ما هو اللغز الحقيقي لرأس المال؟

بقلم هيرناندو دى سوتو

Untitleduuu

ماذا أصبح تكوين رأس المال يمثل لغزا كبيراً؟ ولماذا لم تشرح دول العالم الغنية لغيرها من الدول أن نظام الملكية الرسمي لا غنى عنه لتكوين رأس المال؟

تجول في معظم الطرق في الشرق الأوسط، أو الاتحاد السوفياتي السابق، أو أمريكا اللاتينية وسترى أشياء كثيرة: هناك بيوت تستخدم كمأوى، وقطع من الأراضي يجري حرثها وزرعها وحصادها؛ وسلع يجري شراؤها وبيعها. والأصول في البلدان النامية والبلدان الشيوعية السابقة تخدم في الأساس هذه الأغراض المادية العاجلة. غير أن نفس الأصول تحقق أيضا، في الغرب، حياة موازية: كرأسمال خارج العالم المادي. إذ يمكن أن تستخدم لتحقيق إنتاج أكبر عن طريق كفالة مصالح الأطراف الأخرى “كضمان” للرهن العقاري مثلا، أو من خلال توفير أشكال أخرى من الائتمان والمرافق العامة.

لماذا لا تستطيع المباني والأراضي في أنحاء العالم الأخرى أن تحقق هذه الحياة الموازية؟ ولماذا لا تستطيع الموارد الضخمة في البلدان النامية والبلدان الشيوعية السابقة، التي يقدرها معهد الحرية والديمقراطية (ليما)، بمبلغ 3.9 تريليون دولار، كرأس مال غير منتج، أن تنتج قيمة تزيد على قيمة حالتها “الطبيعية”؟ وجوابي على ذلك هو أن وجود رأس المال غير المنتج يرجع إلى أننا نسينا (أو ربما لأننا لم ندرك في أي وقت) أن تحويل أصول مادية لتوليد رأس المال. كاستخدام منزلك لاقتراض نقود أو تمويل مشروع.ـ يتطلب عملية شديدة التعقيد. وهي تختلف كثيرا عن العملية التي علمنا إياها ألبرت اينشتاين ومؤداها أن قرميدة واحدة يمكن استخدامها لإطلاق كمية ضخمة من الطاقة في شكل انفجار ذري. وبالمثل فإن رأس المال هو نتاج اكتشاف وإطلاق طاقة محتملة ناتجة عن تريليونات القرميدات التي راكمها الفقراء في مبانيهم.

 

إيماءات من الماضي

يتعين علينا، لحل لغز رأس المال، الرجوع إلى المعنى الذي تطور للكلمة. ويبدو أن كلمة “رأس المال” كانت تعنى في لاتينية القرون الوسطى رؤوس الماشية أو غيرها من أشكال الثروة الحيوانية، التي كانت دائما مصادر مهمة للثروة بغض النظر عما تنتجه من لحوم وألبان وجلود وصوف ووقود. وتستطيع الماشية أيضا أن تتوالد. ولذا فإن لفظ “رأس المال” يبدأ في تحقيق عملين في وقت واحد، وهما أن يعكس البعد المادي للأصول (الثروة الحيوانية) وكذلك إمكاناتها في توليد فائض القيمة. ولم تكن هناك سوى خطوة قصيرة بين مخازن الحبوب وبين مكاتب مخترعي علوم الاقتصاد الذين قاموا بتعريف “رأس المال” بوجه عام بأنه جزء من الأصول التي تعطي فائض الانتاج، وتزيد الإنتاجية؟

وكان في يقين كبار الاقتصاديين التقليديين مثل آدم سميث، وبعد ذلك كارل ماركس، أن رأس المال يعتبر القاطرة التي توفر القوة المحركة لاقتصاد السوق. وقد أكد سميث في كتابه “ثروة الأمم” نقطة تكمن في لب اللغز الذي نحاول حله، ومؤداها أنه لكي تصبح الأصول المتراكمة رأسمالا نشيطا تعطي دفعة لتحقيق فائض الانتاج، فإنه يجب تثبيتها وتجسيدها في موضوع خاص “يستمر لبعض الوقت على الأقل بعد انتهاء العمل، وهذا يعني كمية معينة من العمل المختزن المزمع استخدامها، إذا دعت الضرورة، في فرصة أخرى”. وما أفهمه من عبارة سميث هو أن رأس المال ليس الرصيد المتراكم من الأصول ولكن ما ينطوي عليه من إمكانيات لنشر إنتاج جديد. وهذه الإمكانات تجريدية بالطبع، إذ يجب تجهيزها وإعدادها في شكل ملموس قبل أن نستطيع إطلاقها ـ مثل إمكانات الطاقة الذرية في قطعة القرميد التي أشار إليها أينشتاين.

