لعبة الشارع والشوارع!

رامي الريس

رامي الريس

في الأنظمة  الديمقراطية  المتحضرة، حق التظاهر والتعبير عن الرأي في الشارع والساحات العامة هو حق مكفول تضمنه الدساتير وتصونه مؤسسات الدولة فتفرض إحترامه وتؤمن حمايته. وفي لبنان، رغم هشاشة نظامنا الديمقراطي ولوثته الطائفية والمذهبية، إلا أن مساحة الحرية فيه كانت متنفساً دائماً (حتى ولو إتسمت بالفوضوية في بعض الأحيان) في وقت كانت تتحكم أعتى الأنظمة الديكتاتورية بمستقبل الشعوب العربية وتقبض على حرياتها وتصادرها قاطبةٌ دون إستثناء، مرة تحت شعار الصراع مع إسرائيل وقضية فلسطين، ومرة تحت عنوان الأمن القومي والوطني فوق كل إعتبار!

Untitled

من هنا، فإن أي نقاش لمسألة حق التظاهر وحرية التعبير عن الرأي الذي يكفله الدستور اللبناني ليس من زاوية الحث على الانتقاص من هذا الحق على الاطلاق، فهو مكسب تاريخي وجب حمايته والحفاظ عليه وتطويره؛ إنما من باب البحث الجدي في سبل ترجمة المطالب المطروحة إذا ما كانت محقة ومشروعة في إطار المؤسسات الدستورية لتلبيتها وفقاً للظروف. ولا شك أن ثمة إشكاليات حقيقية في هذا المجال بفعل طبيعة وتركيبة النظام السياسي اللبناني.

الشارع المسيحي

 ولكن ما يطرح في هذه الآونة عن العودة إلى الشارع كمدخل لتفعيل المؤسسات والوصول إلى إنتخاب رئيس جديد للجمهورية ينطوي على التناقض في ذاته! فأيهما أسهل لإنتخاب الرئيس: تأمين النصاب في المجلس النيابي بعد حرمانه من الانعقاد لأكثر من أربعين جلسة إنتخابية متتالية أم إستعراض القوة الشعبية في الشوارع والطرقات؟

وإستطراداً، أي طريق هو الأقصر لحماية “الميثاقية”: العودة إلى المؤسسات الدستورية والمشاركة الفاعلة من خلالها أم النزول إلى الشارع ورفع اليافطات والأعلام والشعارات؟ ثم، بالحديث عن حقوق هذه الفئة أو تلك من اللبنانيين، كالمسيحيين مثلاً كما يقولون، هل تكون حمايتهم بإبقاء مركز الرئاسة الأولى شاغراً أم بإنتخاب رئيس جديد؟ وهل تؤمن حقوقهم بإضعاف الدولة ومشروعها وصولاً للإضمحلال والترهل والشلل؟ وهل تؤمن الميثاقية حصراً من خلال شخصٍ دون سواه ويتعذر تأمينها مع جميع الآخرين؟

البرلمان

لقد دارت لعبة الشارع دورتها على كل الأطراف السياسية اللبنانية. قلما وُجدت أطراف لم تُفاخر يوماً بجماهيرها الداعمة لخياراتها، والرافعة لشعاراتها، والهاتفة لحناجر قادتها والمصفقة لخطاباتها؛ لكن ماذا بعد؟

ألم تضطر جميع تلك القوى، بعد أن تناوبت على إستعراض القوة، أن تعود لتجلس بالتساوي على طاولة الحوار لتجترح تسوية سياسية هنا أم حلاً آنياً هناك؟

????????????????????????????????????

الشارع في لبنان تقابله شوارع! الشوارع والشوارع المضادة لا تولد الحلول السياسية! وإذا كانت تشكل تنفيساً لإحتقانٍ هنا، فإنها قد تولد إحتقاناً هناك!

فلنعد إلى المؤسسات الدستورية وكفى!

————————

(*) رئيس تحرير جريدة “الأنباء” الالكترونيّة

Facebook: Rami Rayess II

Twitter: @RamiRayess

اقرأ أيضاً بقلم رامي الريس

خمسون عاماً على “النكسة”: وكم من نكسات توالت!

عن الديمقراطية في فرنسا والميثاقية في لبنان!

لا، الدستور ليس وجهة نظر!

عن أوروبا والعرب والقمم!

زمن الإنحطاط!

عن النقاش الإنتخابي المدّمر!

لا، لسنا بحاجة الى شهاداتكم!

ترامب والمغامرات المكلفة!

الإنحدار نحو الشعبوية!

رسالة إلى العهد الجديد!

الحوار والتوافقية والمؤسسات!

يا لها من كذبة تاريخية!

“القناعة كنز لا يفنى”!

دار المختارة: صنعت التاريخ وتؤسس للمستقبل!

الإحتلال والطغيان والإرهاب!

هل أصبح إختصاص التاريخ من التاريخ؟

تراجيديا كاملة الأوصاف!

لثورةٍ حزبيّةٍ اﻵن!

إنتخابات الجبل: الرسالة واحدة!

الإنتخابات البلدية في العاصمة: هذه أبرز الخلاصات!