الاستحقاق الرئاسي: بين سلة بري واستعجال عون!

ناجي مصطفى (الأنباء)

%d8%a8%d8%b1%d9%8a-%d8%b9%d9%88%d9%86-%d9%88%d8%ac%d9%86%d8%a8%d9%84%d8%a7%d8%b7

قال رئيس المجلس النيابي نبيه بري كلمته في الموضوع الرئاسي ومضى بهدوء يحزم حقائبه استعدادا لسفره الى جنيف  للمشاركة في مؤتمر الاتحاد البرلماني الدولي.

ما قاله وان كان قليلا لكنه يشي بالكثير ويعبر عن امتعاض مضمر مما يرافق الاستعدادات الجارية على غير جبهة لانضاج الاستحقاق الرئاسي قبل موعد الجلسة الانتخابية المحددة نهاية الشهر الجاري، لا سيما الحركة المستجدة على خط الرابية بيت الوسط والمترافقة مع صحوة مستجدة من جانب التيار الوطني الحر وغزل ومديح “انتهازي” النكهة بصيغة 1943 التي ارساها بشارة الخوري ورياض الصلح والتي شكلت اساس الدستور اللبناني انذاك.

صحيح ان ما قاله الرئيس بري قليل،لكن العبرة في الاضافات التي نسبت الى اوساطه ومعاونيه والتي اسهمت في توضيح ملامح المشهد الاعتراضي لرئيس المجلس النيابي، احياء نوع من صيغة الـ1943 الذي المح اليه الجنرال عون وصهره باسيل مناقض لاتفاق الطائف وللتعديلات الدستورية التي اقرت بموجبه، احياء الصيغة عود الى تهميش طائفة كبيرة مؤسسة للكيان اللبناني اسهم اقصاؤها في حرب اهلية طويلة وقاسية ومؤلمة دفع ثمنها اللبنانيون جميعا، احياء الصيغة إخلال بالعقد السياسي الاجتماعي الدستوري الحديث بين اللبنانيين من شأنه اعادة نكء جراح بالكاد اندملت في ذاكرتهم الجمعية وفي ذاكرة المواطنين الشيعة على وجه الخصوص.

%d8%a8%d8%b4%d8%a7%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%88%d8%b1%d9%8a

الى هذا المقدار من الحدة يصل موقف الرئيس بري، لا سيما وانه يعتبر نفسه حارس الميثاقية الحقيقية المؤسسة على التوافق بين اللبنانيين، بعيدا عن ذلك الفهم الضيق والآحادي للميثاقية التي قاربها التيار الوطني الحر والتي جاهر بها حتى على طاولة الحوار الاخيرة من خلال موقف رئيسه الوزير جبران باسيل في تحد مباشر للرئيس بري والتي استدعت موقفا حادا بالمقابل من رئيس تيار المردة سليمان فرنجية بسؤاله الساخر لرئيس التيار الوطني حول كيفية احتسابه تمثيل الجنرال عون للمسيحيين بـ94 بالمئة .

لا شك ان منطق الرئيس بري يتأسس على عدم جواز اقصاء اي فئة من التقرير في صناعة الاستحقاقات الكبرى لان ذلك يشكل بنظره انتقاصا من دستور الطائف الذي أكد على مبدأ الديقراطية التوافقية كأساس للتفاهم بين اللبنانيين، لذلك فان السلة التي طرحها والتي صوب لا بل حرض عليها التيار الوطني الحر ليست الا ترجمة لمفهوم الديمقراطية التوافقية التي تحصن رئاسة الجمهورية وتشكل كاسحة الغام تزيل من امامها اي عوائق يمكن ان تعرقل انطلاقة العهد الجديد.