وقد ضاع هذا المعنى الجوهري لرأس المال عبر التاريخ. فمعنى رأس المال اختلط الآن بالنقود، التي لم تعد واحد فقط من الأشكال التي يتحرك فيها رأس المال، ومن الأيسر دائما تذكر مفهوم صعب في أحد مظاهره الملموسة عن تذكر جوهره. والذهن يتجه نحو معنى “النقود” بشكل أيسر مما يتجه نحو معنى “رأس المال”. ولكن من الخطـأ افتراض أن النقود هي التي تحدد رأس المال في النهاية. فالنقود تيسر عقد الصفقات وتتيح شراء الأشياء وبيعها، ولكنها ليست في حد ذاتها مصدر الإنتاج الإضافي.

الطاقة الكامنة في الأصول

ماذا يثبت إمكانات أحد الأصول بحيث يستطيع توفير إنتاج إضافي؟ ما القيمة التي يمكن استخلاصها من منزل مثلا وتحديدها بطريقة تتيح لنا إدراك أنها تمثل رأس مال؟

في وسعنا أن نبدأ باكتشاف جواب على ذلك السؤال عن طريق استخدام مثال الطاقة السابق. دعنا نتصور بحيرة جبلية. إننا نستطيع أن نفكر في هذه البحيرة في محيطها المادي وننظر في بعض منافعها الأولية، مثل التجديف فيها وصيد الأسماك. ولكن عندما نفكر في هذه البحيرة ذاتها كما يفكر فيها المهندس من خلال التركيز على قدرتها في توليد الطاقة الكهربائية بواسطة محطة كهرومائية، أي كقيمة مضافة تتجاوز الوضع الطبيعى للبحيرة كمسطح من المياه، فإننا نرى فجأة الإمكانات التي يحققها وضع البحيرة المرتفع. والتحدي الذي يواجهه المهندس هو اكتشاف الوسيلة التي يستطيع بها تحويل هذه الإمكانية إلى شكل يمكن استخدامه لتحقيق عمل إضافي.

إن رأس المال، مثل الطاقة، قيمة نائمة. وإيقاظها لن يكون بالنظر إليها على أنها مجرد موجودات ولكن بالتفكير فيها يمكن أن تصنعه. ويتطلب الأمر عملية لتحويل الإمكانات الاقتصادية للأصول إلى شكل يمكن استخدامه للحصول على إنتاج إضافي.

ورغم أن العملية التي تحول إمكانات الطاقة في المياه إلى كهرباء معروفة جيدا، فإن العملية التي تعطي الأصول الشكل المطلوب لتحقيق المزيد من الإنتاج ليست معروفة. ويرجع هذا إلى أن العملية الأساسية لم يتم إعدادها بطريقة مدروسة لخلق رأس المال، ولكن من أجل غرض بسيط هو حماية الملكية. ومع نمو نظم الملكية في الدول الغربية، فإنها تطورت ببطء وتضمنت آليات متنوعة توحدت بالتدريج في شكل عملية تمخض عنها رأس المال بصورة لم تعرف من قبل.

عملية التحول الخفي في الغرب

بدأ نظام الملكية الرسمي في الغرب في تحويل الأصول إلى رأس المال عن طريق توصيف وتنظيم أكثر النواحي المفيدة اقتصاديا واجتماعيا المتعلقة بالأصول، والحفاظ على هذه المعلومات في نظام مسجل ـ مثل إدراجها في دفتر الاستاذ المكتوب أو على شاشة الكمبيوتر.ـ ثم تجسيدها في سند الملكية. وتحكم كل هذه العملية مجموعة من القواعد القانونية الدقيقة والمفصلة. ومن ثم فإن سجلات الملكية الرسمية وسندات الملكية تمثل مفهومنا المشترك لما هو مهم اقتصاديا بشأن أية أصول. وهي تهيمن وتنظم كل المعلومات ذات الصلة والضرورية لإدراك القيمة الكامنة في أية أصول مما يتيح لنا السيطرة عليها.

