قراءة معمقة في كتاب “أنسنة الدين”

د. قصي الحسين

K.H

قبل أن نقرأ هذه الرسائل التي وضعها الدكتور توفيق بحمد، بين دفتي كتابه: “أنسنة الدين في فكر المرجع السيد محمد حسين فضل الله والمعلم المتنور كمال جنبلاط” حباً وشغفاً وهدايةً وإرشاداً، أحب أن أشرح وأوضح ما حملني على أن أبادر بعد قراءة الكتاب إلى تأكيد تلبية الدعوة وتقديم ورقة فيه.

بدت لي على غلاف الكتاب فوراً، عاطفة الدكتور توفيق بحمد الأقوى منه. ومن حق أي منا أن يقدّر قيمة العاطفة ويجزي عليها. فهي حبيسة حب دافق تتأجج ناره وتسري روحه، وما كان بمقدور صاحبها إلاّ أن يجري معها في وحدة الحركة، حين كان يعيشها وهي تندفق في جميع أجزاء جسمه. فانبرى يرسل لنا، من الرسائل، ما يراه متشبعاً بنور هذا الحب بسره الإلهي.

ولا غرو، فهو الحب الذي يكنّه لأقنومين في الإنسانية عندنا: المرجع السيد محمد حسين فضل الله والمعلم الشهيد كمال جنبلاط. وحبه هو على هذا الشرف والسمو، ربما بدا لنا في كتابه الذي بين يدينا، أقل بكثير، في قيمته ونوعه وجوهره وعرضه. لأن حب الدكتور بحمد للعلمين الغائبين، من نوع الحب الخاص والخالص، ولأنه وكما أرى نهاية فناء الذات أمام عاطفة لم أجد أقوى منها تملكاً بالنفس، حتّى وكأنه نوع غريب من الحب، له معانٍ وتصورات وصفات، ما قدر كتابه على إجمالها فيه، ولا تقييدها بين دفتيه. فكان مثل كاتبنا العاشق اليوم مثل، الشاعر العاشق أمس، حين صوّر عجزه أمام فتون محبوبته فقال:

“ضاقت عليّ نواحيها، فما قدرت على الإناخة في ساحاتها القبلُ”.

والحال أن هذا الكتاب، إنما أنظرُ إليه كعمل تجريبي تشكيلي، أكثر ممّا هو نص فلسفي جدّي متماسك. وتشكّل لغات كتاب د. بحمد وحروفه، التي تمكن عادة القراء من التواصل، قضية أساسية في رسائله المتنوعة سواء كانت بخطه أم بخط هؤلاء الجلة المرموقة ممن تحدثوا عن أنسنة الدين في فكر السيد محمد حسين فضل الله. وعلى الرغم من أن “بحمد” وحده هو الذي تحدث عن أنسنة الدين، وأنسنة الدين في فكر المعلم المتنور كمال جنبلاط، كما أراد، فقد جاءت هذه الكتابات والرسائل بأشكال معقدة، وأخرى بسيطة تعتمد التكرار في الحروف، وفي طريقة رصفها، وتشكل مجتمعة، ما يشبه الجدار الشفاف بين القارئ والكاتب. فالقارئ يرى إلى النص، وقد يرى بصعوبة بعض الحروف المثقلة بالديني والتاريخي، وكأنما الدكتور بحمد قد قصد إلى ذلك قصداً، فأراد ألاّ تكون الرسائل مقروءة، بقدر ما تكون مهموسة، وهي التي جاءت بأشكال مرصوفة بطريقة شبه تجريدية، وكأن الكاتب يريد من كل قارئ، أن يحدق بها مطولاً، ويعمل فيها نظره مطولاً، ويعيد تركيب الصيغ والعناوين والتيمات، ثم يجلس وحده فيقرؤها كما يحلو له في احتفالية ذاتية منشودة/ مشهودة، بحسب تجاربه الشخصية وخلفيته الثقافية.

ولهذا ربما، تعمّد د. بحمد ألاّ يضع عناوين كثيرة لعنوانه المتوحد، خشية حصرها في موضوع واحد منغلق على نفسه. أيضاً اختار لغات بصرية جديدة، مفتوحة على كل الاحتمالات والثقافات. يقول: قرعت باب المعرفة، من أنسنة الدين للإنسان، فلم يفتح لي: إلاّ على قدر معرفتي لنفسي، واستطاعتي على فهم معانيه، وحل أحاجيه ورموزه: في كنه الذات والوجود، والخالق والمخلوق والكيان والكينونة والكائن والكون لكن سأثابر على قرع الباب علّه يفتح لي عند نهاية “سلوك الطريق” (ص 1).

