لبنان – العهد الجديد يقبل التحدي: «بدنا نحاسب»

عزت صافي (الحياة)

michel-aoun-baabda-palace

لم يذكر الرئيس الجنرال ميشال عون متى بدأ طموحه لرئاسة الجمهورية اللبنانية، لكن لا بدّ أنه يتذكر خمسة أيام كانت فاصلة في مسيرة طموحه التي بدأت من القصر الجمهوري في بعبدا وعادت به إليه، والأيام الخمسة هي: يوم تعيينه رئيساً لحكومة عسكرية بمرسوم جمهوري أصدره الرئيس الأسبق أمين الجميل في الدقيقة الأخيرة من ولايته. ويوم قصف طيران الجيش السوري مقره في قصر بعبدا. ويوم إبعاده قسراً الى فرنسا… ويوم عودته الى بيروت عام 2005، وصولاً الى يوم انتخابه رئيساً للجمهورية في 31/10/2016.

وبتأليف حكومة العهد الأولى برئاسة سعد الحريري فُتح دفتر المحاسبة مع ثلاثين وزيراً اقتضى تعيينهم ابتكار وزارات ومهمّات وإدارات لم تكن في الحساب، ولا في البال. فالمطلوب حكومة «وحدة وطنية» جامعة لا تترك فسحة لمعارضة. وإذا كان لا بدّ من معارضة لتستقيم اللعبة الديموقراطية وتتأمن المراقبة والشفافية، فلتكن المعارضة من داخل الحكومة، ولتكن المحاسبة على بيان طلب الثقة وهو جامع شامل كل ما يدور في الحياة اليومية للبنانيين المقيمين والمغتربين. فهؤلاء المغتربون المنتشرون في أنحاء العالم موعودون بحصة في أحد بنود مشاريع القوانين الانتخابية.

لكن، قبل كل ذلك هناك ما هو أهم: تطبيق قانون مكافحة الفساد لإستئصاله والقضاء عليه، وقد أنشئت وزارة لتولّي هذه المهمة. فالفساد منتشر في كل مفاصل الدولة، وهو مغطى بمظاهر باهرة تحفّ بها الرّفاهيّة والإستعلاء. وأحياناً يكون موظف صغير أهم من وزير في عقد الصفقات وتمرير المعاملات من مرجع الى مرجع، ومن توقيع الى توقيع، الى درجة أن الفساد بات نظاماً قائماً بذاته خارج أي مراقبة أو محاسبة.

«بدنا نحاسب»… لطالما تردّد هذا الشعار بأصوات عالية، وأحياناً صاخبة، في شوارع بيروت. ولا بدّ أن الرئيس الجنرال ميشال عون كان يتابع تظاهرات الطلاّب ومسيراتهم المنظمّة وهم يتوجهّون نحو مجلس النواب والسرايا. وكما في كل مرة كانت المسيرات تتوقف، وتختفي الأصوات، وتعود العاصمة وسائر أنحاء البلاد الى الرتابة.

فمنذ أن كان لبنان تحت الإنتداب الفرنسي، وبعده، كانت الخطب والبيانات والمقالات والمحاضرات، تدور على الفساد وأهل الفساد. وكـــل عهد كان يبدأ وينتهي، والفساد يــدوم ويـــتفشى في كل مفاصل الدولة، حتى باتت تهمة الفساد ملازمة لأهل السلطة من دون تمييز بين مسؤول ومسؤول، وموظف وآخر.

ومع أن لبنان كان، ولا يزال، بلد المبادرات الفردية والكفاية، والثقافة، وسائر الصفات المدنية، فقد ظلّت الوظيفة في الدولة هدفاً أول لمجموعات كبيرة من المتقدمين الى سوق العمل، ولا فرص إلا لأعداد ضئيلة من أصحاب الحظوظ لدى أصحاب النفوذ.

هذا الواقع المزري والمزمن لا يزال يواكب الحكومات اللبنانية التي تتألف عبر العهود المتعاقبة. ولعل عهد الرئيس الراحل الجنرال فؤاد شهاب بين 1958 و1964 من القرن الماضي، كان مميزاً بمبادرات إصلاحية أهمها تأسيس مجلس الخدمة المدنية، وهيئة التفتيش المركزي، وديوان المحاسبة، والمشروع الأخضر، ووزارة التصميم، والبنك المركزي.