إن أية أصول لم يتم تحديد جوانبها الاقتصادية والاجتماعية في نظام رسمي للملكية يصبح تداولها في السوق صعبا للغاية. إذ كيف يمكن السيطرة على كميات ضخمة من الأصول التي يتغير مالكوها في اقتصاد سوقي عصري؟ وبدون هذا النظام، فإن الاتجار في أية أصول، ولو في قطعة من عقار، يتطلب جهدا ضخما لمجرد تحديد القواعد الأساسية للصفقة. هل يملك البائع العقار وله الحق في نقل ملكيته؟ هل يستطيع أن يرهنه؟ هل سوف يحظى المالك الجديد بالقبول من جانب من ينفذون حقوق الملكية؟ ما الوسائل الفعالة لاستبعاد المدعين الآخرين لحقول الملكية؟ هذا هو السبب في أن تبادل معظم الأصول خارج بلدان الغرب مقصور على دوائر محلية من الشركاء التجاريين.

ومن الواضح أن المشكلة الرئيسية للبلدان النامية والبلدان الشيوعية السابقة ليست الافتقار إلى القدرة على تنظيم المشروعات: فالفقراء كدسوا ما تبلغ قيمته تريليونات الدولارات من العقارات خلال السنوات الأربعين الماضية، ولكن ما يفتقرون إليه هو تيسير الحصول على آليات الملكية التي يمكن أن ترسخ قانوناً الإمكانات الاقتصادية لما يحوزونه من أصول بحيث يمكن استخدامها لإنتاج وتأمين وضمان قيمة أكبر لها في السوق الواسعة.

لماذا أصبح تكوين رأس المال يشكل هذا اللغز؟ لماذا لم تشرح الدول الغنية، السريعة في تقديم مشورتها الاقتصادية، كيف أن الملكية الرسمية لا غنى عنها لتكوين رأس المال؟ والجواب عن ذلك هو أن العملية داخل نظام الملكية الرسمي، التي تحول الأصول إلى رأسمال من الصعب جدا تصورها. وهي تتوارى خلف آلاف من بنود القوانين، واللوائح، والأنظمة والمؤسسات التي تحكم هذا النظام. أي شخص يقع في شرك هذا المستنقع القانوني سيضطر إلى تصور كيف يعمل هذا النظام بالفعل. والطريقة الوحيدة لتصوره تكون من خارج النظام. من القطاع غير القانوني الذي يمارس فيه زملائي وأنا معظم بحوثنا. وتنتج نظم الملكية الرسمية في بلدان الغرب ستة آثار تتيح لمواطنيها توليد رأس المال.

(1) تثبيت الإمكانات الاقتصادية للأصول. إذ أن رأس المال يولد من خلال التسجيل كتابة على شكل سند ملكية، أو ضمان، أو عقد، أو غير ذلك من الوثائق.ـ لأكثر الصفات الاقتصادية والاجتماعية فائدة في مواجهة النواحي اللافتة للنظر التي يمكن تصورها للأصول. وهذا ما يتم توصيفه وتسجيله في البداية بشأن القيمة الكامنة. وفي اللحظة التي تركز فيها انتباهك على سند ملكية منزل ما مثلا وليس على المنزل ذاته، فإنك تكون قد خطوت تلقائيا من العالم المادي إلى العالم الفكري حيث يعيش رأس المال.

والدليل الذي يثبت أن الملكية الرسمية هي مفهوم صرف يأتي حين يتغير ملاك المنزل: حيث لن يكون هناك تغيير مادي، فالملكية ليست هي المنزل ذاته وإنما هي فكرة اقتصادية بشأن المنزل، تتجسد في تمثيل قانوني لا يصف صفاته المادية ولكن يصف بالأحرى الصفات الاقتصادية والاجتماعية التي نعزوها نحن كبشر إلى المنزل (إمكانية استخدامه لأغراض متعددة لتوفير الأموال.  من أجل استثماره مثلا في مجال الأعمال دون الحاجة إلى بيعه  ليكون بمثابة ضمان للمقرضين في شكل توقيع الحجز عليه أو الرهن أو حق الارتفاق أو غير ذلك من العقود). وفي الدول المتقدمة يعمل هذا التمثيل الرسمي للملكية كضمان لمصالح الأطراف الأخرى وتحقيق الخضوع للمساءلة عن طريق توفير كل المعلومات، والمراجع، والقواعد، وآليات التنفيذ اللازمة لتحقيق ذلك.

