وحدة القطبية والاستبداد

د. قصي الحسين

بفوز دونالد ترامب بالرئاسة الأميركية، ومسارعة الرئيس فلاديمير بوتين للتهنئة، بعد أن كان قد أعلن وقوفه إلى جانبه ودعمه في معركته الانتخابية مع هيلاري كلينتون، يكون العالم كله أمام مشهد ولادة وحدة القطبية التي سوف تسهم حتماً في إنتاجية وحدة القرارين السياسي والعسكري في العالم، وذلك بعد أن جرب هذا العالم تعدد القطبية، وتعدد قراراتها قبل الحربين العالميتين وخلالهما، وبعد أن نحا بفشلها، إلى الثنائية القطبية والحرب الباردة، وبعد أن نحا بفشلها إلى الأحادية القطبية وسقوط الاتحاد السوفياتي والنظام الشمولي، وبعد أن نحا بفشلها إلى عصر سيادة اللاقطبية وصعود الإرهاب العالمي. فهل العالم بعد ربيع الحريات وعصر اللاقطبية وصعود الإرهاب، يتجه إلى نشوء نظام عالمي شبه تكاملي تخرج منه: كما في “اللعبة الروسية” الوحدة القطبية، التي يخرج منها الاستبداد العالمي، والتي تخرج منه الأنظمة الاستبدادية المعاصرة التي نشهدها اليوم.

فالرئيس الأميركي المنتخب، دونالد ترامب، بإصراره الدائم على تفوقه وعظمته، نراه يقدم نفسه للشعب الأميركي وللعالم، كما يفعل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بإصراره الدائم على تفوقه وعظمته، ليس كرئيس يسعى إلى كسب تأييد الوجوه السياسية البارزة، بل كزعيم غير مقيد، بما يجيزه الدستور والأنظمة المرعية الإجراء، أو ما كان يطبع الحياة السياسية الداخلية والخارجية للولايات المتحدة الأميركية طيلة الحقب الماضية. وهو بعد أن رسم معاني شخصيته الاستبدادية في حملاته الانتخابية، استكمل ذلك، في استدعاء الأمثلة العظيمة برأيه من الماضي والحاضر، في إطار مدح القوة والطغاة وذم مراعاة الحقوق، ووصف ذلك أنّه من الضعف السياسي. ولهذا، ربما، نراه يتماهى مع شخصية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لما يظهره من حزم وصرامة في سياسته الداخلية والخارجية وفي استراتيجيته العسكرية في إمبراطوريته ومحيط امبراطوريته، وما بعد بعد حدود امبراطوريته.

والرئيس الأميركي الفائز حديثاً “دونالد ترامب” يستذكر بإعجاب الرئيس العراقي صدام حسين الذي شنت بلاده حرباً عليه أثناء فترة أحادية القطبية، وذلك لأنه كان صارماً وعنيداً، يقتل ويقمع ويدمر ويبيد، ويقتلع الإرهاب. كما نراه يمتدح النظام الصيني الشمولي وسلطاته وحملاته العسكرية على المدنيين، لقمع التحرك السلمي في ساحة “تيان مين” عام 1989. ولا يتورع عن التهديد والوعيد باستعمال وسائل التعذيب والاقتصاص من أقارب المهاجرين “الإرهابيين” وتدمير بيوتهم، تماماً كما تفعل إسرائيل في سياستها مع الفلسطينيين وانتفاضة الحجارة والسكاكين.

%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d9%85%d8%a8

ويبدو أن فوز الرئيس الأميركي دونالد ترامب، جاء وليد انهيار منظومة القيم الذي جعل من الأوهام حقيقة، وسهل مهمة توظيفها في ظواهر اجتماعية. فكان الاقتراع لرئاسته في هذه الحالة، إنما هو اقتناص لحظة في سياق انهيار لمجموعة القيم في أميركا وخارجها، عرف دونالد ترامب المرشح كيف يستثمرها.

