رحيل شريف فياض أضاء الشعلة ومشى

د. قصي الحسين

على حافة الرحيل، انتفض شريف فياض. نضح عرقه، نضح دمه، نضح قلمه ونفض عن الورق بياضه، أضاء شعلته الأخيرة كسابق عهده ومشى “فوق روابي الجبل”. مضى داخلاً في فم الوادي، في فم الجبل في فم النهر، في فم الجسر/ جسر القاضي المخنوق بالزنابق. تغطيه ستارة من عتمة الليل، تاركاًَ، أقدامه تأخذ من الصخور ومن الدهور، شغفها بالمسيرة والمسير.

لا علامات سكن حول البيوت المدمرة ولا حول الأقبية المتيبسة من صدأ الحديد والحرب. وشجر الصنوبر البري في ضوء أجنحة الشمس في الصباحات المبكرة، مصفر، متهدل الأثداء، مثل قطعان مألومة من إهمالها.

تراه، كان شريف فياض، يحس بعقله، كيف يركض الجبل على عنقه، وهو يطويه للوراء وللأمام مثل رق مخطوط متكسر بين يديه، حين أضاء الشعلة وحملها ومشى. أو حين أضاء قلمه على ضوء ألمه ودمه، وكتب مسيرته تماماً كما مشاها فوق روابي الجبل.

على شريف فياض فقط أن يرتل، إذا ما أراد الاحتفاظ بصحبة الجبل: هذا جبل وهذا شريف، واسمه يعني معروف. لكأنه شعر بدون جسد وبدون جبل، إنه مثل رجل يزل من صفحات رواية، لا من صفوف غابة، مكتوبة منذ آلاف السنين. ولذلك نفض بزته المثخنة بالأشواك، مثل أيدي الجرحى التي تجره إلى خندق وراء خندق، وراء حرب، وراء دار يذهب نحوها مختاراً: يقول سأسكن مستقبلي في دار المختارة مثل رواية، فيها نهر حقيقي، وفيها سماء حقيقية. وأنا لست متعباً من حقيقتها. وسأستمر في حمل الشعلة في الروابي التي أقطعها، وفي الأوراق التي أنضحها، كأني منذ أبدٍ في تلك الحياة البعيدة، التي أذهب إليها الآن منذ زمان بعيد.

%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%82%d8%af%d9%85-%d9%81%d9%8a%d8%a7%d8%b6

لأية بحيرة ضوء في غيوم الجبل المعتمة، لأية رقعة شمس، كان يراها تنتمي، حيث تحيط هذه الهالة المضيئة برأسه الحليق. فيحس بالدفء وبشعر أرز الشوف، يؤكد بركة الاتجاه السليم، كما حددته بوصلة دمه، حين سعى مختاراً تحت صليل السيوف بين دروب المختارة وأرز الشوف.

حول منعطفات دير دوريت، سكب النهر فضته ياقوتاً عليها، فانحنى شريف، يلتقط الحصى: قال إنها حبات قلبي ها هنا، ثم طار نجماً وراء نجم. أعطى وأعطى، كل شيء: أخضر وأبيض وأحمر، وفضاء واسعاً لتطير خلف أسراب النجوم. وخلوات نسيج العناكب، تصير مراكب، للمواكب، ترتفع متريثة مع بزوغ كل شمس، فيشرئب لها شريف، عالي القبعة. يقرأ صفحة مقلوبة ويعبر قنطرة مهدومة، ويقص رواية، والتلال كلها تصغي لتاريخ عريق، بين المختارة والبيت العتيق.

وهذي الجذوع المذبوحة، ليست خشباً في غابة فوق الروابي فرّ عنها الغادر والمحتل. لكنها أشباح بني معروف عيونهم مثل اليراعات في الظلمة الخضراء. يهرعون معه فوق روابي الجبل مثل حفيف الطيور. يبحرون في الجذوع بين ضفاف الدماء، سالت ذات آذار بأكمام الزهور.

أقسم شريف فياض: لن يرى الناس تلك الأيام مرة أخرى. غسل الجبل دمه، واتخذ لجميع الجذوع أشرعة واحدة. نفخها من روحه نحو الوليد. نضح عليها شريف حبره على بياض الورق السابق، وتلا الضباب حروف الدار وانبسط فوق الروابي في اليوم اللاحق. كان الضباب يتصاعد من بئر قلبه، حتّى تغني أحجارها، وتسيل أنهارها ويتخذ الإصغاء شكل الماء فوق مهادها.

شريف فياض، حيث أنت اليوم، لا زلت تفاجئنا بحضورك القوي ولو في طرابلس. وهي تعودت أن تغص بك حين كنت تزورها، تماماً كما تغص بك روابي الجبل. وحين رحلت في عتمة الوطن كتبت طرابلس على جميع جدرانها، وعلى جميع أغصانها وعلى جميع قمصانها تماماً كما كتبت الميناء التي تعرفك وتعرفها، على الأفق والموج بكل حزنٍ وأسى وحسرة: “أضاء الشعلة ومشى”.

اقرأ أيضاً بقلم د. قصي الحسين

تحرير الموصل عقدة الارهاب الراحل والقادم

نعم لريما خلف وفلسطين الجريمة ماثلة

 بكائية البحر الميت

 مع تيمور جنبلاط تراث كمال جنبلاط في الحفظ والصون

جدوى “دراسات المستقبلات” أميركياً صناعة القرار

محمد حسنين هيكل عام على أيقونة الصحافة

ترامب وفوبيا المؤتمرات

الانتخابات النيابية فلسفة الوجبة الناقصة

خطاب الكراهية المقارن ترامب وعبد الناصر

آستانة وجنيف سورياً

عن الرئيس ترامب محاصراً

 كاسترو ثائراً وحاكماً مختلفاً

التسامح السياسي وآفاقه في لبنان

صادق جلال العظم سورية في القلب

الاتحاد الأوروبي ولعنة الهويات

العجز عن لبنان

وحدة القطبية والاستبداد

حسن إدارة الإنقسام أولاً

لبنان: ديوان المظالم

قراءة معمقة في كتاب “أنسنة الدين”