ولذا فإن الملكية القانونية أعطت لبلدان الغرب الأدوات اللازمة لإنتاج فائض القيمة علاوة على أصولها المادية. وسواء أراد أي شخص ذلك أو لم يرد، فإن نظام الملكية القانوني أصبح بمثابة الدرج الذي صعدت عليه هذه البلدان من عالم الأصول في وضعها المادي إلى العالم الفكري لرأس المال حيث يمكن النظر إلى الأصول بكل إمكاناتها الإنتاجية.

(2) إدماج المعلومات المتفرقة في نظام موحد. يرجع سبب انتصار الرأسمالية في الغرب وانتشارها في باقي أنحاء العالم إلى إدماج معظم الأصول في بلدان الغرب في نظام تمثيلي رسمي واحد. ولم يتم هذا الإدماج عرضا. فخلال عشرات السنين في القرن التاسع عشر قام سياسيون ومشروعون وقضاة بتجميع الحقائق والقواعد المبعثرة التي كانت تحكم الملكية في المدن والقرى والمباني والحقول وإدماجها في نظام واحد. وأتاح هذا الإدماج لعناصر الملكية، وهو ما يمثل مرحلة ثورية في تاريخ البلدان المتقدمة، وضع كل المعلومات والقواعد التي تحكم الثروة المتراكمة لمواطنيها في قاعدة واحدة للمعرفة. وقبل هذه الفترة كان من المتعذر للغاية الحصول على معلومات. وكانت كل مزرعة أو مستوطنة تقوم بتسجيل أصولها وقواعدها التي تحكمها في دفاتر استاذ بدائية أو في شكل رموز أو شهادات شفوية. ولكن المعلومات كانت متناثرة ومتفرقة ولم تكن متاحة لأي عميل في أي وقت معين.

ولم تنشئ البلدان النامية والبلدان الشيوعية السابقة نظما موحدة للملكية الرسمية. وفي كل البلدان التي دارت بحوثي حولها لم أجد أي نظام قانوني واحد، بل وجدت عشرات ومئات النظم التي تمارسها كل أنواع المنظمات، بعضها قانوني والبعض الآخر غير قانوني، وتتراوح بين جماعات صغيرة تقوم بتنظيم المشروعات ومنظمات ضخمة تتولى أعمال الإسكان. ومن ثم فإن ما يستطيعه الناس في هذه البلدان تجاه ممتلكاتهم كان محدودا بتصور مالكيها ومعارفهم. أما في البلدان الغربية، حيث يتم معايرة المعلومات وتصبح متاحة للجميع، فإن ما يستطيع الملاك عمله بما لديهم من أصول يستفيد من تصور جماعي لشبكة واسعة من الناس.

ومما قد يثير الدهشة لدى القارئ الغربي أن معظم بلدان العالم لم تقم بعد بتوحيد اتفاقيات الملكية غير القانونية في نظام قانوني رسمي. وبالنسبة لسكان غرب أوروبا من المفترض أن يكون هناك قانون واحد، هو القانون الرسمي. غير أنه كانت القاعدة السائدة فيما مضى هي وجود ترتيبات مختلفة للملكية غير الرسمية في كل بلد، أما اعتماد الغرب على نظم موحدة للملكية فإنه يمثل ظاهرة لا يزيد عمرها على المائتي سنة الأخيرة. والسبب في صعوبة متابعة تاريخ توحيد تلك الطائفة الكبيرة من نظم الملكية، هو أن العملية استغرقت وقتا طويلا جدا من الزمن.

(3) إخضاع الناس للمساءلة. إن إدماج كل نظم الملكية في قانون رسمي واحد نقل مشروعية حقوق الملاك من المحيط السياسي للمجتمعات المحلية إلى السياق الموضوعي للقانون العام. وأدى إعفاء الملاك من قيود الترتيبات المحلية وإدخالهم في نظام قانوني أكثر اندماجا إلى تيسير إخضاعهم للمساءلة.

