الحوار والتوافقية والمؤسسات!

رامي الريس

النقاش حول فن الحوار مهم لا سيما إذا لامس تلك الإشكالية المتكررة في عددٍ من البلدان ومنها لبنان حيث حصلت العديد من المحاولات الحوارية النظرية التي لم تتح الظروف لها أن تقترن بالتنفيذ العملي.

لذلك، قد يكون من المفيد البحث في أسباب عدم إنتقال البنود التي يتم التفاهم حولها في الحوار من الإجماع النظري الى حيز التطبيق. فإذا كان البحث فن الحوار يستبطن البحث عن إجابات لهذه الإشكاليات، فنكون قد حققنا خطوة الى الأمام.

  • لماذا التمسك بالحوار في لبنان؟ لأن البدائل هي الحرب والعنف والإقتتال.
  • ولماذا لا ينجح الحوار في لبنان؟ لأن الخلاف الداخلي بين اللبنانيين حول الثوابت الأساسية ومنها السياسية الخارجية يستوجب في كل مرة البحث عن رعاية إقليمية أو دولية لإنجاح الحوار (الطائف، الدوحة..)، والإشكالية تفرض نفسها أيضاً في الإتجاه المعاكس، الرعاة الإقليميون يغذون الإنقسام بين اللبنانيين ليعودوا لاحقاً لإلتقاط الفرصة المؤاتية لتأمين الإتفاق.
  • واللبنانيون بدورهم يجيدون لعبة الإستقواء بالخارج على الشريك اللبناني الآخر لمراكمة فائض القوة الذي دار دورته الكاملة على كل الطوائف والمذاهب في لبنان، وأنتج خلاصات وإستنتاجات أن العنف لا يلبث إلا أن يؤكد إستحالة إلغاء أي فريق للآخر سياسياً وعسكرياً ومعنوياً وإجتماعياً والدليل هو إنتفاض الطوائف المتماهية مع الأحزاب لخوض المعارك التي غالباً ما كانت توصف بـ”الوجودية” وهي ربما كانت كذلك حقاً.
  • إذن، التمسك بالحوار يؤكد الثوابت التالية:

      – إقتناع الأطراف السياسية أنه السبيل الوحيد لحل النزاعات أو أقله للنقاش حولها.

    – إدراك الأطراف السياسية أن لعبة الإلغاء العسكري غير متاحة بفعل توازنات القوى التقليدية في لبنان التي تتعدل تلقائياً من حيث إنعكاسها لتوازنات القوى الإقليمية السائدة في هذه الحقبة أو تلك.

%d8%a7%d8%b9%d9%84%d8%a7%d9%86-%d8%a8%d8%b9%d8%a8%d8%af%d8%a7

      – السعي الجدي من قبل الأطراف السياسية لتأخير أو تأجيل إنفجار قد يبدو محتوماً في لحظات معينة نحو محطات قد تكون أكثر ملاءمة على المستوى الإقليمي ما قد يعطل الإنفجار.

وعلى قدر ما يعكس هذا البند الثالث والأخير مرارة التأزم السياسي التاريخي في لبنان لناحية العجز في إستيلاد الحلول للأزمات المتفاقمة والمتكررة، على قدر ما يثبت أن الحوار حتى ولو كان الحوار من أجل الحوار – في بعض الحالات- يمكن له أن يشكل متنفساً يساهم في تخفيف حدة الإحتقان  من هنا وهناك في إنتظار تحول ما في المحيط الإقليمي سرعان ما يعكس نفسه في الداخل اللبناني.

  • إن مسألة الخلاف على الثوابت اللبنانية كمدخل يتيح للاعبين الإقليميين ليس فقط التسلل الى الساحة السياسية اللبنانية بل أيضاً التحكم وتحريكها بما يتلاءم مع مصالحهم السياسية في تلك اللحظة، وهو الخلاف على الثوابت ذاته الذي يسمح بإبرام إتفاق تاريخي كإتفاق الطائف، على سبيل المثال، ليحسم نقاطاً خلافية بين اللبنانيين كلفت عقوداً من الصراع، مثلاً: عروبة لبنان.
  • ولو أنني أسارع الى القول أن حسم عروبة لبنان يصّب في مصلحة لبنان نفسه قبل أن يوظفه لصالحه سائر أو بعض الاطراف الإقليميين، إذ أنه بذلك يؤكد موقعه التاريخي الطبيعي، بدل أن يغرق في الغوص في أعماق التاريخ البعيد بحثاً عن هوية من هنا أو هناك.
  • صحيح أن مفهوم الديمقراطية التوافقية ليس جديداً في المفهوم العام، ولكن اللبنانيين شوهوا معناه الأصلي، فحولت بعض الأطراف حق المشاركة الذي يمنحه الدستور لهذا الفريق أو ذاك الى حق بالتعطيل، وأصبح لكل طرف الحق بالنقض أسوة بحق النقض في مجلس الأمن الدولي!.

 وأصبحت معادلة التوازن السلبي، أي أن هذا الطرف لا يستطيع أن يلغي ذاك والعكس صحيح، بدل معادلة التوازن الإيجابي التي تدفع بالبلد نحو تحقيق إنجازات أقله في الملفات الإقتصادية والإجتماعية والمعيشية والبيئية؛ أصبحت هي المعادلة  الطاغية والمعتمدة وهنا تكمن أهمية الحوار.

ولكن هل يستهدف الحوار بناء الإجماع؟ وأين الديمقراطية من مفهوم الإجماع؟ وماذا لو لم يتحقق الإجماع؟ هل نغرق في الشلل والتعطيل؟

hiwar-2006

لقد إقترح إتفاق الطائف إنشاء مجلس الشيوخ، وبطبيعة الحال أسارع للتوضيح أنني لا أطرح هذا الأمر من زاوية مذهبية أو طائفية على الإطلاق؛ ولكن هذا المجلس، لو تم إنشاؤه، لشكل منصة حوار دائم بين المكونات الطائفية اللبنانية حيال هواجسها السياسية والوجودية الكبرى ولساهم في تحرير الحياة السياسية والبرلمانية في يومياتها بين اللبنانيين حيال بعضهم البعض (المثل الأميركي مجلس النواب ومجلس الشيوخ).

أخيراً، عندما تنتظم المؤسسات الدستورية، ينتظم الحوار؛ وحين تتعطل  يتعطل الحوار. صحيح أن ثمة فائدة من إستنباط  قنوات حوارية موازية في لحظات التأزم المؤسساتي أقله لإبقاء خطوط  الإتصال مفتوحة، ولكن هذا  لا يلغي  أهمية عمل المؤسسات الدستورية والحفاظ على دورها في تسيير شؤون الدولة. أي دولة؟ تلك التي يفترض  أن نتفق عليها  في الحوار. عودٌ على بدء.

 (*) مداخلة قدمت في مؤتمر “فن الحوار” الذي نظمته مؤسسة “فريدريش إيبرت” الألمانية بالتعاون مع المركز المدني للمبادرة الوطنية، فندق “فينيسيا” بيروت، 18 -19 تشرين الأول 2016.