صادق جلال العظم سورية في القلب

د. قصي الحسين

K.H

قد تكون الحرب على سورية التي بدأت في 14/5/2011 وحتى رحيل المفكر العربي السوري صادق جلال العظم 13/12/2016 وسقوط حلب، وما شهدته من أحداث جسام، أخطر ما مرّ على سورية خلال تاريخها الطّويل في عصرها القديم والحديث. وأعني بسورية: سورية عينتاب وديار بكر ولواء الاسكندرون والرقة ودير الزور والقامشلي والباب وعين عرب/ كوباني، بالإضافة إلى الجولان ، ولاحقاً درعا والسويداء وحوران ودمشق وحمص وتدمر وحماة وإدلب، واللاذقية، وطرطوس وقلب لوزة، قبل نعي حلب أخيراً، مقرونة بنعي صادق جلال العظم.

حرمت سورية من نظامها، ومن امتيازاتها، إثر نشوب الحرب العالمية الأولى، وبعدها الحرب العالمية الثانية، وأخضعت لسياسة متمادية، من قبل عدد من الضباط المتورطين، من أديب الشيشكلي وحسن الزعيم وحتى الأتاسي وحافظ الأسد وبعده ابنه بشار الأسد، فكان لها أثرها المدمر على مقوماتها السياسية والاقتصادية والجغرافية، ما شل قدرة السوريين على البناء والإنتاج، كما طالما كان دأبهم، حتّى في ظل السلطنة العثمانية.

وما لم يأت عليه الإنكماش الجغرافي والاقتصادي والسياسي، المرتسم على أرض الواقع المتدهور، أكملت عليه حرب السنوات الست، التي اجتاحت المدن والأرياف وعصفت بعموم البلاد. وبخاصة المدن والمناطق الداخلية والتي تقع خلف الشريط الساحلي الممتد من نهر الكبير الجنوبي/ والحدود المرتسمة مع تركيا، وحتى نهر الكبير الشمالي/ والحدود المرتسمة مع لبنان.

وهذا البؤس الآثم والجاثم على صدر سورية الشقيقة، حيث لا يستطيع أيٌّ منا إلاَّ أن يقول للمفكر الثائر صادق جلال العظم الراحل في جنازة حلب: “سورية في القلب” سورية، بحقائقها التاريخية الدامغة لها، بمستواها الحضاري الراقي في الداخل والخارج. وبالإنجازات التي لطالما حققها السوريون على كل الأصعدة: الفكرية والفلسفية والقانونية والدستورية والعلمية والثقافية والطبية والأدبية والإبداعية. وكيف وصلوا إلى أعلى الرتب والمراتب والمناصب، وفي طليعتهم الراحل الكبير المفكر العربي السوري صادق جلال العظم، في جميع الدول التي اقاموا فيها، واستطاعوا أن يكسبوا احترام أهلها وهيئاتها وشخصياتها وقادتها.

سورية والسوريون في الإنتشار، غيرهم في ظل الاستبداد والطغيان والطغاة. فهم رجال الأعمال ورجال الصناعة الذين اقاموا صروحاً صناعية وتجارية ومصرفية. وهم أدباء المهاجر والفلاسفة والقانونيون والمشرعون والمفكرون والعلماء والأطباء الأوائل. وهم المبشرون والتبشيريون ورجال التاريخ والمؤرخون، وهم الفلكيون والمهندسون والقادة والأبطال التاريخيون. فما من نهضة فكرية أو علمية أو عمرانية أو دينية أو مدنية أو عسكرية، لا في التاريخ القديم وحسب، وإنما أيضاً في التاريخ النهضوي والحديث والمعاصر، إلاّ لسورية والسوريين نصيب مشاركة عظيمة وقصب سبق ريادي فيه.

صادق جلال العظم، المفكر والمجدد والمحدّث الراحل في جنازة حلب، خدنه في سورية الثورة، الثائران البطلان: الشيخ صالح العلي، وسلطان باشا الأطرش، وغير بعيد عنهما المناضل البطل الناصري العظيم جول جمال.

