ممنوع عليك أن تكون آدمياً

محمود الاحمدية

“ما قُرنَ شيءٌ إلى شيء أفضل من إِخلاص إلى تقوى، ومن حلم إلى علم، ومن صدقٍ إلى عمل، فهي زينة الأخلاق ومنبت الفضائل” (حكمة عربية).

إنطلاقاً من مشاهداتي اليومية وقد تجمّعت جبال من المصائب والهموم والكوارث وانعدام الضمائر وانتشار الفوضى وتفشّي الكذب وتغيّر المعايير والمقاييس وتراكم الانفعال لأَقل تصرّف أو حركة… كنت واحداً من مئات ضاق بهم الأوتستراد الآتي من خلدة إلى مستديرة الكولا… تراكمت كل هذه الصور في فكري وعقلي وكياني وأنا أتطلّع إلى وجوه الناس الصابرين ونادراً ما ترى ابتسامة وتفاؤلاً يعلو محيّا، بل وجوه كالحة تتطلع في اللاشيء وتنتظر الفرج ولا تعرف سبب هذا التوقف القاهر… وبالطبع وبعد أن أتى الفرج من الله عزّ وجل وتحرّك ركب السيّارات بتثاؤب وببطئ شديدين حتّى وصلنا إلى مضيق هرمز عفواً المضيق الذي خلقه حادث بين سيارتين وإذا بالفرج يُترجم بسيارات تجري بسرعة الريح لا تلوي على شيء وكأنها ردّة فعل على الخنقة التي أصابتها وأصابت أصحابها…

وهنا توالت صور من الذكريات حيث انتهى بي المطاف إلى مقهى الجندول حيث أنعم بلحظات جميلة وبالوجه البشوش للساقي والمسؤول… وتذكّرت بسرعة غريبة مشروعنا الذي نفذناه في بلدتي صوفر وكجمعية بيئية طبيعة بلا حدود بالتعاون مع بلدية صوفر والسفارة اليابانية…

كان ذلك منذ إثني عشر عاماً وبما أن الشيء بالشيء يذكر تراءت لي كل التفاصيل التي تظهر مدى العدمية والمستنقع الذي وصلنا إليه…

المشروع يقتضي تنظيف خمسة ينابيع مياه في أعالي بلدة بوارج على ارتفاع 1700 متر وإقامة أقنية خرسانية مغطاة بالخرسانة وذلك من النبع إلى الخزان الكبير الذي يسقي صوفر عن طريق الجاذبية وعبر أقنية وقساطل على بُعد سبعة عشر كيلومتراً من بوارج إلى صوفر حيث البيوت إلى ترتفع عن 1300 متر عن سطح البحر، فكانت دراسة قديمة وفكرة استقرائية قديمة عمرها ستون عاماً قام بها رئيس بلدية صوفر تلك الأيام المرحوم إبراهيم سرسق… وصوفر ومن خلال الرؤيا التي كان يملكها الأستاذ إبراهيم هي الوحيدة حتى اليوم التي تشرب من ينابيعها في بوارج ولا علاقة لها بمصلحة مياه الباروك في كل أنحاء الجبل…

لِنَعُدْ إلى قصتنا كانت قيمة المساعدة اليابانية ماية مليون ليرة لبنانية وآلينا على أنفسنا ألاّ نمسَّ المادة والدفع حتّآ تبقى الأيادي والضمائر نظيفة كثلج صوفر…

وأخذ تنفيذ المشروع مدّة ستة أشهر ونفّذه مهندسو جمعيتنا (طيبة بلا حدود) وكانت المهمة بالنسبة لهم أشبه بالصلاة وباعتراف الجميع والمهندسون الأربعة هم يوسف المهتار وناجي غريزي حسين أبو فخر الدين ورائد النجار وكان لي شرف المشاركة معهم كوني مهندس مدني وطبعاً البلدية لم تقصر في العمل وكان أيامها الدكتور غسان شيّا رئيس البلدية الخلوق والصديق ورفيق الرحلة… وفي تلك الأثناء كانت زيارات متعددة من قبل مسؤولي السفارة اليابانية إلى أعالي بلدة بوارج لمراقبة مراحل التنفيذ وأخذ التقارير وكانت الفرحة تملأ نفوسهم عندما يشاهدون قطاعاً بيئياً أهلياً يشرف على تنفيذ المشروع… وانتهى العمل…

