فيديل الثائر الحالم وكاسترو السلطوي الحاكم

رفيق خوري (الانوار)

الكوبيون الذين قادهم فيديل كاسترو الى أكبر تغيير في حياتهم، يمشون حزانى في مسيرة طويلة خلف رماده الى حيث بدأ الثورة. لكن مسار كوبا على مدى ستة عقود تقريبا مستمر بشيء من المراجعة بلا تراجع. ففي عصر الأحلام والايديولوجيات جاء فيديل كاسترو واقتنع بالماركسية – اللينينية ليقوم في جزيرة على مرمى حجر من أميركا بثورة تنتصر على الديكتاتور باتيستا. وفي زمن الارتداد في العالم الى الشعبوية اليمينية رحل الكومندانتي الذي لم يدفعه سقوط الاتحاد السوفياتي الى التراجع عن الاشتراكية ومواجهة الأمبريالية الأميركية.

لم يقبل، وهو المحامي المولود لعائلة ثرية، أن يغمض عينيه عن الظلم والفقر. ولم يتحمّل، وهو المشبع بتاريخ البطل القومي الكوبي خوسيه مارنيه والبطل القومي الفنزويللي سيمون بوليفار، أن يرى كوبا مجرد كازينو ودار متعة وفندق تملكها المافيا الأميركية، فجعلها بلدا ثوريا تجاوز إشعاعه الراديكالي أميركا اللاتينية. كان من رفاقه شقيقه راوول وتشي غيفارا. راوول سلّمه فيديل السلطة عام ٢٠٠٨. وغيفارا آمن بالثورة الدائمة وأراد الحفاظ على الرومنطيقية الثورية، وسط واقعية بناء الدولة، فذهب الى القتال مع الثوار في بوليفيا حيث لقي حتفه على يد المخابرات المركزية الأميركية.

جزء من قوة كاسترو وجاذبيته في العالم كثوري هو صموده في وجه الحصار الأميركي وتحديه لأحد عشر رئيسا أميركيا بعد تصدّيه للغزو المدار أميركيا في خليج الخنازير عام ١٩٦١. وجزء آخر من رمزيته هو مساعدته للحركات الثورية في أميركا اللاتينية وأفريقيا، واحتفاظه بحد من الاستقلالية ورفض التبعية للاتحاد السوفياتي برغم حاجته الكبيرة اليه.

وليس قليلا ما فعله كاسترو لشعبه في مجالات الصحة والتعليم. وليس قليلا ما فعله بشعبه. إذ هو حكم البلد بقبضة من حديد منذ ١٩٥٩، وسجن وقتل ونفى أعدادا من المثقفين وبينهم شعراء وكتّاب وفنانون كبار. وهو، مثل أي قائد في نظام شمولي، لم يسمح بقيام أحزاب ولا ممارسة حرية الرأي، ولم يكن من السهل عليه أن يعترف بما أكدته التجارب في الأنظمة الشمولية، وهو ان مصادرة الحرية لضمان العدالة الاجتماعية للشعب هي الطريق الى خسارة الحرية والعدالة الاجتماعية.

ومن المفارقات ان تتحوّل الأنظمة الثورية الى نوع من الملكية. فالسلطة في كوريا الشمالية لسلالة كيم إيل سونغ، وفي كوبا للأخوين كاسترو، وفي نيكاراغوا للرئيس دانيال أورتيغا ونائبته زوجته.

يروي غابرييل غارسيا ماركيز انه سأل كاسترو عن الشيء الذي يتمنى ان يفعله أكثر من أي شيء آخر، فكان الجواب الوقوف على ناحية الطريق. لكن فيديل رحل في التسعين من دون أن يتوقف على الطريق الثوري.

اقرأ أيضاً بقلم رفيق خوري (الانوار)

قمة البحر الميت: تحدّي إحياء العروبة

منبر لتوجيه رسائل لا مركز للقرار

موسكو حامية النظام وراعية المنشقين عنه

أبعد من القانون وانتخابات خائف ومخيف

مسؤوليات ما بعد نجاح الزيارة الرئاسية

أي ابتعاد للبنان عن الصراعات الخارجية؟

حطام العقل الغربي وإلغاء العقل العربي

معركة الحكومة في حرب التبدل في الستاتيكو

التصعيد في رمضان: المعارك والخطب

شروط الهدنة في حلب وفصول الانتقال السياسي

رسالة مؤتمر لندن: مزيج من الارتياح والقلق

ثلاثية الارهاب: ايديولوجيا، زراعة، وصناعة

سابقة كوريا الشمالية في مجلس الوزراء ؟

مأزق بلا مخرج لا سياسي ولا عسكري

معركة القلمون خطوة على خارطة مصائر

تعطيل اللعبة الديمقراطية وتفعيل الصراع الجيوسياسي

أميركا ودول الخليج: قمة الامتحانات والتحديات

الخروج من أسر الخوف على الحكومة؟

شمولية المعركة وخصوصية المحاربين

أين مشاورات جنيف من حرب سوريا؟