وليد جنبلاط داعية الوحدة في زمن الانقسام الطائفي والمذهبي

ناجي مصطفى (الأنباء)

images

في ظل حالة الموات والعدمية التي تعيشها الساحة اللبنانية، وهذا الجدل العبثي العقيم حول مفهوم الميثاقية والتباساتها المقصودة، في ظل هذا الفراغ الموحش والفظيع على مستوى العمل العام الذي يلف البلاد، يرسل وليد جنبلاط موفديه باتجاه القيادات اللبنانية المختلفة لدعوتها الى حضور افتتاح مسجد الامير شكيب ارسلان بعد اعادة تاهيله وترميمه في المختارة.

   وبعيدا عن عراقة هذا المسجد وقيمته من الناحية التراثية والمعمارية فان ما يهم اكثر هو مسألتين:

– توقيت هذا الافتتاح الذي ياتي في لحظة احتدام الصراعات المذهبية في المنطقة وانعكاساتها وتداعياتها على لبنان لا سيما اذا ما استمر هذا الاداء السياسي اللامسؤول عند بعض الاطراف المحلية الذي يشرع البلاد على شتى الاحتمالات.

– اطلاق اسم الامير شكيب ارسلان على المسجد بالنظر الى ما كانت ترمز اليه هذه الشخصية الفكرية والثقافية المتنورة من حرص على الدعوة الدؤوبة الى الوحدة الاسلامية طوال حياته ومن غيرة على تقدم الامة العربية والاسلامية والتي تكرست من خلال سؤال كبير عنون به احد اهم كتبه ومؤلفاته: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ وهو السؤال المركزي الاستراتيجي الذي لم تجر بعد اي محاولة فكرية جادة للاجابة عنه  رغم مرور نحو قرن من الزمان على طرحه.

قبل نحو شهر من الان كانت المختارة على موعد مع افتتاح الكنيسة الخازنية بعد ان جرت اعادة ترميمها وذلك في لقاء وطني جامع حضره البطريرك الراعي وقيادات سياسية وروحية مختلفة، واليوم تتحضر المختارة مجددا لافتتاح مسجد الامير شكيب ارسلان بعد ان اعاد ترميمه وليد جنبلاط والذي سيشكل بدوره مناسبة وطنية جامعة. ترى ما هي غاية الزعيم الاشتراكي اليوم من هذين الحدثين المتتاليين في عاصمة الزعامة الجنبلاطية؟ ولماذا تراه يحرص في كل مرة على لم شمل القيادات الوطنية والروحية اللبنانية؟ وما هي المقاصد والاهداف من وراء ذلك؟

لا شك ان الزعيم الاشتراكي، وهو القارىء الجيد للاحداث والمتغيرات باعتراف خصومه قبل حلفائه، يستشعر حجم المخاطر التي تعصف بالمنطقة في ظل سيناريوات سوداوية تدفع باتجاه اعادة تشكيل المنطقة من جديد على اسس طائفية ومذهبية وعرقية حتى لا سيما مع تغول العنف المسلح وبلوغه حدا غير  مسبوق  مترافقا مع تهجير ممنهج في سوريا والعراق لتشكيل مناطق ذات نقاء مذهبي وعرقي بتواطؤ دولي واقليمي، كل ذلك في ظل عجز عربي عن ايقاف دوامة القتل والاقتلاع والتهجير بعد ان جرى تدويل ازمات المنطقة وتشريع ابوابها نحو المقايضات بين الجهات الدولية والاقليمية المؤثرة والتي لا شك ان لبنان سيتاثر بها لا سيما في ظل مواقف لا مسؤولة يعبر عنها بعض مراهقي السياسة في استعادتهم لمفردات الفدرالية والتقسيم المنفرة والخطيرة في ان.

