حرب عالمية فوق سورية لتدوم وتدوم

د. قصي الحسين

K.H

الحرب الدولية اليوم فوق سورية، بأبعادها السياسية والديبلوماسية والاقتصادية، وباحتدامها الاستراتيجي والعسكري، منذ آذار العام 2011 وحتى تاريخ تقسيم حلب إلى شرقية وغربية في ايلول 2016، إنما تدل على التطورات التي لحقت بالإقليم منذ توقيع الصفقة النووية الإيرانية/ الأميركية والتدخل العسكري الروسي المباشر في سماء سورية وعلى أرضها أيضاً، وحتى إسقاط تركيا للطائرة العسكرية الروسية على الحدود التركية/ السورية.
وانكشف الصراع الأميركي/ الروسي على الأسد، مجاهرة أو مناورة، سراً أو علانية، ليدل على رسم معادلة سياسية استراتيجية من محورين بارزين متعارضين: المحور الأميركي والمحور الروسي، أو كيري – لافروف، بديلاً عن اتفاقية القرن الماضي والتي عُرفت باسم سايكس – بيكو، ومحوراها: الانكليز والفرنسيون.
ويوفر المحور الأول لنفسه ولغيره من الدول التي تصطف خلفه من قوى المعارضة للنظام ولرئيسه بشار الأسد غطاء سياسياً وعسكرياً، كما يوفر المحور الثاني لنفسه ولغيره من الدول التي تصطف خلفه وفي طليعتها النظام وعلى رأسه الأسد والقوى السياسية والعسكرية الأخرى المؤيدة له، غطاءً سياسياً وعسكرياً. ولهذا يتم تبادل الرسائل بين المحورين مباشرة أو بالواسطة. وربما دخل الأميركيون على حقل الروس في سورية. وربما دخل الروس على الحقل الأميركي أيضاً في سورية، كما في تعرض الجيش السوري لضربة عسكرية أميركية، وكما ففي تعرض السماء التركية للاختراق الجوي من قبل الطيران الروسي. على الرغم من صيغ الاعتذارات والمهادنات والمراسلات السرية والعلنية المتبادلة بين قادة المحورين: الأميركي والروسي.

image
إن ترؤس الروس للمحور المؤيد للأسد ونظامه، كما ترؤس الأميركيين للمحور المعارض للأسد ونظامه، إنما جعل حرب المصطفين في هذين المحورين، أشبه بحرب عالمية لا تحرج أحد من قيادتي المحورين ولا من الدول والقوى المصطفة خلفهما.

وهذه الحرب العالمية فوق سورية تحاول أن ترسي بعد مضي أكثر من خمس سنوات على انطلاقها معادلة بديلة عن معادلة سايكس – بيكو، قوامها معادلة كيري – لافروف. وهذه المعادلة البديلة أشد غموضاً من المعادلة السابقة لأسباب عديدة منها:

1- إن قوى المحور الروسي المؤيد للنظام إنما تتمثل في: روسيا، وإيران، والعراق، وحزب الله، والبريكس.
2- إن قوى المحور الأميركي المؤيد للمعارضة السلمية والعسكرية، إنما تتمثل في الولايات المتحدة الأميركية، والسعودية، ودول الخليج، وتركيا، ودول الاتحاد الأوروبي.
3- إن روسيا، وهي على رأس المحور المؤيد للأسد ونظامه، إنما هي صديقة الاتحاد الأوروبي وتركيا والسعودية ودول الخليج. وهي تعمل جاهدة على كسب ود هذه الدول في السر والعلانية. وهي متفاهمة مع الولايات المتحدة على السلم بينهماز
4- إن الولايات المتحدة، وهي على رأس المحور المؤيد للمعارضة السياسية والعسكرية، إنما هي صديقة إيران وشريكة حزب الله في لبنان، وشريكة إيران في العراق، وصديقة النظام العراقي في إيران والعراق وسورية وفي كردستان، وهي متفاهمة مع روسيا على السلم بينهما.

russia-usa
5- إن روسيا والولايات المتحدة، لم يكونا في الحرب السورية ولا في غيرها منذ توقيع اتفاقية إعدام الصواريخ النووية العابرة للقارات، ومنذ إعدام الترسانة النووية، ومنذ إعدام الاتحاد السوفياتي وتنصيب الاتحاد الروسي بديلاً عنه، لم يكونا مطلقاً، لا أعداء ولا أصدقاء، بل اخترعوا مصطلحاً جديداً ونهجوا نهجه، فقالوا إنهم “أعدقاء”.

