الاتحاد الأوروبي ولعنة الهويات

د. قصي الحسين

في خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، بدت للعيان، أن أبواب البريكست، أوسع ممّا يظن البعض. وأن مجموعة الدول الأوروبية سوف تخرج من هذه الأبواب، إن عاجلاً أو آجلاً في صورة تهاوي قطع الدومينو، لأنها لم تعد تحتمل، لا الانعكاسات الاقتصادية، ولا الانعكاسات السياسية ولا الانعكاسات الأمنية ولا الانعكاسات الفكرية والثقافية، على تلك الدول التي يتشكل منها الاتحاد الأوروبي بسبب لعنة الهويات التي تطبع كل دولة من دوله على حدة.

ويوم الجمعة 24/6/2016، ضرب الزلزال البريطاني قلعة البريكست بقوة، بعد تصويت بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبي، وشرّع أبوابه أمام احتمال تعرض دوله للتفكك، وهذا ما جعل مارك ليونارد المحلل الاستراتيجي الفرنسي يقول: “قد تبدأ بدول أعضاء مثل بولندا والمجر، فضلاً عن أحزاب معارضة، مثل الجبهة الوطنية التي تقودها مارين لوبان في فرنسا، بالإضافة إلى تحركات مماثلة، .. وإذا ما أضيفت أزمات أخرى مثل أزمة اليورو، وأزمة “الشنجن” ووصول ترامب إلى البيت الأبيض، بالإضافة إلى خروج بريطانيا، فإن ثمة خطراً حقيقياً ينذر بالإنهيار.

فبعد عام 1989 ومع سقوط جدار برلين ونهاية الحرب الباردة بدأ صراع الهويات، إذ تحولت بلدان في الكتلة الشيوعية السوفياتية، إلى الديمقراطية الليبرالية وانضمت إلى الاتحاد الأوروبي، حاملة معها طوابع أزماتها الخاصة في الهوايات والثقافات، بالإضافة إلى والاقتصاد والسياسة والأمن. وبدأ ذلك ينعكس، على منظمة التجارة العالمية وعلى بروتوكول كيوتو والمحكمة الجنائية الدولية. وتطلق في الوقت ذاته صدى للدعم في محاولات إنشاء أندية اقليمية في آسيا وإفريقيا لاستعارة أنموذج الاتحاد الأوروبي، في بلدان غير جاهزة بعد للإتحاد، مثل الاتحاد الإفريقي وتجمع الآسيان وتجمع الميركوسور. وهذا ما جعل أنظار الليبراليين الأوروبيين بعامة والبريطانيين بخاصة، أن يحدقوا جيداً فيما يصنع الاتحاد الأوروبي الذي يقف على “صوص ونقطة” في دول الجوار الاقليمي له في العالم.

ولعل اشتداد الأزمات في دول الاتحاد الأوروبي، ابتداءً من الأزمة المالية العالمية والأزمة المالية التي أصابت اليونان بسهام كادت أن تكون قاتلة. وكذلك بسبب الثورات والانتفاضات العربيّة التي ضلت طريقها. ناهيك عن الثورة البرتقالية في أوكرانيا وعن الثورة الوردية في جورجيا، وعن تدفق المهاجرين إلى البلدان الأوروبية وسياحتهم فيها. بالإضافة إلى عدم وجود خطط موحدة بين دول الاتحاد الأوروبي لمواجهة كارثة التهجير والهجرة، وكارثة الحرب والقتلى والدمار، فإنّه لمما جعل من الاتحاد الأوروبي كياناً هشاً ومؤقتاً وغير مستقبلي، ما دام الخارج يضغط على الهويات الوطنية ويصيبها بلعنته، ويدفع إلى إعادة تشكيل الناس في دوله، بحيث يصبح المواطنون المحليون أقليات في أوطانهم. وهذا ما جعل تيارات أوروبية وطنية ترفع الصوت عالياً: “أريد استرداد بلدي”. وهذا ما جعل بعضهم ينادي أيضاً: “أوقفوا هذا العالم، نريد النـزول منه. نريد العودة إلى الثوابت السابقة” وهذا أول الطريق للتفكك بدل الترابط وللاستقلال هوية إثر هوية بدل الاستمرار في بناء الوحدة الأوروبية المتراصة والشاملة.