ان هذا المشهد القاتم الذي يلف المنطقة بحزام من النار والدمار والدخان هو بلا شك مبعث قلق وليد جنبلاط لا سيما في ظل فقدان الحد الادنى من المناعة الوطنية التي تحصن لبنان من الانزلاق الى مستنقع الموت والعنف والدم، ناهيك عن فقدان الحس الوطني عند كثير من الاطراف المحلية التي تتلهى في الجدل  حول جنس الملائكة كما هو النقاش الدائر حول مفهوم الميثاقية وتفسيراتها، غافلين او متغافلين عن ان البلاد لا تحتمل مثل هذا الترف النزق من المناظرات العقيمة التي من شأنها ان تعمق الهوة بين اللبنانيين في وقت احوج ما نكون فيه الى الكلمة التي تلم وتجمع بدلا من البحث والغوص في ما يفرق.

من هنا تأتي فرادة وليد جنبلاط في هذه اللحظة المفصلية من تاريخ الوطن ليطلق دعوته الى الاجتماع في المختارة لافتتاح مسجد الامير شكيب ارسلان، مع ما تمثله هذه المناسبة من مشهدية وطنية جامعة تشكل نوعا من الاعتراض على المسار الانحداري الذي بلغته العلاقة بين اللبنانيين من انعدام للروح الوطنية وتقدم للولاءات الطائفية والعصبيات الضيقة على معنى المواطنة المتساوية العادلة، وهي رسالة الى الطبقة السياسية مؤداها ان الاستمرار في تعطيل المؤسسات الدستورية وافراغها من محتواها الوطني الجامع يشكل المدخل الى الانهيار العام للوطن وبالتالي توفير فرص الحاقه بأزمة المنطقة وبالخرائط التي هي قيد التشكل عند صناع القرار لطالما اظهرنا كلبنانيين عدم قدرتنا على صيانة وحدتنا الوطنية ومؤسساتنا الدستورية وباننا دولة مارقة غير قابلة للحياة بمفاعيل ذاتية  ونحتاج دوما الى وصاية ما تنظم خلافاتنا واطماعنا وشهواتنا بالسلطة.

اقرأ أيضاً بقلم ناجي مصطفى (الأنباء)

اعتماد النسبية… مدخل الى الاخلال بالتوازنات الداخلية في لحظة احتدام طائفي على مستوى الاقليم

بين موسكو وطهران: اختلاف استراتيجيات في سوريا… أم أكثر؟!

غياب المشروع العربي فتح قابليات القوى الاقليمية للتوسع والسيطرة

لماذا شيطنة قانون الستين وتقديس النسبية؟

سقوط تدمر بيد “داعش” يكشف زيف ادعاء نظام الاسد بقتال الارهاب!

حرب الفيتوات المتقابلة تهدر فرص تأليف الحكومة وتعوق انطلاقة العهد!

وليد جنبلاط المسكون بهاجس التاريخ… قلق من لعبة الأمم!

بعد الانتخاب والتكليف ومساعي التأليف: حكومة الفرصة الأخيرة ما قبل الانهيار والفشل!

سيناريو إفتراضي لما بعد إنتخاب عون!

بعد تجاوز قطوع ترشيح عون… ماذا عن التكليف والتأليف؟!

الاستحقاق الرئاسي: بين سلة بري واستعجال عون!

الاستحقاق الرئاسي: بين ارتباك المستقبل ومناورات حزب الله!

عام على التدخل الروسي في سوريا: اي حصيلة واي نتائج؟

سوريا: قوى تتقدم وأخرى تنكفىء وأشلاء وطن تنزف دما وهجرة!

بعد ثورات الربيع… أليس لهذا الليل العربي من أخر؟!

عن الميثاقية المظلومة… ما لها وما عليها!

مستقبل سوريا: اخر محاولات للتسوية والا التقسيم

في ذكرى مصالحة الجبل: تأكيد الاصرار على العيش الواحد

لبنان في ثلاجة الانتظار… الى متى؟

زيارة وليد جنبلاط الى الصرح البطريركي… اي ابعاد؟