نتصور”.

فهل يؤسس مشهد التلاقي السياسي في لبنان، كما عكسته جلسات مناقشة البيان الوزاري، أن اللبنانيين جميعاً أفاقوا أخيراً على ضرورة الاندراج، تحت سقف التسامح السياسي وآفاقه في لبنان، خصوصاً بعد فخت طبول الحرب، من الجهات والدوائر الخارجية والداخلية، وبدء التأسيس لمؤتمرات التسامح السياسي والديني والثقافي. أمّا الأهم من كل ذلك، فهو تقوية قواعد اللعبة للتسامح السياسي في لبنان على أسس متينة، لا تأخذها العواصف في طريقها، حين هبوبها علينا.

(*) أستاذ في الجامعة اللبنانية

اقرأ أيضاً بقلم د. قصي الحسين

فرنسا وعقد التسوية

 المناظرة الانتخابية بالضوء

فساد الميثاق    

تحرير الموصل عقدة الارهاب الراحل والقادم

نعم لريما خلف وفلسطين الجريمة ماثلة

 بكائية البحر الميت

 مع تيمور جنبلاط تراث كمال جنبلاط في الحفظ والصون

جدوى “دراسات المستقبلات” أميركياً صناعة القرار

محمد حسنين هيكل عام على أيقونة الصحافة

ترامب وفوبيا المؤتمرات

الانتخابات النيابية فلسفة الوجبة الناقصة

خطاب الكراهية المقارن ترامب وعبد الناصر

آستانة وجنيف سورياً

عن الرئيس ترامب محاصراً

 كاسترو ثائراً وحاكماً مختلفاً

صادق جلال العظم سورية في القلب

الاتحاد الأوروبي ولعنة الهويات

العجز عن لبنان

وحدة القطبية والاستبداد

حسن إدارة الإنقسام أولاً