ونتيجة لتحويل الناس الذين لهم مصالح حقيقية في الملكية إلى أفراد خاضعين للمساءلة تحول الجمهور المختلف إلى أفراد محددين. فلم يعد الناس في حاجة إلى الاعتماد على علاقات الجوار أو اتخاذ ترتيبات محلية لحماية حقوقهم في الأصول. وبذلك تحرروا لكى يكتشفوا كيف يمكن توليد فائض القيمة من أصولهم الخاصة. ولكن كان هناك ثمن يتعين دفعه: إذ بمجرد دخول الملاك في نظام الملكية الرسمية فإنهم يفقدون وضعهم كأشخاص مجهولين في حين يقوى خضوعهم الفردي للمساءلة. فالأفراد الذين لا يدفعون ثمن السلع أو الخدمات التي استفادوا منها يصبح في الإمكان تحديدهم وتوقيع جزاءات عليهم في شكل فوائد وتغريمهم وفرض حظر على شحن السلع إليهم وخفض معدلات ائتمانهم. وفي وسع السلطات معرفة المخالفات القانونية والعقود التي لم تنفذ، ووقف الخدمات وفرض الحجز على الممتلكات وسحب بعض امتيازات الملكية القانونية. إن احترام البلدان الغربية للملكية والمعاملات ليس مسجلا في جينات مواطنيها وإنما هو ناجم من أن لديهم نظما للملكية الرسمية قابلة للتنفيذ. ويشجع دور الملكية الرسمية في حماية الملكية وكذلك أيضا تأمين المعاملات، المواطنين في البلدان المتقدمة على احترام سندات الملكية، وتنفيذ العقود والامتثال للقانون. ومن ثم فإن الملكية القانونية تدعو إلى الالتزام.

ولذا فإن افتقاد الملكية القانونية يفسر لماذا لا يستطيع مواطنو البلدان النامية والبلدان الشيوعية السابقة التوصل إلى عقود مربحة مع الأجانب ولا يستطيعون الحصول على الائتمان أو التأمين أو خدمات المرافق العامة: إذ ليس لديهم ممتلكات يخسرونها. ونظرا لأنه ليس لديهم ملكية رسمية، فإنه لا ينظر إليهم جديا على أنهم أطراف متعاقدة إلا من قبل أفراد أسرتهم وجيرانهم المباشرين. إن الأشخاص الذين ليس لديهم ما يفقدونه يجدون أنفسهم وقد وقعوا في شراك البيئة السيئة التي كانت سائدة في عصر ما قبل الرأسمالية.

(4) جعل الأصول قابلة للاستبدال. إن أحد أهم الأشياء التي يحققها نظام الملكية الرسمي هو تحويل الأصول من حالة تقل فرص التصرف فيها إلى حالة تزيد فرص التصرف فيها، وبذلك يمكن أن تحقق مهمة إضافية. وبعكس الأصول المادية، فإن الأصول القانونية يمكن تجميعها، وتقسيمها، وإسالتها بسهولة واستخدامها لتحفيز الصفقات التجارية. إذ من خلال فصل السمات الاقتصادية لأحد الأصول عن حالته المادية الصلبة فإن شكله القانوني يجعله “قابلا للاستبدال”، ويمكن تشكيله بحيث يصلح عمليا لأية صفقة.

ومع توصيف كل الأصول في فئات معيارية، يمكن نظام الملكية الرسمي الموحد من المقارنة بين بنائين مختلفين هندسيا تم إنشاؤهما لنفس الغرض. وهذا يسمح بالتمييز بسرعة وبدون تكلفة بين أوجه التماثل والاختلاف في الأصول دون أن تكون هناك حاجة للتعامل مع كل أصل منها كما لو كان فريدا في حد ذاته. ويتم أيضا في دول الغرب توصيف الملكية المعيارية كتابة لتيسير توحيد الأصول. وتقتضي قواعد الملكية الرسمية وجود أصول يتعين توصيفها وتمييزها بطريقة تبين ليس فقط سماتها الخاصة ولكن تشير أيضا إلى أوجه التشابه بينها وبين الأصول الأخرى، وبذلك تجعل أوجه التوحيد الممكنة الأخرى أكثر وضوحا. ومن خلال استخدام السجلات المعيارية، يستطيع المرء تحديد كيفية استغلال أصل ما بأكثر الطرق ربحية.

ويمكن التمثيل أيضا المرء من تقسيم الأصول دون أن يمسها. ففي حين أن أي أصل من الأصول كمصنع مثلا يمكن أن يكون وحدة لا يمكن تقسيمها في العالم الحقيقي، فإنه في العالم النظري لتمثيل الملكية الرسمية يمكن تقسيمه إلى أجزاء عديدة. ولذا يستطيع المواطنون في البلدان المتقدمة تجزئة معظم أصولهم إلى حصص يستطيع أن يمتلك كلا منها أشخاص مختلفون لهم حقوق مختلفة، ويردون وظائف مختلفة.