واحتسبنا كل التكاليف التي دفعت من أجل إتمام المشروع وكانت الدهشة عارمة والفرح كبير أن المصاريف لا تزيد عن 83 مليون ليرة لبنانية أي بقاء مبلغ فائض قيمته 17 مليون ليرة لبنانية…

وشكلنا وفداً إلى السفارة اليابانية لإطلاعهم على هذه النتيجة وكان أحد المسؤولين في السفارة الأستاذ طارق عبد الملك وكان الاجتماع وقد اطلع على تفاصيل الدقيقة مسؤولو السفارة وإذا بأحدهم يقول حرفياً: “على مدار مئات المشاريع التي قامت بها السفارة اليابانية في لبنان وعلى مدار عشرات السنوات، أنها المرة الأولى التي نرى فيها وبعد مراقبة كبيرة من قبلنا جمعية تعيد مبلغاً يشكل 17% من قيمة المشروع إلى السفارة”!!!

انتهى حديث المسؤول وأصبح قلبنا بحجم هذا العالم الرحب… ولا أعرف لماذا ضج في خاطري ذلك العرض من كبار جهابذة وزارة البيئة في تلك الأيام وهو مسؤول كبير فيها وصلته أنباء مشروع صوفر عندما قال لي: بِتْضَحّكْني أحمدية مين مِسْتَقْلِدْ جميلتك أنت وجمعتيك تعى حتى أعطيك مشروعاً في (…) وقيمته ماية وخمسون مليون ليرة وكلهم يثقون بك ومنعمل المشروع على الخرائط ويبقى على الخرائط ونقسم المبلغ ويا دار ما دخلك شرّ؟؟!!

والله لو استطعت أن أَرميه من مكتبه إلى الشباك عن ارتفاع 15 متراً لما كنت قصّرت… أقل كلمة صدرت من قلبي: أنت حثالة!! والنظافة والبيئة براء منك… نعم حادثة ستبقى في الذاكرة وخاصة عندما علمنا بكثير من المشاريع الوهمية أصبح أصحابها في الفلك السابع ينامون على ملايين القهر والذل والدروشة والتعتير وموت الضمير… نعم يا صاحبي مثلما ممنوع عليك انتظار الفرج حتى يأتي الفرج في أوتوستراد خلدة وبكل آدمية وممنونية ممنوع عليك أن تكون آدمياً في هذا البلد! والبقية تأتي في قصص مررنا بها في هذه الحياة ويبقى الرأس مرفوعاً والكرامة عالية والصوت عالٍ يصل إلى أقاصي الدنيا بدون وجل ولا خوف لسبب بسيط أنك آدمي وبعيد عن زعران المافيات!! وبعيد عن الكراسي!!

(*) رئيس جمعية طبيعة بلا حدود

عضو اللجنة البيئية في نقابة المهندس في بيروت

اقرأ أيضاً بقلم محمود الاحمدية

نعم لماكرون… ألف كلا للوبين…

سمير فرنجية: ما زال صوتك الهادر يضج في وجداني

إسمنت الأرز… إسمنت الانتحار

وقفة المختارة والكوفية الفلسطينية والعروبة

باستشهاد كمال جنبلاط فَقد العالم أحد عظمائه

الأرقام المذهلة تكشف عورة العرب

الوحوش البشرية والضمائر الميتة

بلدية عبيه: صفر نفايات… التحوّل من النقمة إلى النعمة

لبنان: من عضو مؤسّس للأمم المتحدة إلى قاتل للطيور

إِذا لم ترتقِ… بَلا الفايسبوك… يرحم أبوك

معالي وزير البيئة: تحمّل صراحتنا

فريد الأطرش في ذكراه لـ42: عالميته ببعض الوثائق والأرقام

فخامة الرئيس.. دولة الرئيس.. هذا ما يريده الناس بكل بساطة!

مؤتمر مراكش 2016 لتغيّر المناخ: هل يرفع التحدي لإنقاذ البشرية؟

مأساة عصفور ميت… مأساة وطن

جلسة الانتخاب الرئاسية والشرشحة الموصوفة!

الطائرات وطائر النورس والخطر الداهم

إنهم يذبحون قواعد اللغة العربية كل يوم

عبد الناصر وفريد الأطرش وفيلم “عهد الهوى”

نيس.. الذكريات الجميلة والإرهاب المجنون