008

إن تتبع القراء للدكتور بحمد، في صياغته لموقفه من أنسنة الدين، أو من صياغة الآخرين لموقفهم ولموقفه أيضاً، إنما يصدق الموقف منه، بأنه صاحب الفضل على العمل من الدفة إلى الدفة، ولو كان قارئ من هؤلاء القراء غير معجبٍ بالنسخة البانورامية لكتاب “أنسنة الدين”، خصوصاً بعدما قام محاضرو “ملتقى الدكتور توفيق بحمد الثقافي”، بإعادة صياغة هذا العمل، وربما رأوا في جهوده بنقل المادة إلى كتاب “ما يضؤل” على الرغم من أن النسخة الجديدة لم تخل من الطابع “المسلي” الأصلي. فإعادة طباعة المحاضرات بالشكل، الذي أتى به، إنما جاء كانعكاس شاحب وزائد معاً، على الفكرة الأصلية، أكثر ممّا ينبغي.

قرأت في السيرة الذاتية المصاحبة للكتاب، إن للدكتور بحمد كتابين آخرين صادرين: “محطات من رحلة العمر 2010″ و”أمين والنبي 2014”. إلى جانب كتاب آخر قيد الطباعة: “السر في تحقيق الذات”. وبعد قراءتي لهذا الكتاب، ازددت شوقاً لقراءة الكتابين الآخرين، وشوقاً زائداً لقراءة الكتاب الثالث. إذ كنت أخشى أن يكون قد أخرج كتاباً أوحد في حياته، وأن تكون بقية كتبه ليست إلاّ في صيغة هذا الكتاب. غير أني من خلال هذا الكتاب، وجدت أن المؤلف مجتهد بما فيه الكفاية وهو الذي قدم كتابين بدلاً من كتاب واحد: ألأول ألفته كوكبة من العلماء والفقهاء ورجال الدين المبرزين، في فكر المرجع السيد محمد حسين فضل الله وقدّم له بكل شوق، والثاني ألّفه وحده في المعلم المتنور كمال جنبلاط. وهذا ما جعلني أرى الميزان يختل في مكان ما.

قاربت هذه الكوكبة من العلماء والباحثين ومنهم”بحمد” نفسه أنسنة الدين بشكلٍ عام، وأنسنة الدين في فكر المرجع السيد محمد حسين فضل الله، في أطروحاتهم ومعالجاتهم وخطاباتهم. وتوقفوا عند آثارها الجدية التي تخلفها على العقول إن لجهة ترسيخ مبدأ العدالة في الفكر الإنساني، أو لجهة تطبيقاتها على الناس منفردين ومجتمعين. فأتت في قسم منها على شكل نصائح وإرشادات وتوجيهات من وحي الرسائل الدينية ومن وحي رسائل العلامة فضل الله الكثيرة، وفي قسم منها، على شكل بكائيات لرؤية الواقع المتفجر والمتفجع. يقول بحمد: فجأة تلقيت دعوة، إلى قاعة الساحة العامرة. العنوان: أنسنة الدين في فكر العلامة فضل الله. استنهضت إنساني واستنهضت وجداني وكل قيمي وإيماني، وقرأت للمرجع الراحل / الباقي “الحوار مع الآخر” والحوار مع الذات: قسماً قد رأيت فيها كل عناصر تكويني وكياني. شممت فيها ومنها رائحة إيماني. ذقت في رحلتي معها طعم ضميري ووجداني. لمست ألم مريضي الإنسان، كذلك ألم إنساني (ص3).

وفي القسم الآخر يقول: الإنسانية في الإنسان تنـزف وتكاد تلفظ أنفاسها. الإنسان ينـزف إنسانيته، إلاّ القابض على الجمر بيديه. قل لهم يا إنسان: نحن أقوى كيف نركع. (ص 34) والكلمات الموجزة والمختارة والمعبرة، التي أطلقت حول أنسنة الدين في “ملتقى الدكتور بحمد الثقافي”، بعد كلمة صاحب الدعوة، كانت لسماحة المفتي خليل الميس. والذي قال: فالإنسان الإنسان هو الحل وهو المشكلة. وقال مخاطباً صاحب الدعوة: دعوتنا لنتكلم عن الإنسان. نعم في لبنان لا يزال هناك من يتكلم عن الإنسان، إنسان العالم كله” (ص 39). أمّا سيادة المطران الياس كفوري، فاستهل قائلاً: “الدين بطبيعته إنساني، لأنه لا دين من دون الإنسان” (ص 42).

وفي كلمته يقول سماحة الدكتور السيد جعفر فضل الله: هل إن الدين في حاجة إلى أنسنة؟ ألم يأت الدين من أجل الإنسان (ص 47). أمّا فضيلة الدكتور الشيخ سامي أبي المنى فقال: الدين أساساً جاء لخدمة الإنسان، فكان الصلة بين الإنسان وربه، وكان الواسطة بينهما. (ص 54).

أمّا الكلمات التي أطلقت في ندوة أنسنة الدين في فكر المرجع الراحل العلامة السيد محمد حسين فضل الله فقد جاءت بداية مع كلمة الدكتور توفيق بحمد الوجدانية والمشوقة. ثم كانت كلمات للعلامة السيد علي محمد حسين فضل الله والوزير محمد فنيش والدكتور عدنان السيد والبروفيسور الأب سليم دكاش والدكتور السيد جعفر فضل الله وكانت مسك الختام كلمة الدكتور الشيخ سامي أبي المنى.

