جسور اسطنبول

د. قصي الحسين

حتى حين من الدهر، كانت العبارات وحدها تجمع بين ضفتي البوسفور. وكانت السفن وحدها تشرع في بحر مرمرة. تصل بين المتوسط والبحر الأسود. وكان عبور التاريخ باتجاه واحد. من الشرق إلى الغرب. وكانت تركيا تحافظ على تركيا نفسها: نصف منها شرق ونصف منها غرب. شطران باعدت بينهما الجغرافيا فلا يلتقيان.

بدت جسور اسطنبول وكأنها انقلاب على الانقسام في التاريخ وفي الجغرافيا. تضع حداً لصراع الهوية: شرق – غرب. وتضع حداً لصراع المجتمع: مدني – عسكري. وتضع حداً لصراع الدين: اسلامي – مسيحي. وتجسر بينهما جميعاً في رؤية مشتركة وموحدة لمكانة تركيا ومستقبلها، كمنـزلة بين المنـزلتين: الحضارة الإسلامية ومحيطها الشرقي. والحضارة المسيحية ومحيطها الغربي.

وبدت جسور اسطنبول، كمدخل للسياسة العامة، العنصر التكويني والجوهري للبلاد المترامية في آسيا وأوروبا: في اسطنبول الأسيوية وفي اسطنبول الأوروبية. دستور واحد. ومؤسسة عسكرية واحدة. وعملية سياسية ديمقراطية واحدة: تخطط وتبني وتنفذ، دون إكراه ودون احتكار.

وعلى أساس متين من ذلك، بدت سياسة تصفير المشاكل وحتى تصغيرها، تأخذ طريقها إلى النور. وبدت التسوية السياسية للمشكلات الداخلية، وتثبيت قواعد الجسور. وبدت المسألة الكردية في لب الاهتمامات السياسية الداخلية. فتجاهل أخطاء الماضي ليس من سلوك الدول الكبرى. وحلها لا يأتي من جسر واحد: الديمقراطية وحقوق المواطنة، والمزيد من الرفاهية الاقتصادية والانفتاح الديمقراطي، إيذاناً لحراك سياسي واجتماعي على المستويين الرسمي والأهلي، للتسوية النهائية للمسألة الكردية، باعتبارها مسألة داخلية لا تحتاج إلاّ إلى تجسير مع تركيا التاريخية.

turkey

وأولت جسور اسطنبول أهمية كبرى لمبدأ الأخوة والمواطنة والالتزام بالديمقراطية وحقوق الإنسان. فبها تنطلق السياسة الخارجية بقوة. وبها تكون الدولة قائدة على مستوى الجوار الاقليمي، وعلى مستوى الساحة الدولية، وحيث تجعل من السلطة، حداً فاصلاً بين حقبتين، تركيا القديمة وتركيا الجديدة. فعلى جسور اسطنبول، اجتمعت الإرادات مع الرغبات. وبها تم التوافق على البرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية. تلك التي تلبي الاحتياجات لِجَسْرِ التباين الثقافي والتباين الحضاري والفكري والعقائدي والديمغرافي بين أطياف جميع مكونات المجتمع التركي.

وعلى جسور اسطنبول، كانت اليد الممدودة لشروط الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ومعاييرها. والتكيف مع أوضاعها في ظل تشريعات واتفاقيات تكون في طليعتها: الحرية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية وسيادة القانون. وعلى الجسور نفسها كانت المناداة لعبور معايير “كوبنهاغن” كمدخل ومرجعية، ولو بإدخال تعديلات في بنية النظام السياسي والمبادئ الكمالية المؤسسة.

وتشرح جسور اسطنبول فهمها للعلمانية بأنها غير معادية للدين. وأنها مهندسة للمجتمع وداعية لتشكيله. وهي تنتظم الحياة الديمقراطية وجَسْراً إلى المجالين: العام والخاص وربطاً للدولة: بمؤسساتها وبمواطنيها ومنظماتهم وجمعياتهم الأهلية لأجل الاستقرار التام. وإذ تدعو لبقاء الدين في مكانه المقدس وداخل ضمير كل فرد، فإن جَسْرَها بالمجتمع إنما هو ضمانة لحرية الدين والضمير، في خدمة خصائص الدولة لا أفرادها.

