الإنحدار نحو الشعبوية!

رامي الريس

كثيرة هي المقالات والتحليلات التي سبقت ورافقت وتلت الانتخابات الرئاسية الأميركية وإنتهت بفوز المرشح الجمهوري دونالد ترامب بما خالف توقعات معظم إستطلاعات الرأي وبعضها كان صدر عن مراكز بحثية وإحصائية مرموقة داخل وخارج الولايات المتحدة الأميركية.

وتركز بعض المقالات على النظام الإنتخابي الأميركي الذي طالب البعض بإصلاحات جذرية له لا سيما أنه أظهر تفاوتاً مستغرباً في هذه الدورة بين نتائج التصويت الشعبي ونتائج تصويت المجمع الإنتخابي، فكيف لا يحظى بالمقعد الرئاسي من نال العدد الأكبر من الأصوات الشعبية في عدد لا يُستهان به من الولايات؟

donald_trump

مهما يكن من أمر، فقد يكون الأهم هو البحث العميق في الأسباب التي تدفع الشعب الأميركي لإختيار المرشح الشعبوي الآتي من خارج النادي التقليدي على حساب مرشحة معروفة تمتلك خبرة سياسية وديبلوماسية واسعة توجتها بشغلها منصب وزيرة الخارجية بصرف النظر عن التقييم الموضوعي لمواقفها وسياساتها أثناء توليها لمهامها؟

clinton

وما هي الأسباب التي تجعل موجة الشعبوية تجتاح العالم بأسره إنطلاقاً من عناوين وشعارات ترتكز بشكل أساسي على ثقافة العنصرية والآحادية والذاتية والكراهية، وترفض التعددية في المجتمع إنطلاقاً من إعتبارات إنغلاقية مقلقة.

وثمة من يُقارن، في الصحافة الأميركية، الموجة الشعبوية الراهنة بالفاشية التي إنتشرت في أوروبا أوائل القرن العشرين حيث توسع حضور هذه الحركات من الأرجنتين إلى النمسا ومن فرنسا إلى فنلندا بالإضافة إلى المجتمعات الغربية.

%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%a7%d8%b4%d9%8a%d8%a9

ولعل أبرز أسباب “الازدهار” الفاشي آنذاك، إذا صح التعبير، هو الانكماش الإقتصادي وإنهيار الإمبراطوريات القديمة مع إنتهاء الحرب العالمية الأولى (1914-1918) والتي توّلد عنها عشرات الدول والدويلات التي لم تكن مؤهلة للحكم بفعل السياسات القمعية والإلغائية التي مارستها تلك الأنظمة بحق شعوبها.

فما كان من سقوط الإمبراطوريات الروسية والعثمانية والألمانية والنمساوية – الهنغارية إلا إفساح المجال أمام قيام نظام دولي زرع بذور الحرب المقبلة عبر إنهائه الحرب السابقة!

%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%ab%d9%85%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a9

إن الأزمات المتلاحقة التي عاشتها الديمقراطيات الأوروبية الناشئة أتاحت المجال واسعاً أمام صعود بعض الحركات الفاشية والشعبوية، وربما في ذلك بعض المقارنة مع تطورات الوضع الراهن لا سيما بعد إنتهاء الحرب الباردة وسقوط القطبية الثنائية وتحوّل العالم نحو تعددية قطبية (مع أرجحية أميركية شبه حاسمة) كرّست سلوكيات الابتعاد عن القواعد الناظمة بالحد الأدنى للعلاقات الدولية.

ولعل هذه المقارنة بين الشعوب الراهنة والفاشية القديمة يدفع إلى طرح السؤال لدى أصحاب النظريات المتطرفة حيال الجدوى الحقيقية للديمقراطية ومدى ملاءمتها للتطور والمفاهيم الحديثة التي يتطلبها المواطن الأميركي أو الأوروبي أو حتى العربي! وكأن في هذا النقاش من يستبطن القول بأن الديمقراطية لم تنجح في تحقيق العدالة الإجتماعية والرخاء والطمأنينة والمساواة.

444

هذه المقاربة تنطوي على الكثير من المخاطر!

فإذا كان ثمة فشل في الأنظمة الديمقراطية إلا أنه لا يبرر القضاء عليها تحت حجة عدم فاعليتها والذهاب نحو الديكتاتورية والسلطوية. وإذا كان البعض من “الشعبويين” يغلفون عناوين برامجهم السياسية بـ”تطوير” الأنظمة الديمقراطية، فذلك يستوجب المزيد من الحذر لا سيما إذا كان هذا “التطور” يشمل ملفات بالغة الحساسية كالمهاجرين والتعددية والتنوع والاسلاموفوبيا.

islamophobia-drfus1

ولكن من ناحية أخرى، يبدو أن نجاح التيار الشعبوي في بلد كالولايات المتحدة له أسبابه الإقتصادية أيضاً؛ فالتقدّم التدريجي لسيطرة مجموعات ليبرالية فاحشة الثراء على الإقتصاد الاميركي أطاح بالمرتكزات التقليدية للصراع وألبسه عناصر جديدة كان لها تأثيرها الواضح في المسار السياسي العام ونتائجه غير المنتظرة، حتى ولو أن الفائز في هذه الإنتخابات هو أحذ رموز تلك المجموعات؛ لا بل يمكن القول أن إنتخابه، في أحد جوانبه، برهن هذا المسار الإشكالي.

ختاماً، الشعبوية هي شعار كبير قيد التبلور، وقد يكون من المبكر إصدار الأحكام النهائية حيال خيارات بهذا الحجم وهذا القدر من التحول.

فهل يتفاقم المسار الانحداري الشعبوي أم أن الإمساك بالسلطة قد يترك للعقلانية مساحة ما؟

———————————

(*) رئيس تحرير جريدة “الأنباء” الالكترونيّة

Facebook: Rami Rayess II

Twitter: @RamiRayess