وسند تمثيل الملكية الرسمية يمكن أيضا أن يكون بديلا منقولا للأصول المادية، مما يتيح للملاك ومنظمي المشروعات محاكاة أوضاع افتراضية بغية استكشاف استخدامات أخرى مربحة لأصولهم. وفضلا عن ذلك فإن جميع وثائق الملكية الرسمية المعيارية تصاغ بطريقة تيسر قياس الأصول بسهولة. وأدى توفير المقاييس المتعلقة بنظم الملكية الرسمية الغربية إلى خفض ملحوظ في تكلفة صفقات حشد الأصول واستخدامها.

(5) ربط الناس في شبكات. ترتب على جعل الأصول قابلة للاستبدال، وربط الملاك بالأصول، وربط الأصول بالعناوين، وربط الملكية بالتنفيذ، وتيسير الحصول على المعلومات المتعلقة بتاريخ الأصول والملاك، تحويل نظم الملكية الرسمية للمواطنين في الغرب إلى منظمات عمل تتكون من عملاء تجاريين يمكن تحديدهم ومساءلتهم شخصيا. وقد خلقت عملية الملكية الرسمية بنية أساسية كاملة من أدوات الاتصال التي تتيح للأصول (القطارات)، مثلما تفعل أجهزة تحويل السكك الحديدية، أن تجري بأمان بين الناس (المحطات). ولا يتمثل إسهام الملكية الرسمية للجنس البشري في حماية أولئك الذين يحتلون الأراضي دون وجه حق، فمنظمات الإسكان وعصابات المافيا، حتى القبائل البدائية تحمي أصولها بكفاءة تامة. ولكن الإنجاز الحقيقي لنظام الملكية أنه أدى إلى تحسين جذري في تدفق الاتصالات بشأن الأصول وإمكاناتها، كما أنه عزز وضع الملاك.

وتقوم الملكية القانونية أيضا في دول الغرب بتزويد دوائر الأعمال بالمعلومات حول الأصول وملاكها، والعناوين المثبتة، والتسجيلات الموضوعية لقيم الملكية، وكلها تؤدي إلى تيسير عمليات الائتمان.

ويبدو أن الكثيرين يلاحظوا أن نظام الملكية القانونية لبلد متقدم يعتبر مركزا لشبكة معقدة للاتصالات التي تعبئ المواطنين العاديين لخلق روابط مع كل من الحكومة والقطاع الخاص، ومن ثم الحصول على سلع وخدمات إضافية. ومن الصعب، دون وجود أدوات الملكية الرسمية، تصور كيف كان يمكن استخدام الأصول في أي شئ مما أنجزته في دول الغرب.

(6) حماية المعاملات. من الأسباب المهمة التي تفسر كيف يعمل نظام الملكية الرسمية الغربي كشبكة موحدة، أن جميع وثائق الملكية (سندات الملكية، وصكوك الملكية العقارية، والضمانات، والعقود التي تصف الجوانب الاقتصادية البارزة للأصول) يتم تتبعها وحمايتها باستمرار خلال مراحل سيرها في الزمان والمكان. والهيئات العامة هي القيم على التمثيل في الدول المتقدمة. فهي تتولى إدارة الملفات التي تحتوى على الأوصاف المفيدة اقتصاديا للأصول، سواء كانت أراضي، أو مباني، أو قطعان ماشية، أو سفنا، أو صناعات، أو مناجم، أو مطارات. وهذه الملفات تنبه أي شخص يتوق إلى استخدام أحد الأصول إلى الأشياء التي قد تقيد أو تعزز استخدامها، مثل الديون العقارية، أو حقوق الارتفاق، أو عقود الإيجار، أو المتأخرات، أو الإفلاس، أو الرهن العقاري. وبالإضافة إلى النظم العامة لامساك السجلات أنشيء الكثير من الخدمات الخاصة الأخرى (مثل منظمات الضمان المجمد، أو المنظمات المقفلة، أو المثمنون) لمساعدة الأطراف على تثبيت أو تحريك أو تتبع تمثيل الأصول لكي يمكن أن تنتج فائض القيمة بسهولة وأمان.

