العجز عن لبنان

د. قصي الحسين

استيقظنا بالأمس لنبدأ الأسبوع الجديد، بخبر انتخاب الجنرال ميشال عون رئيساً للجمهورية اللبنانية، وما رافق ذلك من مشاهد داخل المجلس النيابي وخارج المجلس النيابي. وفي الأسبوع الماضي كذلك طوي ربع قرن ونيف من عمر الجمهورية ومن عمر رئيس الجمهورية، إثر إعلان فوز الجنرال، بعد أربع دورات اقتراع، لمرشح واحد، بدا لنا جميعاً فوزه من الدورة الأولى. وصدر قرار جمهوري باستبدال علم التيار العوني، الذي زحف إلى مجلس النواب، بالعلم اللبناني الذي زحف إلى قصر بعبدا، الذي زحف إليه الشعب، فتحول بالعلم اللبناني وبالشعب اللبناني إلى قصر الشعب.

شهد لبنان وعجائزه، على دفن ربع قرن. وشهد لبنان وعجائزه على قيامة ربع قرن. وانصرف الخاسرون والرابحون عن معركة الرئاسة التي دامت لسنتين ونصف، وهي أطول مدة عرفتها المعارك السياسية، لتحقيق لبنان الجمهورية، والبدء من مكان ما ببنائها. وشرعت الأقلام والمواهب والهتيفة والدبيكة، بتأمل صورة لبنان بعد أسبوع الاحتفال بالفوز وبالنصر، وبالتمدد الشعبي والرسمي في القصر. فإذا بالصورة التي تبلورت حين وصول الجنرال سرعان ما شفت عن صورة الشيخ سعد. وإذا بالتيار الأزرق الذي آخى التيار البرتقالي، وأنتج رئيس الجمهورية، ينتظر ردّ الجميل. فما تأخر التيار البرتقالي عن ردّ الرِّجل ومؤاخاة التيار الأزرق، فأنتج رئيس الحكومة الشيخ سعد الحريري.

وغدا أو بعد غد، أو بعد بعد غد، سيشهد الخاسرون والرابحون، من عجائز لبنان، تشكيلة الحكومة اللبنانية، التي تتبلور فيها صورتهم، جميعاً. وأطيافهم جميعاً، وإراداتهم السياسية جميعاً. وساعتئذٍ تتداعى الأسئلة التالية:

السراي-الحكومي
لماذا تأخر اللبنانيون في لبنان، وتقدموا في خارج لبنان؟ وما تنفع الأعلام كلها؟ هل تحمي العلم اللبناني من شظايا التفكك والعصبية والطائفية، ومن شظايا البيع والشراء: وقتاً ومالاً وعقارات وولاءات واستثمارات ورهانات وارتهانات، واستقواء من طرف على طرف، ومن إخفاء السكاكين خلف الظهور، ومن الوعد والوعيد والتهديد بالويل والثبور وعظائم الأمور؟

هل يبادر رئيس الجمهورية بعد ربع قرن على تحقيق ما لم يستقم له تحقيقه في ذلك الحين: الحلم بالجمهورية السيدة الحرة المستقلة، يلاقي شعب لبنان العظيم، كما يحلو له أن يناديه: فيمنع التعديات من ابنائه على ابنائه، ومن حكومته على محكوميه، ومن قرصان البر قبل قرصان البحر، ومن السراق والصيارفة والصعاليك والشطار والزعار ولصوص أراضي البلدية وأراضي الجمهورية، ولصوص المال العام في الخزائن والصناديق والمديريات والوزارات والمصالح المستقلة: المطار والمرافئ والجامعات والتراخيص المعجلة والمؤجلة للمرامل والكسارات والشيكات المعجلة والمؤجلة، عند من بيدهم الدفع والمنع والتحديد والتهديد والتمديد، والالتفاف على القوانين والدساتير والأنظمة النافذة المرعية الاجراء واستدعاء “حرامية الفي” لإلزامهم برد ما سرقوه وما نهبوه إلى صناديق المال العالم؟

وفي سياق الحديث عن تأثير الجمهورية الوافدة بعد تأخرها لربع قرن ونيف، في القضاء والقانون، وفي الحرية والعدالة والمساواة، وفي النهوض والبناء وفي السيادة والاستقلال، وفي الإنماء المتوازن وحفظ وصيانة الأرض والشعب والأملاك والإدارات، هل يستطيع لبنان بعجائزه ومعوقيه، أن يبدأوا رحلة الألف ميل هذه، ولو بميل واحد.

لبنان، صورة عن تاريخ طويل وعريق وقديم: لهواء نقي، ومياه عذبة نقية وغابات على امتداد الأنظار والأبصار ومدن وقرى نموذجية بشوارعها وبلدياتها ومنائرها وعمدها وإناراتها. لبنان، صورة عن تاريخ مبشر واعد وناهض، لشباب طموح متعلم، راقِ في مدارسه وجامعاته، في دساكره أو في مهاجره. وعن أرض خيرة معطاءة في سهوله وجباله. وعن أمن وأمان في دروبه ومنازله وأسواقه.

لبنان، هو كل هذا وأكثر. هو ما يطلبه إذن بعد ربع قرن، ولو تأخر. ودونه المتنطحون: العاجزون والمعوقون، يهتفون له بالنهوض وبمشاهد القيامة المتأخرة، بأعلام من كل الألوان. ويريدها اللبنانيون أن تذوب ألوانها في العلم اللبناني. اليوم قبل الغد ولكن علمتهم التجاريب القديمة أن لا يثقوا بالأناشيد وبالهتافات وبالارتجالات، وبالمنابر وبالعنتريات، ففي قلوبهم يرون بالرغم من كل ذلك: “العجز عن لبنان”، إنه إذن: لبنان المعجز يا فخامة الرئيس.

اقرأ أيضاً بقلم د. قصي الحسين

 مع تيمور جنبلاط تراث كمال جنبلاط في الحفظ والصون

جدوى “دراسات المستقبلات” أميركياً صناعة القرار

محمد حسنين هيكل عام على أيقونة الصحافة

ترامب وفوبيا المؤتمرات

الانتخابات النيابية فلسفة الوجبة الناقصة

خطاب الكراهية المقارن ترامب وعبد الناصر

آستانة وجنيف سورياً

عن الرئيس ترامب محاصراً

 كاسترو ثائراً وحاكماً مختلفاً

التسامح السياسي وآفاقه في لبنان

صادق جلال العظم سورية في القلب

الاتحاد الأوروبي ولعنة الهويات

وحدة القطبية والاستبداد

حسن إدارة الإنقسام أولاً

رحيل شريف فياض أضاء الشعلة ومشى

لبنان: ديوان المظالم

قراءة معمقة في كتاب “أنسنة الدين”

حرب عالمية فوق سورية لتدوم وتدوم

سورية الذبيحة في هانغشتو

على هامش تهديد جنبلاط مرحلة الأسد