وليد جنبلاط المسكون بهاجس التاريخ… قلق من لعبة الأمم!

ناجي مصطفى (الأنباء)

Rendezvous With Walid Jumblatt

مخطىء ومشتبه كل من يقرأ قلق وليد جنبلاط من منظور الخوف على مصير الطائفة التي ينتمي إليها وحسب، في ظل هذا الصراع الطائفي الكبير الذي يشكل الإقليم مسرحه الملتهب من العراق إلى سوريا إلى اليمن إمتداداً إلى ليبيا، فوليد جنبلاط لا يسكنه هاجس الانتماء الديني الاقلوي بقدر ما هو مهجوس ومهموم بالتراجع المريع للعرب في زمن يُعاد فيه تشكيل هويات المنطقة بمعزل عنهم.

في مرحلة نهوض المشروع القومي العربي الذي بدأت أولى بواكيره منذ منتصف القرن الماضي مع الزعيم جمال عبد الناصر، كانت ثمة هوية واحدة تجمع العرب من المحيط إلى الخليج، وكانت فلسطين التي إحتلها الصهاينة عام  1948 هي بوصلة الصراع الوحيدة لهم.

لقد حدد المعلم الشهيد كمال جنبلاط الموقع الطبيعي للحزب التقدمي الإشتراكي في قلب هذا المشروع إلى جانب عبد الناصر فكان أن ناضل الحزب في سبيل العروبة وفلسطين عبر عقود من الزمن مقدماً الشهداء والدماء والتضحيات الجسام.

غير أنه وفي كنف هذا المشروع النهضوي العربي ذاته نشأت أحزاب إستبدادية في غير بلد عربي تسلقت إلى السلطة باسم الوحدة والعروبة فقمعت شعوبها على إمتداد أربعين عاما وائدة أحلامها بالحرية والتحرر والانعتاق.

بارقة الأمل التي شكلها الرببع العربي للتخلص من أنظمة الاستبداد أينعت في مصر وتونس، غير أنها سحقت في سوريا تحت جنازير دبابات النظام ومدافعه، لقد جرى جبه الحراك المدني السلمي للشعب السوري بالحديد والنار وعندما فشل النظام في تحقيق غايته فتح حدود بلاده على مصاريعها مستدرجا الخارج إلى الداخل سواء بحجة قتال النظام أو القتال ضده.

دول كثيرة حضرت إلى سوريا وإنخرطت في دوامة العنف والدم، وحده الشعب السوري من دفع الثمن قتلا وتنكيلا ونزوحاً، مدن وأرياف ابيدت وهجرت، سوريا ماتت، حدود الإقليم التي رسمها قبل قرن من الزمان المستعمران الفرنسي والانكليزي تهاوت أو تكاد، روسيا المستفيدة من الانكفاء الاميركي وجدت فرصتها لاستعادة نفوذها كشريك في لعبة الكبار، إيران وتركيا كل واحدة من موقعها تجتهد لايقاظ أحلام إمبراطورية توسعية قديمة على مستوى الإقليم، والضحية في كل الحالات أمة العرب التي أضاعت الجغرافيا في لعبة التاريخ وفي لعبة الحاضر والمستقبل أيضا.

إن ما يشغل وليد جنبلاط إذن في هذه اللحظة الفارقة من تاريخ المنطقة ليس لعبة الحصص وتقاسم المغانم في الداخل سواء في الحكومة أو موقعه في تركيبة النظام، كان همه أن يتم الاستحقاق الرئاسي بأقل الخسائر كي لا ينزلق لبنان بفعل الفراغ إلى لعبة الصراع في المنطقة، ولا يهم بعد ذلك كيف تتركب الحكومة وكيف ستوزع الحقائب على المستوزرين. كل القوى عبرت عن شراهة في محاولتها الاستحواذ على الحقائب إلا هو، بدا زاهداً بكل شيء، قال كلمته في الموضوع ومشى “المهم تفادي المعارك الجانبية في تشكيل الوزارة والاستفادة من لحظة التوافق”.