لكن كل تلك المؤسسات العصرية في وقتها ما كانت لتنجح لولا بعض العناصر الإدارية من ذوي الكفاية والمؤهلات العلمية والسيرة الذاتية الحسنة. وإذ جهد الرئيس شهاب لتطبيق قانون «من أين لك هذا» على الوزراء والنواب وكبار موظفي الدولة والضباط فقد اصطدم بعقبات استنفرت نزعات طائفية ومذهبية بشعة حالت دون تصحيح الإدارة من الأساس. أما هو فقد أودع القضاء المختص كشفاً برصيده وممتلكاته مع زوجته. وبعد وفاته تبيّن أنه لم يكن يملك إلا بقية رصيد ضئيل من مخصّصاته المحدودة، وكانت زوجته قبل وفاتها تنفق ما يكفي حاجتها والباقي يذهب الى عائلات مستورة لا تعرف من أين كانت تأتيها المساعدة.

الرئيس عون هو ابن المؤسسة العسكرية التي تخرج فيها الرئيس شهاب، وهو رابع جنرال يحلّ في القصر الجمهوري منذ بداية الاستقلال. وبعد نتخابه ذكرت معلومات صحافية أنه أودع القضاء المختص كشفاً برصيده مع السيدة قرينته وفق أحكام قانون «من أين لك هذا» الصادر بعد الثورة الإصلاحية الشعبية في منتصف الخمسينات من القرن الماضي، ولا يزال ذلك القانون مطوياً في دوائر المحفوظات وكأنه من الوثائق التاريخية التي مرّ عليها الزمن. وكان الرئيس عون صرّح بعد نيل الحكومة الثقة بأن نظام المحاسبة لمكافحة الفساد يقوم على قاعدة التراتبية، أي البداية من المسؤول، كما في النظام العسكري. وللجنرال عون جملة شهيرة في الإصلاح قالها قبل انتخابه رئيساً وهي: «إن عملية الإصلاح مثل عملية شطف الدرج، لكي تنجح يجب أن تبدأ من فوق، من أعلى درجة، نزولاً الى أسفل درجة».

حكومة من ثلاثين وزيراً لدولة بحجم لبنان وقياسه كبيرة. وكما يُقال بالعامية اللبنانية «مطفطفة» الى درجة أن المعنيين بالتأليف بحثوا وتشاوروا لابتكار أسماء لوزارات جديدة قبل التوافق على أسماء الوزراء الذين ستسند إليهم. والواقع أن الوزراء الذين أسندت إليهم الوزارات المستحدثة، ومنها وزارة حقوق الإنسان، ووزارة مكافحة الفساد، هم من نخب أهل العلم والإختصاص.

لكن، حضر الفرسان وبقي أن تحضر الخيول: فلا مراكز للوزارات الجديدة، ولا إدارات، ولا أنظمة، ولا برامج، ولا موظفين. وهذا لا يعني أن لا حاجة لخدمات هذه الوزارات. بل العكس إنها ضرورية، لكن بشرط أن يتم اختيار موظفيها من نخب الموظفين الذين تغص بهم دوائر الوزارات الموجودة أصلاً.

فهل هناك وزارة أهم من وزارة حقوق الإنسان وما تعنيه من الألف الى الياء؟

معظم الناس، غالباً، مع مالك السلطة، وليس مع من يسعى إليها، خصوصاً أن الدولة اللبنانية مخترقة من كل الجهات الخارجية، الإقليمية، والسياسية، والأمنية. بل إن الكيان اللبناني، بتركيبته الاجتماعية، والثقافية، والطائفية، مخترق من القاعدة الى القمة. فلا القاعدة صلبة وثابتة ومحصّنة، ولا القمة عالية أو لا يُعلى عليها. وعلى رّغم مرور ثلاث وسبعين سنة على الاستقلال الذي احتفلت به الدولة في 22 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي مع الاحتفاء بانتخاب الرئيس الجديد ميشال عون، وهو الرئيس الاستقلالي الرابع عشر والجنرال الرابع يحلّ في القصر الجمهوري، وعلى رغم مرور عشرات الحكومات ومئات الوزراء الذين تناوبوا على السلطة، لا يزال الخطاب الرئاسي يكرّر الأمنيات عينها، والوعود عينها التي تراود أحلام اللبنانيين في الوطن، وفي أقطار الاغتراب، بدولة حرّة مستقلّة، قوية، وعادلة، ووفية بما تتعهد.

