حدود الإستدارة التركية في الحرب السورية

وهيب فياض

%d9%88%d9%87%d9%8a%d8%a8-%d9%81%d9%8a%d8%a7%d8%b6-1

عندما بدأت الأزمة السورية، الدائمة التحول، من مطالبة بالحرية وانهاء النظام القمعي، الى محاولة تعديل الدستور شكليا بما يضمن بقاء النظام دون إصلاح جذري، الى حمل المعارضة للسلاح في وجه القمع الوحشي لها، ثم تحولها الى حرب أهلية يتداخل فيها الصراع الوطني، بالصراع الطائفي والمذهبي، وأخيرا الى حرب بين كل جيوش الارض، وشذاذ الافاق، برعاية من الدول الإقليمية والدول الكبرى، وكلها تذكي نارها، مدعية انها تبحث عن حل سياسي، فيما سوريا مدمرة، والضحايا بالملايين، قتلى وجرحى ومشردين ونازحين ولاجئين، واللاعبون يبحثون عن تحسين مواقعهم التفاوضية، بمعزل عن الشعب السوري الذبيح، بإنتظار تقاسم غنائم الحرب عند انتهائها بعد عمر طويل .

ان اقل الأمور احتمالا عندما تنتهي الحرب، هو بقاء سوريا موحدة، او على الأقل، كما عرفناها منذ سايكس بيكو وحتى العام ألفين واحد عشر، ذلك ان الواقع ينبىء ان سوريا تتشرذم وتتشظى، وكل لاعب على ارضها يستأثر بما وضع يده عليه، ويطمح الى زيادته، فيما النظام يرسم حدود المناطق التي يدافع عنها، لتكون حسب المصطلح الجديد المتداول، سوريا المفيدة، بغض النظر عن صحة التسمية، ورغم كل شعارات النظام القومية والوطنية.

من كان ليتوقع عند اندلاع الحرب في سوريا ان تتبدل المواقف وتتغير التحالفات، وان تتكشف الأهداف عارية حتى من ورقة التين.

 إن لنا في موقف وتحالفات واهداف تركيا خير شاهد على التغير والتبدل، وهو حال كل من له في الحرب السورية بدل مرقد العنزة، مربط حصان غير مروض.

 في بداية الحرب قال اردوغان بصريح العبارة ان النظام السوري يجب ان يسقط، وان الرئيس الأسد يجب ان يرحل، وأحتضن اطياف المعارضة في اسطنبول تحت راية الائتلاف السوري المعارض، وكانت حدود بلاده مفتوحة لدعم المعارضة، وبلاده ملاذا ومشفى وواحة أمان لكل معارضي النظام.

city's European and Asian sides, is pictured during the opening ceremony in Istanbul, Turkey, August 26, 2016. REUTERS/Murad Sezer

 ثم اكتشفت تركيا انها دولة مغرر بها وأنها ستدفع من اقتصادها، وأمنها، بل ومن سيادتها ووحدة أراضيها، ثمنا لمواقفها، فيما الآخرون يسعون الى اطالة عمر الحرب من جهة واقتسام غنائمها من جهة اخرى. فمنذ إسقاط الطائرة الروسية وما تبعها من تداعيات سياسية واقتصادية، ومنذ ارتفاع نبرة الغرب في اتهام تركيا انها معبر الاٍرهاب، والشريان الحيوي له ومنذ اكتشاف خفايا الانقلاب الفاشل، وشك اردوغان، ان الادارة الأميركية تقف وراءه، بغض النظر عن صحة هذا الشك. بدأت تركيا حركة استدارة، وفِي اعتقادها ان هامش مناورتها واسع، فاعتذرت من روسيا ثم اتفقت معها على التعاون وإعادة العلاقات السياسية والاقتصادية وبدأت تركيا العمل العسكري الذي يهدف الى منع الأكراد من تحقيق احلامهم من جهة، ويحمي الحدود التركية من تداعيات الأزمة السورية.

كما بدأت بتغيير موقفها من النظام السوري، للتماهي مع مصطلح سوريا المفيدة، أيا كان من يحكمها، وايا كانت الدول التي تتمتع فيها بالنفوذ، حتى ولوكانت روسيا وإيران. غير ان تركيا ادركت وتدرك يوما بعد يوم ان هامش استدارتها أضيق بكثير مما كانت تتوقع فهي عالقة بين متناقضات لا يمكن الجمع بينها: فهي عالقة بين كونها عضوا في حلف شمال الأطلسي، وعلى أراضيها اكبر القواعد العسكرية والجوية في الشرق الأوسط، وبين كونها صديقة موءقتة لروسيا تحت ضغط الاقتصاد من جهة وضغوط انابيب النفط والغاز من جهة اخرى.

كما انها عالقة بين دعمها للمعارضة السورية، ومواقفها من الرئيس الأسد، وبين مساهمتها غير المباشرة في تحقق سوريا المفيدة، عبر قواتها العسكرية التي قد تضمن لها اقتطاع مساحة من الاراضي السورية مقابل ضمانها لحدود سوريا المفيدة حتى يحين وقت اعادة رسم الخرائط واقتسام جلد الدب. بعد صيده. وتركيا عالقة أيضا، بين مطالبتها بدخول السوق الأوروبية المشتركة وحرية عمالة العمال الأتراك في أوروبا، وبين تهديد أوروبا لها بالشطب من لائحة الانضمام الى سوقها، والغاء تسهيلات عمالها، في حال استمرار سياساتها العسكرية والاقتصادية والسياسية الحالية، اضافة الى اجراءاتها بوجه المعارضين المتهمين بالانقلاب الفاشل. تركيا تحاول الاستدارة، ولكن بهامش ضيق، حتى لكأنها عالقة في حبال متشابكة على محور نصف دائري بزاوية ضيقة.

turkey_army

فاذا كان هذا حال تركيا، فليس المتورطون في الحرب السورية جميعا باحسن منها حالا. وكلما طالت الحرب في سوريا، كلما ازداد ضغط الحبال على اعناق المتورطين، فقد علمنا التاريخ ان هذه الحروب طويلة الامد، باهظة التكلفة، وغير مضمونة النتائج. فمن يربح اليوم قد يخسر غدا والعكس صحيح، الى ان تنقطع الحبال بعد ان تكون قد شنقت من لم يستطع منعها من الالتفاف حول عنقه انها الحرب كالمنايا تراها خبط عشواء من تصب، تمته ومن تخطيء يعمر فيهرم.

(الأنباء)

اقرأ أيضاً بقلم وهيب فياض

عندما يذكّر تيمور جنبلاط من يجب أن يتذكروا!

نظام قديم بحلة جديدة!

الإفلاس السياسي بتعريفه الجديد!

النائب الرديف!

 كيف تساوي ٣٤ بالمئة ٥٠ بالمئة؟

رسالة الى وليد جنبلاط!

عندما يطير آل جنبلاط بجناحين!

قراءة دستورية أيضا وايضاً

مجلس قيادة “التقدمي” لا يهبط بالمظلات!

كلمتان لأصحاب الإبرة الذهبية والمقص المسنون!

عندما يسود نظام الطوائف!

عن النسبية والدوائر والإقتراع

لا، ليس المطلوب الإنتحار العربي الجماعي!

عندما يفارق الوزير كرسي الوزارة!

عن التطرف والتعصب والإلغاء!

رسالة من مواطن مهزوم!

صناعة الزعامة بالمحبة:  أنيس سلوم نموذجاً!

كتاب مفتوح إلى الزعماء السياسيين!

شريف فياض: منتصب القامة، مرفوع الهامة!

إنه زواج متعة!