لقد بدا واضحا أن وليد جنبلاط لا يعنيه في هذه اللحظة من المشهد الداخلي إلا أن يتوفر قدر معين من التوافق بين الأطراف المختلفة يحصن البلاد من الانزلاق في أتون الإقليم المشتعل، إنه مشغول بالمشهد في المنطقة بكليته حيث ينظر بقلق بالغ إلى الحرائق المشتعلة في سوريا والعراق، يحدق في الاشلاء، الضحايا هم هم عرب المنطقة، واللاعبون الدوليون والاقليميون هم هم أيضا في كلا الساحتين وبالمبررات السياسية والدينية ذاتها، أميركا التي إنكفأت عن المنطقة عام 2010 عندما إنسحبت من العراق شرعت الباب أمام تمدد النفوذ الإيراني نحو بلاد الرافدين أولاً ومن ثم إلى سوريا لاحقا ما فتح شهية التركي للانتباه والاستدراك والاندفاع بدوره نحو ملء الفراغ في كل من الساحتين أيضا تحت حجج سياسية وايديولوجية شتى.

هو صراع نفوذ وامداء حيوية جيوبوليتيكية بين المشروعين التركي والفارسي، مسرحه لا أنقرة ولا طهران، مسرحه أرض العرب في سوريا والعراق، وضحاياه عرب أقحاح ومشروع قومي يحتضر جرى وأده على أيدي بعض الحكام العرب أنفسهم يوم فصلوا أنظمة على مقاس أحلامهم الانانية المريضة.

ترى هل تعود المنطقة العربية لتسقط  في قبضة العثمانيين الجدد بعد قرن على الانكفاء التركي؟ أم سنكون أمام مشهد إيراني مستعاد من إمبراطورية قورش التي سيطرت على الإقليم قبل نحو الفين وخمسماية عام من الآن؟ إنه صراع الأباطرة الجدد بعدة إيديولوجية دينية يضاف إليهم قيصر روسي طموح متهور يحلم بوراثة إمبراطور أميركي ضعيف يغادر المنطقة إلى بحر الصين ليصطاد التنين الأصفر قبل أن يكبر ويفترسه.

إذن من حق وليد جنبلاط أن يقلق وهو المسكون بهاجس التاريخ والمدرك للعبة الأمم التي تسحق عند تطاحنها أمماً ضعيفة واهنة كما هي عليه حال العرب في هذه اللحظة الفارقة من التاريخ.

(الأنباء)

اقرأ أيضاً بقلم ناجي مصطفى (الأنباء)

اعتماد النسبية… مدخل الى الاخلال بالتوازنات الداخلية في لحظة احتدام طائفي على مستوى الاقليم

بين موسكو وطهران: اختلاف استراتيجيات في سوريا… أم أكثر؟!

غياب المشروع العربي فتح قابليات القوى الاقليمية للتوسع والسيطرة

لماذا شيطنة قانون الستين وتقديس النسبية؟

سقوط تدمر بيد “داعش” يكشف زيف ادعاء نظام الاسد بقتال الارهاب!

حرب الفيتوات المتقابلة تهدر فرص تأليف الحكومة وتعوق انطلاقة العهد!

بعد الانتخاب والتكليف ومساعي التأليف: حكومة الفرصة الأخيرة ما قبل الانهيار والفشل!

سيناريو إفتراضي لما بعد إنتخاب عون!

بعد تجاوز قطوع ترشيح عون… ماذا عن التكليف والتأليف؟!

الاستحقاق الرئاسي: بين سلة بري واستعجال عون!

الاستحقاق الرئاسي: بين ارتباك المستقبل ومناورات حزب الله!

عام على التدخل الروسي في سوريا: اي حصيلة واي نتائج؟

سوريا: قوى تتقدم وأخرى تنكفىء وأشلاء وطن تنزف دما وهجرة!

وليد جنبلاط داعية الوحدة في زمن الانقسام الطائفي والمذهبي

بعد ثورات الربيع… أليس لهذا الليل العربي من أخر؟!

عن الميثاقية المظلومة… ما لها وما عليها!

مستقبل سوريا: اخر محاولات للتسوية والا التقسيم

في ذكرى مصالحة الجبل: تأكيد الاصرار على العيش الواحد

لبنان في ثلاجة الانتظار… الى متى؟

زيارة وليد جنبلاط الى الصرح البطريركي… اي ابعاد؟