فجسور اسطنبول تتطلع لرؤية تركيا، لا شرقية ولا غربية. فهي كدولة مشرقية ذات تطلعات غربية، تجعل من مركزها دولة سيادية ذات فعالية بين الشرق والغرب. تَجْسرُ بين الدول المشتركة في الموروث التاريخي والديني، وبين الدول المغايرة لها في الموروث، بهاجس التطلع إلى الاتحاد مع مستقبل متغير كل يوم في أوروبا الاتحادية.

تؤكد جسور اسطنبول رؤية تركيا، دولة مركزية موحدة ومحورية على ضفتي الشرق والغرب. انطلاقاً من إعادة توجيه سياستها الخارجية على ضوء وعيها لمكانتها الجيوستراتيجية والجيوثقافية.فلا تكون تركيا جسراً بين شرق وغرب، بل هي مركز الجسر، الفاعل والمبادر في القضايا الاقليمية والدولية كافة. فهذا لمما عزز مكانة تركيا كتجربة فريدة في الجغرافيا والتاريخ معاً، منحها تأثيراً عظيماً في المحافل والمنظمات الاقليمية والدولية.

وجسور اسطنبول يجب أن تعاد قراءتها بعد انقلاب 16/7/2016 وبعد الانقلاب على الانقلاب. فالرؤية الموحدة للجسر بين المدني والعسكري في الشأن السياسي، وبين سلطة الإدارة الدولتية وسلطة الإرادة  الشعبية، لمما يدعو إلى رفع مستوى احترافيتها في الشأنين المدني والعسكري، لحماية تركيا الأفق والموج والحفاظ على وحدتها من الأخطار الداخلية والخارجية على السواء.

غيرت إذن جسور اسطنبول من مسار سياسات الهوية إلى مسار سياسات الخدمات الإنسانية. دعت إلى تفكيك المسائل وهوياتها التاريخية والثقافية وجعلها مسائل سياسية واجتماعية وخدماتية واقتصادية ذات قدرات تغييرية مستقبلية. ومن ملية الدولة، إلى ملية دولة الشعب بدأ الجسر بين مرحلتين: مفهوم شعب الدولة ومفهوم دولة الشعب، لأجل الصمود والإنبناء. فلم تعد تركيا تحتاج إلى كاسر الموج حتى تصون نفسها من الغرق والردم، بل هي تصعد على جسر متين كقوة اقليمية في مناطق نفوذها الجغرافية لتحقق قفزات نوعية وتطورات سريعة في مستويات من الحضارة، لا السائدة وإنما المرتقبة.

(*) أستاذ في الجامعة اللبنانية

اقرأ أيضاً بقلم د. قصي الحسين

 مع تيمور جنبلاط تراث كمال جنبلاط في الحفظ والصون

جدوى “دراسات المستقبلات” أميركياً صناعة القرار

محمد حسنين هيكل عام على أيقونة الصحافة

ترامب وفوبيا المؤتمرات

الانتخابات النيابية فلسفة الوجبة الناقصة

خطاب الكراهية المقارن ترامب وعبد الناصر

آستانة وجنيف سورياً

عن الرئيس ترامب محاصراً

 كاسترو ثائراً وحاكماً مختلفاً

التسامح السياسي وآفاقه في لبنان

صادق جلال العظم سورية في القلب

الاتحاد الأوروبي ولعنة الهويات

العجز عن لبنان

وحدة القطبية والاستبداد

حسن إدارة الإنقسام أولاً

رحيل شريف فياض أضاء الشعلة ومشى

لبنان: ديوان المظالم

قراءة معمقة في كتاب “أنسنة الدين”

حرب عالمية فوق سورية لتدوم وتدوم

سورية الذبيحة في هانغشتو