%d8%ac%d9%84%d8%a7%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b8%d9%85
بهذا المعنى، رثا رئيس “اللقاء الديمقراطي” النيابي وليد جنبلاط المفكر السوري صادق جلال العظم (الحياة 14/12/2016) مثمناً إرثه الثقافي المهم، ومثمناً في الآن نفسه مؤلفاته التي أفردت الصفحات العظام والضخام، للأفكار التحررية المهمة التي تداولت في جانب منها: نقد الفكر الديني وسبل تطويره، والنقاشات التي طالت النظريات السياسية والدينية القديمة والحديثة، إلى جانب عطائه الأكاديمي والفكري والتنويري. وانحيازه إلى الإنتفاضة السورية وثورة الشعب السوري، خصوصاً في مراحلها الأولى، محذراً منذ أوائل انطلاقتها من سقوطها في التطييف والمذهبة والشرذمة.

صادق جلال العظم، كما يقول فيه وليد جنبلاط، صاحب ثلاثة مواقف تاريخية، بالنسبة للمثقفين والمفكرين والمنتفضين السوريين: 1- صياغة العناوين الرئيسية لـ”إعلان دمشق”. 2- رفض مقولة الحرب الأهلية في سورية، بدل القول والإعتراف بحرب النظام وحلفائه على مكونات مختلفة من الشعب السري. 3- نضاله المعروف، يسارياً ماركسياً علمانياً ديمقراطياً، على أنه يند عن فلسفة وفكر وثقافة ونظرية ثرّة في قضايا التاريخ والمادة والفلسفة. مذكراً بموقف كمال جنبلاط، حين صودرت كتبه وأوقف بسبب قضايا الرأي والفكر والفلسفة.

“صادق جلال العظم” الذي رحل كما لو أنه قتل” يعنون حازم صاغية (الحياة 13/12/2016) لرحيل هذا المفكر الثائر قبل الثورة السورية هذه بسنواتها الست، بل قبل حرب النظام على سورية وإطاحته، وطحنه، لكل هذا الحجر، وكل هذا البشر بلا مهادنة ولا رحمة ولا حتّى شفقة. رحل صادق جلال العظم الذي “آمن بالعقلانية ودافع عنها”، فيما اللاعقلانية توالي الانتصارات وتراكمها على مدى المعمورة كلها.

رحل صادق جلال العظم، الصوت الذي نادى بالديمقراطية والحياة المدنية والدستورية في جميع البلاد العربيّة، وليس في سورية وحدها وحسب (السفير 15/12/2016)، فيما الطغيان، يدوس الناس في شوارع سورية والعراق، وليبيا واليمن، وفيما الصورة الظلامية السوداء تطغى في أذهان العالم عن الإسلام، كنسخة رديئة مشؤومة عن البغدادي والجولاني والزاهري والزرقاوي وأسامة بن لادن، إلى أئمة الفكر الظلامي الأسود، وإلى قادة الحكم الاستبدادي، التوتولاري والشمولي، الأسود – الطاغي على حدٍّ سواء.

اقرأ أيضاً بقلم د. قصي الحسين

قاعة قطر

خمسون عاماً على ضياعها: القدس الآن

ماي والشعبوية والبرج المحترق

قمم الحروب

على هامش قمة الرياض فلسفة الاستنـزاف العربي أميركياً

فرنسا وعقد التسوية

 المناظرة الانتخابية بالضوء

فساد الميثاق    

تحرير الموصل عقدة الارهاب الراحل والقادم

نعم لريما خلف وفلسطين الجريمة ماثلة

 بكائية البحر الميت

 مع تيمور جنبلاط تراث كمال جنبلاط في الحفظ والصون

جدوى “دراسات المستقبلات” أميركياً صناعة القرار

محمد حسنين هيكل عام على أيقونة الصحافة

ترامب وفوبيا المؤتمرات

الانتخابات النيابية فلسفة الوجبة الناقصة

خطاب الكراهية المقارن ترامب وعبد الناصر

آستانة وجنيف سورياً

عن الرئيس ترامب محاصراً

 كاسترو ثائراً وحاكماً مختلفاً