إنهم يذبحون قواعد اللغة العربية كل يوم

محمود الاحمدية

M.A

بالأمس وعندما كنت أتابع نشرة الأخبار على إحدى الفضائيات تفاجأت بالمقدم يخطئ عدة مرات في تحريك الكلمات مما جعلني “أطلع من ثيابي” حسب المثل الشعبي وأقفل المحطة وأنكب على كتابة هذه المقالة علّها تضيء شمعة في ليل إذلال لغتنا الجميلة…

أغلبية السياسيين، أغلبية الخطباء، أغلبية الأساتذة، أغلبية المشاركين في المناظرات السياسية، أغلبية الملمين بشؤون الناس، أغلبية الوزراء والنواب وحتى رؤساء الجمهورية، والقائمة تطول يقعون في أخطاء لغوية غير مسبوقة وغير مسموح لهم بأن يهمشوها ويحولونها من لغة عربية سليمة جميلة تشرقط بأجمل المعاني وتستريح لها النفس والفكر والخيال، إلى لغة تمحّي فيها قواعد الصرف والنحو ويحلّ فيها المفعول به بالفاعل والمبتدأ بالخبر، وتدوخ الفتحة والضمة والتحريك أين هو مكانها في الجملة مما يفتح النقاش طويلاً على كيفية إعادة ترتيب الأولويات على الصعيد العربي ابتداء من حسن استعمال هذه اللغة التي يتحدث بها مئات الملايين ويكفي أنها لغة القرآن الكريم… وهي من أبرز اللغات وأكثرها تداولاً بين الشعوب، هي اللغة التي نزل بها القرآن الكريم على الرسول الأمين النبي محمد صلى الله عليه وسلّم كما جاء في قوله جلّ وعلا: “إنا أنزلناه قرآنا عربيًا” (يوسف:12) وهي لغة جميع ما ورد في هذا الدين الحنيف مما جعلها تحوز قداسة خاصة في قلوب المؤمنين.

44
إلا أن اللّغة العربيّة ليست كغيرها من اللغات، وتعلّمها ليس بالأمر السهل فهو يتطلب الغوص والتعمق في علومها لفهمها والإلمام بها وهي تتألف من العديد من العلوم وأبرزها علم النحو وعلم النحو هو أحد علوم اللغة العربية ويُعنى بدراسة أصول تكوين الجمل وقواعد الإعراب، لذا تتمّ تسميته أيضًا بعلم الإعراب… ومعنى كلمة النحو في اللّغة العربيّة حسب ما وردت في قاموس المحيط “نحا ينحو أُنحُ نحوًا نحوَ الشيء وإليه… مثلاً نحا الصديقان إلى المقهى أي مالا إليه وقصداه… نحا الطالب نحو أستاذه: سار على أثره وقلّده وعندما نقول نحا عنه: لم يقتدِ به ونحا عن نفسه الجبن والكسل أي أبعده وأزاله… ويرجع سبب تسميته بالنحو لقصد المتكلم أن يتكلم مثل العرب أيّ ينحو منحاهم ومن خلال علم النحو أصبح من الممكن التمييز بين الإسم والفعل والحرف والتفريق بين المعرب والمبني وتمييز المرفوع من المنصوب من المجرور من المجزوم بالإضافة إلى تحديد العوامل المؤثرة على ذلك… وأول من وضع علم النحو هو العالم الجليل أبو الأسود الدّؤلي، وكان السبب الذي دفعه إلى ذلك هو سماعه لأعجمي يقرأ القرآن بطريقة غير صحيحة الأمر الذي جعله يشعر بأهمية وجود هذا العلم وضرورة تعليمه للجميع… كما أن هنالك عدد من المؤسّسين لهذا العلم أشهرهم سيبويه، وعبدالله بن أبي إسحق والغراهيدي ومن أبرز المؤلفات حول علم النحو كتاب “أوضح المسالك إلى ألفية إبن مالك” لإبن هشام الإنصاري وكتاب (الكافيّة) لأبي عمر بن الحاجب وغيرها العديد من الكتب.

وتعلم علم النحو جزء لا يتجزأ من الإلمام باللغة العربية، لما له من أهمية كبيرة في اللغة، كونه يهدف إلى تحديد الأساليب التي تكوّنت بها الجمل، ومواضع الكلمات، ووظيفة كل منها، بالإضافة إلى ذلك فإنه يعمل على تحديد الخصائص النحوية مثل الإبتداء الفاعلية والمفعولية أو الأحكام النحوية مثل التقديم التأخير الإعراب والبناء التي إكتسبتها الكلمة من موضعها أو حركتها أو مكانها في الجملة، لذا فإن النحو هو الذي مكّن فهم الكلام بحسب إعرابه بحيث يتمّ التمييز بين المسند والمسند إليه، والفاعل والمفعول، وغيرها الكثير من القواعد التي بإهمالها ينقلب معنى الجملة بأكمله كما أنّه يمكن للمتكلّم التّكلم بلغة سليمة وصحيحة، الأمر الذي يؤدي إلى استقامة اللسان أثناء الحديث والقراءة…

مع إعتذاري عن اللغة الأكاديمية المحلة التي استعملتها في هذه المقالة، فمّما لا شك فيه أننا أصبحنا على درجة من الإفلاس اللغوي لا يستهان به…

لقد أصبحت هذه الأمة في مؤخرة الأمم على كل الأصعدة، فأقلّها أن نحافظ على لغتنا وقواعدها وسلامة النطق بها…

أتمنّى أن تتابعوا وسائل الإعلام وستظهر الصورة جلية واضحة وباختصار شديد أننا وبشكل جماعي نذبح لغتنا الجميلة كل يوم…

مقالتي أردتها أن تصلّ إلى حيث يجلب أن تصل لَعلّها تقدّم على تواضعها قيمة مضافة والله ولي القصد.

اقرأ أيضاً بقلم محمود الاحمدية

مثلث نفق بحمدون… حكاية وطن ينهار!

انتحر… انتحرا… انتحروا… والخليوي ينتظر على الرصيف!

8000 “دراكيولا” يعيشون على دماء اللبنانيين ليلاً نهاراً!

عن المشاريع الإنتخابية التقسيمية!

كمال جنبلاط وكتاب العلاج بعشب القمح والبيئة والغذاء

نعم لماكرون… ألف كلا للوبين…

سمير فرنجية: ما زال صوتك الهادر يضج في وجداني

إسمنت الأرز… إسمنت الانتحار

وقفة المختارة والكوفية الفلسطينية والعروبة

باستشهاد كمال جنبلاط فَقد العالم أحد عظمائه

الأرقام المذهلة تكشف عورة العرب

الوحوش البشرية والضمائر الميتة

بلدية عبيه: صفر نفايات… التحوّل من النقمة إلى النعمة

لبنان: من عضو مؤسّس للأمم المتحدة إلى قاتل للطيور

إِذا لم ترتقِ… بَلا الفايسبوك… يرحم أبوك

معالي وزير البيئة: تحمّل صراحتنا

فريد الأطرش في ذكراه لـ42: عالميته ببعض الوثائق والأرقام

ممنوع عليك أن تكون آدمياً

فخامة الرئيس.. دولة الرئيس.. هذا ما يريده الناس بكل بساطة!

مؤتمر مراكش 2016 لتغيّر المناخ: هل يرفع التحدي لإنقاذ البشرية؟