لا يتراجع الرئيس بري عن قناعته بأهمية سلة التفاهمات كمقدمة للاستحقاق الرئاسي، سلة ترتكز على التفاهم المسبق بين جميع الاطراف حول حكومة العهد الجديد ورئيسها ومضمون بيانها الوزاري والتوازنات داخلها وحول مبادىء السياسات العامة التي يفترض ان ترسمها وحول التعيينات في المراكز الهامة لا سيما العسكرية والامنية منها، وانه اذا جرى الاصرار على تجاوز السلة وانكارها فإنه ليس امامه سوى ان يسلك الطريق الدستوري في جلسة انتخاب الرئيس، فلينزل الجميع الى الجلسة وليجر الانتخاب وفقا للدستور وليفز من يفوز وليشرع الرئيس الفائز الى اجراء الاستشارات الدستورية الملزمة فيسمى رئيس الحكومة في ضوئها.

يغادر الرئيس بري اذن الى جنيف تاركاً خلفه هواجس على أكثر من جبهة، عون المستعجل لإنجاز التفاهم مع الحريري على تسميته مرشحاً قبل جلسة الحادي والثلاثين من الشهر الجاري يبدو انه بدأ يتلمس مخاطر عدم التفاهم مع بري لا سيما وان الجولة التي سيباشرها مع قيادات الصف الأول لن تشمل رئيس المجلس بسبب سفره، الحريري العائد من باريس لا يحمل في جيبه تفويضاً سعودياً بترشيح عون كما ان زيارته لموسكو لم يلتقط منها اي اشارات بوضع الرئاسة اللبنانية على جدول اولوياتها فيما التقطت مجساته في باريس عدم حماستها لترشيح عون ودعوة له للتمهل في اتخاذ موقفه النهائي من الاستحقاق.

وحده وليد جنبلاط الممسك أكثر من غيره بخيوط اللعبة بعد زيارتين لموفده الوزير ابو فاعور الى الرياض والقارىء العميق لتعقيدات المشهد السياسي المحلي الظاهرة منها والمستترة، يرسل رسائله الرئاسية القصيرة والمشفرة عبر “تويتر” لتزيد من مستوى التشويق والاثارة في المشهد الرئاسي ملاقياً بذلك دهاء حليفه التاريخي نبيه بري في لعبة توزيع أدوار ربما تفتح الطريق أمام خيار رئاسي ثالث يرتاح اليه كليهما ولا يشكل استفزازا لأي جهة.

(الأنباء)

اقرأ أيضاً بقلم ناجي مصطفى (الأنباء)

اعتماد النسبية… مدخل الى الاخلال بالتوازنات الداخلية في لحظة احتدام طائفي على مستوى الاقليم

بين موسكو وطهران: اختلاف استراتيجيات في سوريا… أم أكثر؟!

غياب المشروع العربي فتح قابليات القوى الاقليمية للتوسع والسيطرة

لماذا شيطنة قانون الستين وتقديس النسبية؟

سقوط تدمر بيد “داعش” يكشف زيف ادعاء نظام الاسد بقتال الارهاب!

حرب الفيتوات المتقابلة تهدر فرص تأليف الحكومة وتعوق انطلاقة العهد!

وليد جنبلاط المسكون بهاجس التاريخ… قلق من لعبة الأمم!

بعد الانتخاب والتكليف ومساعي التأليف: حكومة الفرصة الأخيرة ما قبل الانهيار والفشل!

سيناريو إفتراضي لما بعد إنتخاب عون!

بعد تجاوز قطوع ترشيح عون… ماذا عن التكليف والتأليف؟!

الاستحقاق الرئاسي: بين ارتباك المستقبل ومناورات حزب الله!

عام على التدخل الروسي في سوريا: اي حصيلة واي نتائج؟

سوريا: قوى تتقدم وأخرى تنكفىء وأشلاء وطن تنزف دما وهجرة!

وليد جنبلاط داعية الوحدة في زمن الانقسام الطائفي والمذهبي

بعد ثورات الربيع… أليس لهذا الليل العربي من أخر؟!

عن الميثاقية المظلومة… ما لها وما عليها!

مستقبل سوريا: اخر محاولات للتسوية والا التقسيم

في ذكرى مصالحة الجبل: تأكيد الاصرار على العيش الواحد

لبنان في ثلاجة الانتظار… الى متى؟

زيارة وليد جنبلاط الى الصرح البطريركي… اي ابعاد؟