مآذن اسطنبول وإدارة التنوع

د. قصي الحسين

K.H

لمآذن اسطنبول، دلالة على حنين الشعب التركي إلى جذوره الإسلامية. وقطف حزب العدالة والتنمية هذا الحنين بالوصول إلى السلطة. وتسلم أردوغان دفة البلاد: أحزاباً تركية إسلامية متنوعة وشعباً تركياً متنوعاً. وعبر رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو، اثناء توليه وزارة الخارجية في اجتماع لفرع حزب العدالة والتنمية في مدينة قونية: نيسان/ ابريل 2014 عن الهدف الأسمى له، حين قال: “إن حزب العدالة والتنمية ليس مجرد حزب سياسي، بل حركة تاريخية تمثل بصدق رغبات الشعب التركي”.

وفرضت التناقضات الكبيرة والاختلافات الجوهرية نفسها على تركيا منذ ظهور حركة مصطفى كمال أتاتورك العام 1923. وتقدم الجيش كحارس وحامي ومخلص للدولة والمجتمع وترك للعملية السياسية في تركيا أن تأخذ مداها البنياني في البلاد، تحت شعار علمانية الدولة، خصوصاً بعد دستور 1961، من خلال المحكمة الدستورية ومجلس الأعيان، ومجلس القضاء الأعلى ومجلس الأمن القومي ومجلس التعليم العالي والمجلس الأعلى للإذاعة والتلفزيون والإعلام.

جامع_الفاتح_اسطنبول2
وتتحسس مآذن اسطنبول، منذ العام 1923 وظهور تيار العلمانية الحاكم وألوية الجيش الداعم، من الالتزام بوصايا ونواهي العلمانية، ومن الإلتزام بأوامر الألوية العسكرية. وترى فيها تقييداً لحريتها وعرقلة لطموحاتها وخفضاً لأذانها ومعه صوتها الإسلامي المعبر والمعمر، ورسالتها الإسلامية السنية المعبرة والمعمرة.

وعانى حزب العدالة والتنمية، قبل بلوغه السلطة بالانتخابات الديمقراطية وبعدها، من كتم صوته، ومن الحرب عليه، ومن كثرة الانقلابات التي استهدفته. فالصراع على الحرية أولاً وعلى السلطة ثانياً كهدف منشود مع العلمانية ومع الألوية الأمنية جعله في مواجهة مع التنظيمات والحركات والجبهات العلمانية وكذلك مع الألوية العسكرية:

1- واجه منظمة أرجنكون: وهي حركة وجمعية سرية تأسست في تسعينيات القرن العشرين. وهي تضم قيادات وشخصيات وجنرالات وأساتذة جامعات، يجدون في أنفسهم حماة الخط لمؤسس تركيا الحديثة القائد التركي التاريخي الجنرال مصطفى كمال أتاتورك. وبلغت المواجهة بين منظمة أرجنكون العلمانية وحزب العدالة والتنمية أعلى درجات عنفها بعد وصول الحزب إلى السلطة في العام 2007 واتهمت بالتخطيط لقلب حكومته في العام 2003 أيضاً.

mustafa kamal atatork
2- وواجه حزب العدالة والتنمية “منظمة المطرقة” في العام 2010 بتهمة محاولة الانقلاب على حكومته. وأما التهمة فهي من قبيل ملابسات اجتماع كبار الضباط في قيادة الجيش العام 2003 للإطاحة بحكومته، وبتفجير مسجد الفاتح، والاعتداء على مآذن اسطنبول.

3- وضاق الحزب ذرعاً بمضايقات العلمانيين له، وقد تصدى المدعي العام التركي لحزب العدالة والتنمية والعمل على حظره وحظر النشاط السياسي لرجب طيب أردوغان لدى المحكمة الدستورية في آذار 2008، متهماً إياه بارتكاب أنشطة تتعارض مع العلمانية. وحرمت المحكمة الحزب من جزء من تمويله العام، كرد فعل على نجاحه الساحق في انتخابات العام 2007. ومنعت 71 من أعضاء الحزب من ممارسة النشاط السياسي .

4- وللضغط على الحزب، قدمت قيادة أركان الجيش التركي استقالتها بصورة جماعية. وكان في الطليعة رئيس هيئة الأركان العامة الجنرال أسيسك كوشانير وقادة القوات البرية والبحرية والجوية في 29 تموز / يوليو 2011. وصرح الجنرال كوشانير في رسالة إلى الضباط المسجونين على هامش تحركهم ضد الحزب: إنه استقال لأنه لم يعد قادراً على الدفاع عن حقوقهم. وأن الحزب يمارس الكيدية ويحتال في الاجراءات القانونية ضدهم. وأن الاعتقالات لا تسنتد إلى أدلة ملموسة.

KURDS
5- المسألة الكردية الضاغطة على حزب العدالة والتنمية واستنـزاف الدولة اقتصادياً والإطاحة به، والدعوى علانية لعدم الوثوق بوعود الرئيس أردوغان لتنمية البنى الاجتماعية والسياسي داخل المجتمعات الكردية، والتأثير السلبي على طبيعة العلاقات مع الدولة الاقليمية المجاورة: العراق وسورية وإيران وروسيا. واستخدامها ذريعة لتشويه العلاقة مع أميركا واستخدامها أوروبيا لعرقلة مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

6- الصراع مع التيارات الإسلامية، وخصوصاً جماعة “غولن” المعروفة باسم “الخدمة”، حيث اتهمها الرئيس أردوغان في كانون الأول/ ديسمبر 2013، بتشكيل دولة موازية داخل الدولة وتهديد أمن البلاد وسلامة الدولة التركية، وسماها:”التنظيم الموازي”. وحمل بعد ذلك على أعضائها وأقصاهم عن وظائفهم في الدولة. وبذلك بدأ حزب العدالة والتنمية يخوض صراعاً مع العلمانيين ومع الإسلاميين على حدّ سواء، ويطلق عليهم صفات الشيطنة والاتهام بالخيانة، والعمالة، ولا يحاذر التعرض حتى للقضاة والعسكريين.

وهذه النقاط الست التي ذكرناها والتي يتحسس منها حزب العدالة والتنمية يجب على أردوغان أن يعيد النظر في قراءتها، من مركز الحزب الوطني التركي الحاكم المسؤول ومن مركز الرئيس التركي الوطني والإسلامي الحاكم المسؤول، ولا بد من التحول إلى تبني الشروط البنيانية لمبادئ الحزب ولمبادئ المسؤولية. إنّ لاعتبار العلمانية شرطاً للديمقراطية ولضمان حرية الدين والوجدان من جهة، أو لاعتبار المؤسسة العسكرية سياجاً للدولة الوطنية والقومية والإسلامية من جهة أخرى، أو لاعتبار الأحزاب كافة: الكردية والإسلامية والتنوع الاثني والعرقي، مصدر غنى للدولة، لا مصدر إفقار وشرذمة وضعف. فعلى فخامة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي يستنجد بمآذن تركيا اليوم، للإطاحة بانقلاب 16/7/2016، أن يجعلها تدخل في خدمة حسن إدارة التنوع في تركيا دولة وشعباً على حدٍّ سواء بعد اليوم.