ورغم أن النظم الغربية أنشئت لحماية أمن الملكية والمعاملات على السواء، فمن الواضح أنها تؤكد على المعاملات. ويتركز الأمن في الأساس على توفير الثقة في المعاملات لكى يسهل على الناس جعل أصولهم تحظى بمعاملة موازية كرأس المال. والتأكيد في الغرب على أمن المعاملات يسمح للمواطنين بتحريك كميات كبيرة من الأصول بقدر قليل جدا من المعاملات. وفي البلدان النامية، على العكس، يقع القانون والهيئات الرسمية في شراك القانون الاستعماري والروماني السابق الذي يميل إلى حماية الملكية، وبذا أصبحت حامية لرغبات الموتى.

الخلاصة

يحدث قدر كبير من تهميش الفقراء في البلدان النامية والبلدان الشيوعية السابقة بسبب عدم قدرتهم على الإفادة من الاثار الستة التي تحققها الملكية الرسمية، والتحدي الذي تواجهه هذه البلدان ليس ما إذا كان ينبغي لها أن تنتج أو تتلقى أموالا أكثر، ولكن ما إذا كانت تستطيع أن تدرك قيمة المؤسسات القانونية والتزود بالإرادة السياسية اللازمة لإقامة نظام للملكية يمكن للفقراء استخدامه بسهولة.

وقد رأى المؤرخ الفرنسي فرناند بروديل أنه مما يثير الحيرة الشديدة أن الرأسمالية الغربية في مستهل وجودها كانت في خدمة القلة الممتازة فقط، وهو ما يحدث تماما في كل مكان من العالم اليوم :

” إن المشكلة الرئيسية هي اكتشاف السبب في أن ذلك القطاع من المجتمع الذي لا أتردد في وصفه بأنه رأسمالي، كان يتعين عليه في الماضي أن يعيش كما لو كان في ناقوس زجاجي لا صلة له بأي شئ آخر، ولماذا لم يكن هذا القطاع قادرا على التوسع وغزو المجتمع كله؟… [ ولماذا كان] تكوين نسبة كبيرة من رأس المال ممكنا في قطاعات معينة فقط وليس في كل الاقتصاد السوقي في ذلك الزمن؟ “.

أعتقد أن الرد على سؤال بروديل يكمن في وجود قيود تحول دون الحصول على الملكية الرسمية، سواء في الغرب فيما مضي أو في البلدان النامية والبلدان الشيوعية السابقة اليوم. إن المستثمرين المحليين والأجانب لديهم رؤوس أموال، وأصولهم إلى حد ما متكاملة، وقابلة للاستبدال، ومتشابكة وتحظى بحماية نظم الملكية الرسمية. ولكنهم أقلية ضئيلة فقط تتكون من أولئك الذين في وسعهم تحمل نفقات المحامين الخبراء، والاتصالات مع أصحاب النفوذ، والصبر، وهي أمور ضرورية للتغلب على الروتين السائد في نظمهم المتعلقة بالملكية الرسمية. أما الأغلبية الكبيرة ممن لا يستطيعون جنى ثمار عملهم الذي يمثله نظام الملكية الرسمية، فإنهم يعيشون خارج الناقوس الزجاجي الذي أشار إليه بروديل.

إن الناقوس الزجاجي يجعل الرأسمالية ناديا خاصا لا تدخله إلا النخبة القليلة من أصحاب الامتيازات، ويثير غضب الملايين الذين يقفون خارجه متطلعين إليه. وهذا التمييز العنصري الرأسمالي سوف يستمر إلى أن يتم تصحيح الخلل الشديد الذي يسود النظم السياسية والقانونية في كثير من البلدان، وهي النظم التي تحول بين الأغلبية وبين الدخول في نظام الملكية الرسمية.

وقد حان الوقت لمعرفة لماذا لم تستطع معظم البلدان إنشاء نظم مفتوحة للملكية الرسمية. هذا هو الوقت الملائم، حيث يقوم العالم الثالث والبلدان الشيوعية السابقة بأكثر محاولاتهما طموحا لإقامة النظم الرأسمالية، ولإزالة هذا الناقوس الزجاجي.

——————————–

(*) ملخص الفصل الثالث من كتاب المؤلف “لغز رأس المال: لماذا تنتصر الرأسمالية في الغرب وتفشل في أماكن أخرى”.

(**) مؤسس معهد الحرية والديمقراطية في البيرو ومؤلف كتابي: “الطريق الآخر” ز”لغز رأس المال”، حائز على جائزة ميلتون فريدمان للحرية 2004.

 (***) نشر في مجلة الفكر التقدمي العدد 22 – كانون الاول 2015