أثنى الدكتور بحمد كثيراً على علم العلامة الواسع حيث قال مفتتحاً الندوة: هناك التقيته لأول مرة، حيث التقى جبل الشيخ مع جبل المعرفة. استقبله جبل الشيخ بعمامته البيضاء له شموخاً. واعتمر السيد عمامته السوداء له أصالة وعرفاناً ومعرفة. جلست إلى جانبه أتلمس معرفة معرفته، وألتقط كلمات المرجع العارف لحقيقة الإنسان. حقاً كان الراحل الباقي (ص 69).

والواقع أن جميع كلمات المحتفين في الندوة، كانت تكمل بعضها بعضاً. الدكتور علي محمد حسين فضل الله قال: إن الأنسنة حل استشرفه السيد باكراً (ص 71). أمّا د. عدنان السيد رئيس الجامعة اللبنانية، فتحدث عن الأبعاد الوطنية والقومية والعالمية في فكر السيد فضل الله. وقال إنّه كان يطرح التقوى السياسية في إطار عام للفهم السياسي (ص 83). أمّا الأب البروفيسور سليم دكاش، فتحدث عن الانفتاح الإنساني في فكر السيد فضل الله، وعن الأسباب والمنطلقات التي أدت وتؤدي إلى بلورة فكرة دولة الإنسان وإنسانية الإنسان، كانفتاح على الآخر والبناء عليه للمواطنية (ص 91). كذلك تحدث الدكتور السيد جعفر فضل الله، عن مرتكزات مشروع الأنسنة في فكر السيد فضل الله” (ص 101- 117) حيث ختم بالقول: لا نستطيع حصر تجليات الأنسنة في كل مفردات النشاط الإنساني. ونجد أنفسنا أمام صورة متناهية في البساطة للإسلام وللرسالات السماوية عنوانها الأنسنة، بدءاً من اصلها العقدي التوحيدي، وصولاً إلى أصغر حكم فقهي أو أخلاقي (ص 117).

وجاءت كلمة الدكتور الشيخ حسين الخشن، تعبيراً عن واقع أليم، فكانت بعنوان زمن التصحر الروحي والأخلاقي (ص 118 – 122) وكلمة الأستاذ نبيل صالح: الإنسان هو الجوهر في فكر السيد فضل الله (ص 123 -128). ومسك الختام كانت كلمة الدكتور الشيخ سامي أبو المنى تحت عنوان: أنسنة الدين والأبعاد الإنسانية والاجتماعية في فكر العلامة السيد محمد حسين فضل الله الذي ختم بالحديث عن اهتمام السيد فضل الله بالعمل المؤسساتي الذي يرتكز على العقل (ص 129 – 133).

وفي القسم الثالث وهو بعنوان: أنسنة الدين في فكر المعلم المتنور كمال جنبلاط فقد أعدّه الدكتور توفيق بحمد، وحده دون غيره، فصال وجال في هذا الفكر الإنساني الخالد، حيث تحدث عن أنسنة الإنسان أولاً، وعن الإيمان بالإنسان، وعن الفرح الدائم للإنسان وعن السعادة الإنسانية، وعن إصلاح الإنسان، وعن الإنسانية في الإنسان (ص 134 – 148)، مقتبساً من اقوال المعلم مرات ومستنداً إلى أفكاره مرات أخرى فبدا في ذلك شاعراً وناثراً، كاتباً وعاشقاً، وصاحب رسائل يوجهها إلى أهدافها، فتصيب هذه الأهداف التي عينها بحق. وهذا، لربما، ما مكن الدكتور بحمد، من أن يصنع لنفسه صورة أسطورية، ويصوغها بكل دقة، ولو وقع أسيراً لها. من دون أن تكون بالضرورة حقيقية، وتتطابق مع حياته وأسطورته الحقيقية. إنها برأيي أسطورة ابتدعها نفسه بنفسه، وساعده أصدقاؤه ومحبوه الكثيرون في تعزيزها. أسطورة الرجل العاشق العملاني الوجداني التغييري، المأخوذ بهوس الحياة والمجدد فيها.

في الختام، آمل أن تثير رسائل د. توفيق بحمد مؤسس ملتقاه الثقافي، إعجاب قرائها، بعدما توثقت في هذا الإصدار الذي دعينا للإحتفاء به. أمّا أنا، فلربما كنت من بين قرائه الأكثر تطلباً في اختياراتي. ولربما وددت استمهاله حتّى يتعتق الحب في قلبه كما يتعتق العطر ويتقطر.

ولا غرو، فهو عاشق أنسنة الإنسانية طبيباً وشاعراً وناثراً ومفكراً. وغير كثير على من يعمل مثله، أن يذهب إلى ينابيع المرجع السيد محمد حسين فضل الله وينابيع المعلم المتنور كمال جنبلاط، لارتشاف العطر كما النحل العاشق، من أزاهيره.

(*) ألقيت في ندوة حول كتاب د. توفيق بحمد “أنسنة الدين” – 28 ايلول 2016