وهذه الميوعة السائدة بين المحورين في سورية، إنما تتسبب في إطالة أمد الحرب العالمية فوق سورية حتّى تتبلور معادلة صيغة كيري – لافروف بينهما على الأقل.

أ- وحيث يحرج المحور الروسي بتأييد النظام والأسد، كما في حالة استعمال القنابل الكيميائية المحظورة دولياً، أو في حالة الإبادة الجماعية، أو في حالة استعمال مادة الكلور، أو في حالة استعمال البراميل المتفجرة، فإن الروس جاهزون لمفاوضة الأميركيين في المحور الثاني. فلا عقوبات ولا ضربات ولا قرارات دولية ضد الأسد ونظامه وحلفائه، ولا ما يحزنون ولا إزعاج لروسيا، ولو من قبيل المزاح معها عسكرياً أو سياسياً.

ب- وحيث يحرج المحور الأميركي بضربات “النصرة” و “داعش” تحت الزنار للمجتمع المدني السوري، وبالإعدامات الداعشية والذبح بالسكين وتعليق الضحايا كالفراريج، وبالمنطقة العازلة بعمق 40 كلم في الشمال السوري حتّى الحدود التركية، وبالتحويلات المالية من السعودية ودول الخليج لقادة المعارضة السورية، ممّا يشكل خرقاً للقوانين الدولية، فإن الأميركيين جاهزون للحديث مع الروس للتخفيف والتقليل من ثقل العمليات العسكرية بالطيران الروسي والطيران السوري، فوق المناطق والحصون، التي اقتطعتها فصائل المعارضة لنفسها في الأراضي السورية.

ج- استعمال ورقة الرئيس بشار الأسد من قبل المحورين بشطارة مميزة. وكلما دق الروس الكوز بالجرة، هو خارج المرحلة الانتقالية، وكلما دق الأميركيون الكوز بالجرة وبالمقابل مرة أخرى، هو ضمن المرحلة الانتقالية حتّى إتمام الانتخابات. وفي كل مرة يقال فيها بخروج الأسد يسيل لعاب المعارضة، وفي كل مرة يقال فيها، ببقاء الأسد، يسيل لعاب النظام.

فالحرب العالمية فوق سورية اليوم تدار بالدهاء الروسي/ الأميركي، بالدم العربي/ العربي والإسلامي/ الإسلامي، وهي إذن مختلفة عن الحرب العالمية السابقة التي كانت تدار بدم أوروبي ودهاء عربي، مطلع القرن الماضي، ولذلك هي حرب برأينا، تدوم وتدوم وتدوم.

اقرأ أيضاً بقلم د. قصي الحسين

قاعة قطر

خمسون عاماً على ضياعها: القدس الآن

ماي والشعبوية والبرج المحترق

قمم الحروب

على هامش قمة الرياض فلسفة الاستنـزاف العربي أميركياً

فرنسا وعقد التسوية

 المناظرة الانتخابية بالضوء

فساد الميثاق    

تحرير الموصل عقدة الارهاب الراحل والقادم

نعم لريما خلف وفلسطين الجريمة ماثلة

 بكائية البحر الميت

 مع تيمور جنبلاط تراث كمال جنبلاط في الحفظ والصون

جدوى “دراسات المستقبلات” أميركياً صناعة القرار

محمد حسنين هيكل عام على أيقونة الصحافة

ترامب وفوبيا المؤتمرات

الانتخابات النيابية فلسفة الوجبة الناقصة

خطاب الكراهية المقارن ترامب وعبد الناصر

آستانة وجنيف سورياً

عن الرئيس ترامب محاصراً

 كاسترو ثائراً وحاكماً مختلفاً