رسالة إلى العهد الجديد!

رامي الريس

في الواقع، ينتظر اللبنانيون الكثير من العهد الجديد! فعدا عن كونهم يعيشون في بلدٍ إفتقد الرئيس لمدة تزيد عن عامين إلا أنهم لم ينالوا حلمهم بأن تكون لهم دولة بالمعنى الفعلي والحقيقي للكلمة!

وهذه بعض الأفكار التي يتشاركها اللبنانيون بغالبيتهم:

أ‌-  تعزيز مشروع الدولة: هو خطوة أولى ضرورية لردم الهوة السحيقة بين المواطن والدولة التي تفاقمت مع الشلل الدستوري والمؤسساتي الذي عاشته البلاد لأشهر طويلة. وهو يبدأ بإحترام الدستور ومعاودة المؤسسات لعملها بدءاً برئاسة الجمهورية مروراً بالسلطة التشريعية ممثلةً بالمجلس النيابي وصولاً إلى السلطة التنفيذية ممثلةً لمجلس الوزراء.

untitled

ويستكمل من خلال دعم المؤسسة العسكرية والقوى الأمنية ورفع مستويات التنسيق فيما بينها وتقوية قدراتها لمواجهة المخاطر الأمنية وبالإلتفاف حولها بدل تفريغ الهياكل الأمنية الرديفة المتفلتة من القانون هنا وهناك.

ب‌-  الإتفاق على إستراتيجية وطنية للدفاع: صحيحٌ أن إنخراط أطراف لبنانية في صراعات ما وراء الحدود قد أصبح بمثابة الأمر الواقع، إلا أن ذلك لا يلغي حتمية التفاهم على إستراتيجية دفاعية وطنية تلحظ في نهاية المطاف، حصرية وظيفة الدفاع عن الأراضي اللبنانية بالمؤسسة العسكرية والأجهزة  الرسمية المختصة دون سواها.

%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%8a%d8%b4-%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%a8%d9%86%d8%a7%d9%86%d9%8a

وصحيح أيضاً أن التوصل لتسوية من هذا النوع يتطلب توفر ظروف إقليمية لا تبدو مؤشراتها ناضجة حتى اللحظة، ولكن هذا لا يعني أن تدير الأطراف السياسية ظهرها عن هذا الموضوع المفصلي.

ج-  رسم سياسة خارجية لبنانية مستقلة: لم يحصل منذ زمن بعيد أن رسم لبنان سياسة خارجية تعكس فهم أهله لدوره في المنطقة وتشرح مرتكزات حماية إستقراره من النيران المستعرة حوله من كل حدب وصوب؛ وجانب من هذا التقاعس مرده حقبة الوصاية السورية الطويلة على لبنان التي فعلت فعلها فأقصت حضور لبنان الدولي وجعلته ملحقاُ لها (ولعل ما حصل في مؤتمر مدريد للسلام سنة 1991 وما تلاه من محادثات كان أسطع مثال على ذلك)، فيما يكمن السبب الآخر في غياب التفاهم اللبناني والداخلي على الثوابت.

%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%b5%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%88%d8%b1%d9%8a%d8%a9

الأكيد أن الإتفاق على سياسة خارجية موحدة مسألة يكتنفها الكثير من العقد والمشاكل بفعل الانقسام العميق بين اللبنانيين حيال التطورات الإقليمية، إلا  أنه “تمرين” حتمي لا بد من القيام به لأنه سرعان ما يفاقم الإنقسامات المحلية ويعززها ويرفع من وتيرة الإحتدام التي قد تلامس الإنفجار، والبراهين التاريخية على ذلك لا تعد ولا تحصى.

د- التأكيد على المشاركة والإبتعاد عن الكيدية:  جرّبت الكثير من العهود السابقة “الإنتقام” من هذا الطرف أو ذاك على ضوء موقف سياسي لم  يتوافق بالضرورة مع المسار العام لهذا العهد. ولكن أثبتت التجارب أن هذه السياسة الكيدية كانت مدمرة للإستقرار الداخلي وغالباً ما تولد عنها الشغور بالغبن والظلم سرعان ما توسّع وتعمّق لينتج عنه في عدد من الحالات دورات من العنف. إن سياسية الإقصاء والتهميش تتناقض مع طبيعة التركيبة السياسية اللبنانية، وتبنيها بمثابة وصفة جاهزة للتوتر والإنقسام وهو ما يبدد أي احتمالات جدية ليحقق العهد إنجازات تذكر، إذ يتحول الإهتمام من تحقيق التقدم والإصلاح إلى الغرق في التجاذبات الفئوية.

