المؤسسات الصغيرة والمتوسطة عصب التنمية!

عمر ملاعب

عمر ملاعب

يطغى الوضع السياسي المتأزم والجدل البيزنطي المستمر منذ ما يزيد عن ثلاث سنوات على معظم مفاصل الحياة العامة، حيث تغيب المفردات المرتبطة بالخطط التنموية والتخطيط الاستراتيجي للتنمية والإصلاح الإداري عن السمع.

خلال العقد المنصرم، مرّ الاقتصاد اللبناني بتغييرات هيكلية، فقبيل العام ٢٠١١ اعتمد الاقتصاد بشكل كبير على تدفقات رؤوس الأموال وتحويلات اللبنانيين العاملين في الخارج، مما ساهم في زيادة نسب الاستهلاك المحلي ووفر الدعم للقطاعات الخدمية كقطاع المصارف والعقارات والسياحة. غير أن التغييرات التي طرأت في المنطقة وخاصة اندلاع الثورة السورية بالإضافة إلى حالة عدم الاستقرار السياسي الداخلي في ظل غياب رئيس للجمهورية والتعطيل المستمر لعمل الحكومة، وتصنيف لبنان في مراتب متأخرة على مؤشرات الشفافية والاستقرار وسهولة ممارسة الاعمال، أثر بشكل سلبي وكبير على واقع الاستثمارات وتدفق رؤوس الأموال الخارجية، وفي ظل عدم وجود خطط بديلة وتنويع اقتصادي يسمح بامتصاص الازمات، ترافق التدهور الاقتصادي مع ازداد في الدين العام الى ما يزيد عن ٧٠ مليار دولار.

في ظل هذه الاجواء الضبابية، تغيب الرؤية التنموية عن مفاصل الحياة العامة إلا من بعض السياسات والقرارات الوزارية التي تعتبر بغالبيتها العظمى مجهود فردي لبعض الوزراء ولا تندرج من ضمن رؤية تنموية جامعة.

 تلعب المشروعات الصغيرة والمتوسطة دوراً محورياً في دعم اقتصادات الدول المتقدمة والنامية على حد سواء، فمن الناحية الاقتصادية تظهر الادبيات الاقتصادية علاقة وطيدة بين وضع خطط لتطوير المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وزيادة حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، بالإضافة إلى ذلك، وفي حالة البلدان النامية تظهر الاحصائيات بأن ٩٥ بالمئة من مجمل المؤسسات الخاصة تعتبر من ضمن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وفي لبنان تشكل هذه المؤسسات ما يزيد عن ٩٧ بالمئة من المؤسسات المسجلة في القطاع الخاص وتوظف ما يزيد عن ٨٢ بالمئة من القوى العاملة المسجلة.

DownTown

غير أن هذا القطاع المفصلي يعاني من عدد من المشاكل أبرزها غياب التشريعات الضرورية لحماية اصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة وغياب سياسات الدعم للمبدعين وتأمين مصادر التموين اللازمة عبر القروض الميسرة وغيرها. ولعل المشكلة الاساسية تكمن في غياب اعتماد تعريف موحد لهذه المؤسسات، فبين تعريف وزارة الاقتصاد التي تصنف المؤسسة كصغيرة أو متوسطة إذا قل عدد العاملين فيها عن ٢٠٠ شخص، يعتمد البنك المركزي في تعريفه على حجم مبيعات المؤسسات. اشكالية تفاوت معيار التعريف والتصنيف يؤثر سلباً على قدرة المؤسسات في الحصول على تمويل ميسر وتخلق لغطاً في تسجيل المؤسسات وما يتبعه من إجراءات قانونية.

مع العلم بأن الحكومة أنشأت في العام ٢٠٠٤ وحدة دعم المؤسسات الصغيرة ومتوسطة الحجم التابعة لوزارة الاقتصاد الوطني، غير أن هذه الوحدة بقدرتها وصلاحياتها المحدودة غير قادرة على مواجهة التحديات ورفع مستوى لبنان على مؤشر سهولة الاعمال الذي يقيس قابلية البنية التحتية اللبنانية والقوانين والتشريعات اللازمة لتوفير مناخ ملائم للاستثمار.

وفي ظل الوضع الاقتصادي المتردي وغياب الحلول والخطط التنموية الاجتماعية والاقتصادية، وغرق البلد في تعقيدات واشكاليات شكلية – أصبحت مفصلية- تشكل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة فرصة لخلق فرص عمل للشباب اللبناني والحد من هجرة الأدمغة والمساهمة في التنمية المحلية المتوازنة. فالمطلوب اليوم قبل اي وقت مضى وضع رؤية تنموية قائمة على خطط قصيرة ومتوسطة المدى تساهم في عملية التنمية لحماية الاستقرار.