نحو ثلاثة أرباع القرن مضت واللبنانيون يتقدمون بإمكاناتهم الذاتية، فيما دولتهم تتراجع. الفساد يزداد. والفقر يزداد. والهجرة تزداد. الأمل وحده ينقص ويتراجع الى حدود اليأس من الإصلاح والتقدم. وإذ جاء «اتفاق الطائف» ليعدل في قاعدة السلطة والتمثيل النيابي بدءاً من إنشاء «مجلس شيوخ» فقد مرت سبع عشرة سنة، حتى اليوم، ولا يزال ذلك البند مجرّد نص في دستور معلّق على حبال الإنتظار.

كلام مكرر في الخطب، والبيانات، والوثائق في الهواء. ولا يبدو أن هناك حلاً مضموناً في المدى القريب. فالنظام المثالي (نسبياً) الذي يطمح إليه اللبنانيون المتنورون، من مسيحيين ومسلمين، بات أصعب من ذي قبل. ذلك لأن النزعات الطائفية والمذهبية تستمر عاصفة في أجواء `(المجتمعات) اللبنانية المتنوعة الإنتماء السياسي، والحزبي، والولاء لأنظمة ودول وقيادات لا صلة لها بالجمهورية اللبنانية عبر التفاعل المدني الديموقراطي.

هذا «اللبنان»، على ما هو اليوم، لا يحتاج الى بيانات، وخطب، وبرامج مفتوحة على الزمن. لبنان يحتاج الى وقفة تضع حداً فاصلاً بين الوضع الراهن والوضع الذي يجب أن يبدأ مع الرئيس الجديد، والحكومة الجديدة. وإذا ما أعيدت قراءة خطاب القسم للرئيس ميشال عون، وبعده بيان الثقة بالحكومة، وبعض الفقرات التي وردت في مداخلات بعض النواب خلال جلسات المناقشة، يتبين بالخلاصة والمعنى أن العهد الجديد وحكومته في إتجاه المطالب المحقة التي رددتها حملة «بدنا نحاسب» في شوارع العاصمة. فهل هذا هو القصر والعزم؟

استناداً الى خطاب القسم وبيان الثقة يبدو لمن يقرأ ويسمع أن الدولة حضرت، وأنها مستعدة لتُحاسَب وتحاسِب.

وفيما اللبنانيون بالانتظار، ليذهب شبان وشابات حملة «بدنا نحاسب» لتشكيل «حكومة ظل» منهم بعدد الوزارات والوزراء والمهمات التي تتولاها حكومة العهد الجديد، ولتكن «حكومتهم» حكومة مراقبة ومتابعة لأنشطة حكومة العهد. ولتكن اللغة راقية وواقعية على مستوى قضايا الشعب والوطن.

اقرأ أيضاً بقلم عزت صافي (الحياة)

اللبنانيون يتساءلون: هل نعوم على شبر نفط؟

مجرّد يوم عطلة للبنانيين في عيد استقلالهم الـ 73

حضر الرئيس الجديد… اللبنانيون في انتظار جمهوريته

سورية التي باتت «جمهورية» في فلك الاتحاد الروسي

القرار الوطني في أيدي الفلسطينيين الباقين في ما بقي من وطنهم

جمهوريّة لبنانيّة «صوتيّة» تصرخ في برّيّة الفراغ والممانعة

أردوغان اليائس من الاتحاد الأوروبي يتشبّث بالحلف الأطلسي!

من يجرؤ على إعلان برنامجه الرئاسي للشعب اللبناني؟

لماذا لا يعتذر أوباما للشعب الياباني؟

ثماني سنوات «إسرائيلية» في البيت الأبيض

فرنسا «الأم الحنون» ولبنان «الابن البائس»

حل الدولتين للقضية الفلسطينية وارد… لكن، بين مَن ومَن؟

ابتسامة لـ«الشيطان الأكبر» واستكبار في وجه العرب

خطورة أوباما تزداد في سنته الرئاسيّة الأخيرة

الفصل التالي لعملية التونسي «البوعزيزي»

رئيس جمهورية لبنان يُنصّب ثم يُنتخب

لبنان العالق في عقدة «العرش الرئاسي» السليب

«الحجر المقدسي» عابر القارات

الغرب الإمبريالي «يبيّض» صفحته العربية

الغرب الإمبريالي «يبيّض» صفحته العربية؟