%d9%85%d8%ac%d9%84%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%88%d8%a7%d8%a8

 لذلك، لا مفر من الإقرار بمبدأ المشاركة بين جميع اللبنانيين التي تبقى هي الصيغة الضامنة للإستقرار والسلم الأهلي؛ ولو أنه لا بد من القول أن تشويه هذا المبدأ العام وتحويله من حق في المشاركة إلى حق في التعطيل هو بمثابة ضرب للمفاهيم الديمقراطية والتشاركية والمؤسساتية.

هـ- الملف الإقتصادي والإجتماعي والمعيشي:  إذا كان أي عهد يرغب حقاً في أن يرفع من مستوى شعبيته وأن يحقق إنجازات تُسجل له، لا بد من الإهتمام أولاً بالقضايا الإقتصادية والإجتماعية التي تفاقمت مشاكلها إلى مستويات غير مسبوقة، والمدخل لذلك يكون بفصل الإعتبارات السياسية عن المعالجات الإقتصادية، فإستيلاد الحلول التقنية للقطاعات المتعثرة ليس مسألة مستحيلة، ومقاربة المعالجات من الزاوية التقنية ممكن، فمشكلة الكهرباء مشكلة تقنية وليست سياسية والإتصالات كذلك والمياه والهاتف، البنى التحتية وسائر الخدمات العامة.

%d8%a7%d9%84%d8%a8%d9%86%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%ad%d8%aa%d9%8a%d8%a9

و- التنمية الشاملة والمتوازنة:  يستحق اللبنانيون، خصوصاً أولئك الذين  يقيمون في المناطق الريفية، أن ينالوا الحد الأدنى من الخدمات العامة البديهية التي يبدو التذكير بها في القرن الحادي والعشرين معيباً. ونقطة الإنطلاق في ذلك تكون بالإبتعاد عن المبدأ القائل بأن الإنماء المتوازن يفترض الإنفاق المتوازن، وهو مبدأ خاطىء منطقياً وعلمياً! فمن قال ان إنشاء مدرسة في هذه القرية يحتم إنشاء أخرى في القرية المجاورة؟ الإنماء المتوازن يكون من خلال دراسة واقعية للحاجات المناطقية والقطاعية وليس قياساً لمطالب هذا الفريق السياسي أو ذاك!

وتطول اللائحة!

فخامة الرئيس!

لقد سئم اللبنانيون الإنقسامات والتجاذبات والتوترات! يريدون العيش في سلام وإستقرار وإطمئنان! هذا ليس بالأمر المستحيل على الإطلاق!

هو يتطلب بناء الثقة وتكريسها وحماية لبنان من العواصف الهوجاء!

وكل عهد وأنتم بخير!

———————————

(*) رئيس تحرير جريدة “الأنباء” الالكترونيّة

Facebook: Rami Rayess II

Twitter: @RamiRayess

اقرأ أيضاً بقلم رامي الريس

لا، الدستور ليس وجهة نظر!

عن أوروبا والعرب والقمم!

زمن الإنحطاط!

عن النقاش الإنتخابي المدّمر!

لا، لسنا بحاجة الى شهاداتكم!

ترامب والمغامرات المكلفة!

الإنحدار نحو الشعبوية!

الحوار والتوافقية والمؤسسات!

يا لها من كذبة تاريخية!

لعبة الشارع والشوارع!

“القناعة كنز لا يفنى”!

دار المختارة: صنعت التاريخ وتؤسس للمستقبل!

الإحتلال والطغيان والإرهاب!

هل أصبح إختصاص التاريخ من التاريخ؟

تراجيديا كاملة الأوصاف!

لثورةٍ حزبيّةٍ اﻵن!

إنتخابات الجبل: الرسالة واحدة!

الإنتخابات البلدية في العاصمة: هذه أبرز الخلاصات!

عن الديمقراطية اللبنانية ومساراتها المتعثرة!

إلى المعلم كمال جنبلاط: ما أشبه اليوم بالأمس!