وفي فرنسا وهولندا، يشكل رفض اتفاق “ماستريخت” قبل سنوات، شهادة على استحالة العثور على موقف واحد، كما على صعوبة التوفيق بين مصالح مختلفة ومتضاربة من الاتحاد الأوروبي. ولا يقف ذلك عند مسالة الحدود الداخلية والخارجية لدول “شينغن”، ولا للموقف أيضاً من العملة الموحدة “اليورو”، بل لانتقاص من سيادة كل بلد  على حدة بسبب لعنة الهوية، خصوصاً حين يتعلق الأمر بدور المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان وأسبقيتها على القوانين الوطنية.

إن لعنة الهويات هي التي أصابت من الاتحاد الأوروبي مقتلاً. وهي إذا كانت قد جعلت أبواب “البريكست” تهتز تحت ضربة الاستفتاء البريطاني، وخروج بريطانيا منه، فإن ذلك أيضاً قد فتح الأبواب لظهور الأنانيات الخافتة والمصالح الضيقة. وقد أخفوا ذلك في تضاعيف دعوتهم: “إن المواطنين في غالبية دول الاتحاد، لم يعودوا يقبلون أن يداروا من قبل مؤسسات غير منتخبة، تشتغل بعيداً عن الشفافية. وهذا ما عبّرت عنه جوليا كريستيفا حين قالت: “السؤال اليوم هو إعادة التفكير في الهوية الأوروبية، وأن أول شيء أظهره الاستفتاء البريطاني، هو ضرورة عدم الانتقاص من الهويات الوطنية”. فالهوية الوطنية بحسب رأيها: “ودواء ضد الضغط، وهي ربما تصبح مهووسة وتقود إلى حرب ضد الآخرين، وإلى التطرف الديني”. وفي ذلك يجب أن لا ننسى البعد الثقافي.

وإذا كان بريكست جاء ليزلزل الغرب على حد وصف الباحثة الروسية “ليليا شفيتسوفا”، إلاّ أنه جعل الغرب نفسه يبحث من جديد عن حقيقته. وجعل تركيا بلسان أردوغان الذي يريد أن يستفتي الشعب أيضاً يبحث عن حقيقتها، وجعل روسيا السلافية، روما الثالثة تبحث عن حقيقتها، وتجعل أميركا ذاتها بالأبيض والأسود تبحث عن حقيقتها. فما بالك إذا انفرط العقد الأوروبي، وأصيبت دوله واحدة تلو أخرى بلعنة الهويات.

(*)  أستاذ في الجامعة اللبنانية

اقرأ أيضاً بقلم د. قصي الحسين

تحرير الموصل عقدة الارهاب الراحل والقادم

نعم لريما خلف وفلسطين الجريمة ماثلة

 بكائية البحر الميت

 مع تيمور جنبلاط تراث كمال جنبلاط في الحفظ والصون

جدوى “دراسات المستقبلات” أميركياً صناعة القرار

محمد حسنين هيكل عام على أيقونة الصحافة

ترامب وفوبيا المؤتمرات

الانتخابات النيابية فلسفة الوجبة الناقصة

خطاب الكراهية المقارن ترامب وعبد الناصر

آستانة وجنيف سورياً

عن الرئيس ترامب محاصراً

 كاسترو ثائراً وحاكماً مختلفاً

التسامح السياسي وآفاقه في لبنان

صادق جلال العظم سورية في القلب

العجز عن لبنان

وحدة القطبية والاستبداد

حسن إدارة الإنقسام أولاً

رحيل شريف فياض أضاء الشعلة ومشى

لبنان: ديوان المظالم

قراءة معمقة في كتاب “أنسنة الدين”