ونذكر أيضاً بوقوف “نايجل فارج” زعيم حزب الاستقلال البريطاني محرضاً على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي الذي خرجت منه في 23 حزيران (يونيو) من هذا العام 2016، وكان من نتائجه قتل النائب “جو كوكس” في مقر حزب العمال غرب يوركشير.

وانعكس إنهيار مجموعة القيم، على الحرب في سورية وفي العراق، حيث ظهرت داعش، وحيث شهدت البلاد توحش داعش. وشهد معها المجتمع الدولي أزمة غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية، تهدد بزعزعة استقرار المنطقة برمتها، مع تداعيات هائلة، بدأت أوروبا تشعر بها منذ أكثر من عام، وتحديداً منذ بدأت ما أسماه مدير مفوضية اللاجئين أمين عوض “الرحلة الكبرى” لمليون شخص عبروا بحر إيجه على متن زوارق مطاطية، وأكملوا رحلتهم سيراً في اتجاه الشمال عبر منطقة البلقان إلى أوروبا.

كذلك نرى “حزب البديل من أجل ألمانيا”، يدعو إلى معاداة المهاجرين وحظر بناء المآذن وارتداء النقاب. ويصف الإسلام بأنه لا يتوافق مع الدستور الألماني. حتّى أن نايجل فارج حين صرح محذراً من تدفق المهاجرين العرب والمسلمين إلى أوروبا، وواصفاً إياهم بأنهم يشكلون قنبلة نووية بمفعولها في “كولونيا” وغيرها، فقد لاقاه المرشح دونالد ترامب وقتذاك في حملته عليهم: دونالد ترامب، الذي يجد اليوم في الرئيس السوري الذي هجّر شعبه ودمّر بلاده طيلة خمس سنوات وأكثر، رئيساً يمكن التفاهم معه كما يمكن مهادنته.

فوحدة القطبية والاستبداد، التي ربما نرى مشاهدها في القرارات والمواقف الدولية: ربما في مجلس الأمن، أو في أروقة الجمعية العمومية، إنما نراها وليدة تفاهم التعصب والاستبداد والعنف الليبرالي اليميني الصاعد، الذي يتلاقى مع العنف المتغطرس والمتمادي في المحور الروسي. فما بالك إذا ما التقى أردوغان وبوتين ونتنياهو وماري لوبن زعيمة اليمين الفرنسي الصاعد وبالإضافة إلى اليمين الألماني الصاعد واليمين البريطاني الصاعد، مع اليمين الأميركي الصاعد، الذي يزايد عليهم بالبطش والاستبداد ومهادنة المستبدين في إرادة واحدة جامعة لصناعة وصيانة التكاملية الناشئة بين وحدة القطبية والاستبداد في هذا العالم الحزين الذي ينحو نحو التوحد في التوحش: في عهدة وإدارة وعهود الرؤساء الطغاة والمتوحشين والمستبدين.

*أستاذ في الجامعة اللبنانية

اقرأ أيضاً بقلم د. قصي الحسين

 مع تيمور جنبلاط تراث كمال جنبلاط في الحفظ والصون

جدوى “دراسات المستقبلات” أميركياً صناعة القرار

محمد حسنين هيكل عام على أيقونة الصحافة

ترامب وفوبيا المؤتمرات

الانتخابات النيابية فلسفة الوجبة الناقصة

خطاب الكراهية المقارن ترامب وعبد الناصر

آستانة وجنيف سورياً

عن الرئيس ترامب محاصراً

 كاسترو ثائراً وحاكماً مختلفاً

التسامح السياسي وآفاقه في لبنان

صادق جلال العظم سورية في القلب

الاتحاد الأوروبي ولعنة الهويات

العجز عن لبنان

حسن إدارة الإنقسام أولاً

رحيل شريف فياض أضاء الشعلة ومشى

لبنان: ديوان المظالم

قراءة معمقة في كتاب “أنسنة الدين”

حرب عالمية فوق سورية لتدوم وتدوم

سورية الذبيحة في هانغشتو

على هامش تهديد جنبلاط مرحلة الأسد