توقيع نواكشوط

د. قصي الحسين

K.H

أصرت الشقيقة موريتانيا على عقد القمة العربية في عاصمتها نواكشوط تحسساً منها لكرامتها العربية ولشرفها العربي الذي لم يعد يشرف أحد، لا من أهلنا العرب ولا ممن يلوذ بهم، مع النهايات المتسخة التي لاثت بها القمة والحِلَلُ على حدّ سواء. وهذا لعمري أشرف توقيع على قمة عربية عادية (الاثنين 25/7/2016) ليومين متتاليين اختصرا في يوم واحد إمعاناً بالذلّة.

وهي القمة “السابعة والعشرون 27″، بعد القمم السابقة. وتعقد في نواكشوط العاصمة الموريتانية، والتي وجد فيها القيمون الرسميون انتصاراً لكرامتهم العربية المنقوصة، وتجديداً لعروبتهم المهدورة، وتشريفاً للتواقيع العربية مع توقيعها، بعد (ست وعشرين – 26) قمة مضت، حظيت بها دول عربية غير محظوظة لمرة واحدة، بينما حظيت بها الدول المحظوظة لمرات. وتأخرت موريتانيا المغربية العربية حتى حظيت بها، وتأخرت معها حظوة عاصمتها نواكشوط بها، إلى اليوم.

ثلثا قرن من الزمن مضى على أول قمة عربية إنشاص تقريباً، والشقيقة العربية المغربية موريتانيا تتعذب، وتتعذب معها ابنتها الكبرى: العروس نواكشوط، لئن أهل العروبة لم يعترفوا بنسبها لهم، ولم يوقعوا ولو مرة واحدة على توقيعها العربي. كان الأهل يتبرمون بنسبها، ضعة لها. فهم أعظم منها جاهاً ومالاً وخيلاً وخيالاً. وهم أعظم منها تاريخاً وحضارة. هم أبلغ منها حنكة وسياسة وعمالة، ولو مع شتى شعوب الأرض: من شعب الأنكا في أمريكا حتى الشعب الأيزيدي في سنجار.

صدقوني إن الشقيقة موريتانيا كانت لثلثي قرن من الزمن مضى تتعذب في سرها لأنها لم تذق في حياتها بعد، من إرث أشقائها في القمم، طعم قمة قط، ولا ظفرت من إرث حللهم في القمم بحلة على غرار حللهم قط.

نواكشوط

لهذا ربما، تكثف السلطات الموريتانية استعداداتها لاستضافة هذه القمة التاريخية، هذه الخطوة العربية التاريخية، هذا الشرف العربي التاريخي بذيله الطويل حتى داعش، هذه اللقيا التاريخية، هذه الحلل التي لاثت بتواريخ ذلٍ تاريخية حقاً: 1947 و1948 و1956 و1967 و1975 و1982 و1990 و2001 و2003 و2005 و2006، وآخرها ذل الربيع العربي المظفر في العام 2011، والذي يجتاح اليوم العالم بعد أن تربى في جحور المتآمرين العرب.

واستعجلت العاصمة الموريتانية/ نواكشوط وزراء الخارجية العرب قبل شهر لإقرار المشاريع ورفعها. واستعجلت أيضاً تجهيز مطار “أم التونسي” قبل ثلاثة أشهر ليكون مفاجأة القمة. واستعجلت أيضاً الانتهاء من الخيمة الكبيرة إلى جوار قصر المؤتمرات، لأنها في الوعي الجمعي للموريتانيين في هذه المناسبة التاريخية إنما هي “الحياة ذاتها”.

وإمعاناً بالتلذذ بمؤتمر القمة نسخت الخيمة نفسها التي نصبها الموريتانيون العام 1961 لعقد اجتماع يرسم الطريق إلى الدولة الجديدة بعيد الاستقلال بأيام. وزينت هذه الخيمة التاريخية غلاف مذكرات: “مختار ولد داده” الحاكم التاريخي لموريتانيا (من 1961 إلى 1978)، وذلك بتوجيهات من زوجته مريم داده فكانت المذكرات تحت عنوان: “في مهب العواصف والأمواج”.

وما بين خيمة الحكومة الأولى المشرفة وخيمة القمة اللائثة غداً، جرت وتجري رياح عاصفة في العقود القديمة والجديدة. تبصم على تواقيع أنظمة الاستبداد والطغيان، وتبصم على تواقيع أنظمة الاستهتار والخذلان والإذعان. تبصم على ربيع نعمة الهجير العربي حتى يباسه بالكامل. فأية قمة عربية دورية، تتشرف بها الشقيقة المغرر بها موريتانيا يوم الاثنين في الخامس والعشرين من العام الحالي/2016، كما يتحدث أشقاؤنا المغررون والمضللون في وسائل الإعلام الموريتانية، قبل انعقاد القمة بأيام.

فلنستمع إذن بالحرف إلى ما تقوله وسائل الإعلام، على هامش الأعمال التحضيرية الجارية في نواكشوط، للقمة العربية الدورية – 27:

“وعلى رغم التكاليف الباهظة، التي تحملت موريتانيا موازنتها، مع مساعدات لم يعرف رقمها الحقيقي من دول خليجية، إلاّ أن نواكشوط لم تطلب شيئاً. وأصرت على عقد القمة في عاصمتها لترد على ما اعتبره البعض “أن موريتانيا دولة عربية إذا غابت لا يشعر بها أحد وإذا حضرت لا يستشيرها أحد” (كما قال ديبلوماسي عربي رفيع يف العاصمة الموريتانية) (الحياة 24/7/2016 العدد 19496: ص 6″.

أصرت الشقيقة موريتانيا على عقد القمة العربية الدورية – 27 على أراضيها في عاصمتها “نواكشوط”، التماساً لشرف العروبة المستعادة الذي شعرت أنه فاتها لثلثي قرن من الزمن. وها هي اليوم تتخذ أجمل زينتها وترتدي أحلى حللها، لأجل توقيع جديد في لائحة الحضور العربي.

والشقيقة الغلابة موريتانيا، بلا جاه ولا مال ولا خيل ولا خيّال، والتي غمطت حقوقها من العرب طيلة العقود السبعين الماضية، إنما هي مشرقاً ومغرباً أعظم الدول العربية مصيبة فهي تدري كما يقول وزير خارجيتها أسيلكو ولد أزيديه لمصائب المنطقة العربية: انتشار العنف والعمل الطائفي وانتشار السلاح وتفكك الأوطان وتضخم ملفات النـزوح واللجوء والاستيطان. وملفات الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي وملفات الانقسام. وإدارة التجمعات الاقليمية والدولية، والاهتمام بمنطقة الجوار العربي، الإفريقي منها بخاصة، وآخرها وأهمها ملف الإرهاب.

نواكشوط في الخامس والعشرين من تموز 2016، في استضافتها التاريخية للقمة العربية الدورية لا تطلب توقيعاً عربياً لشرفها، فتوقيع موريتانيا في عاصمتها، نواكشوط، أنها أعظم العرب مصيبة، إنّما هو أعظم من كل التواقيع العربية ومن كل التوقعات العربية والاقليمية والدولية.

(*)  أستاذ في الجامعة اللبنانية