الإحتلال والطغيان والإرهاب!

رامي الريس

على عكس ما تروّج له وسائل الإعلام الإسرائيلية ومراكز الأبحاث في تل أبيب، تبدو إسرائيل المستفيد الأول وربما الأخير من تنظيم “الدولة الإسلامية” الذي أصبحت محاربته أولوية دولية على الرغم أنها لم تنجح بتحقيق أي تقدم على مدى سنوات من الضربات الجوية المتتالية، وهو ما أدى إلى صرف النظر ممن يسمّى المجتمع الدولي عن القضية الفلسطينية المنسية أصلاً والتي قلما أعارها هذا “المجتمع” الإهتمام الكافي من خلال تمنعه عن الضغط على إسرائيل لإحترام قرارات الشرعية الدولية والأمم المتحدة منذ ما قبل إحتلال فلسطين سنة 1948.

القدس

وتبلغ مستويات “السعادة” عند القادة الإسرائيليين من مدى تحول الإهتمام الدولي بتنظيم “الدولة الإسلامية” درجات متقدمة حيث يرى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (الذي يغيب أي منافس جدي له في رئاسة الحكومة منذ سنوات ما يؤكد جنوح إسرائيل المستمر نحو يمين اليمين) أن ثمة إنقلاباً حقيقياً قيد التبلور في العلاقات العربية- الإسرائيلية خصوصاً أن المدخل أو المعبر الحتمي السابق لهذه العلاقات كان يمر في الماضي من خلال الموقف الفلسطيني ومدى إمكانية تحقيق التقارب معه.

اسرائيل

وهذا المعبر سقط، بطبيعة الحال، وصارت المناطق الفلسطينية وحدها هي المحاصرة بالمعابر المقفلة التي يعيش على حواجزها الفلسطينيون كل يوم الإذلال والقهر، في الوقت الذي تلملم فيه غزة جراح حربٍ عمرها أكثر من ثماني سنواتٍ، وممنوع على أهلها إعادة إعمارها والعيش بالحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.

منذ ولادتها الهجنية التي حصلت بالقوة والقتل والتهجير والتنكيل وحروب العصابات والمافيات، تحلم إسرائيل باليوم الذي تستطيع فيه أن “تطبّع” علاقاتها العربية لما لتلك الخطوة من مفاعيل سياسية وقانونية وإقتصادية وإجتماعية. فهذا التطبيع هو إعتراف عملاني بوجودها وإقرار نهائي بإسقاط نظريات تحرير فلسطين، وإفساح المجال لها لأوسع إستفادة ممكنة من الثروات العربية.

داعش

إن مسعى إسرائيل في هذه الحقبة للإستفادة من الخطر الذي يشكله تنظيم “الدولة الإسلامية” للإيحاء بأنه الخطر المشترك الذي تواجهه مع “جيرانها” العرب، إنما هو مدخل حتمي لإسقاط القضية الفلسطينية بصورة نهائية ودفع العرب وأوروبا والمجتمع الدولي بأكمله للإقرار بسقوط هذه القضية بنضالاتها وحقوقها ودولتها الموعودة والمنتظرة منذ عقود.

صحيح أن أحداً لم يعد يذكر فلسطين اليوم، أو يكلف نفسه عناء البحث عن الروابط السببية التي أدت إلى وصول المنطقة العربية إلى ما وصلت إليه بسبب الإحتلال الإسرائيلي (وبسبب موازٍ في أهمية الإحتلال هو قيام الديكتاتوريات العربية)؛ ولكن الصحيح أيضاً أن محاربة الإحتلال والطغيان والإرهاب هي معارك ثلاث غير قابلة للإنفصال.

من سيقود هذه المعارك والحروب في الوقت الذي تتداخل فيه كل المصالح السياسية والمالية والإقتصادية الدولية والإقليمية؟

وتبقى مصلحة الشعوب الحقيقية في قعر الإهتمامات؛ فالشعوب هي الوحيدة  التي تدفع  الأثمان الباهظة!

———————————

(*) رئيس تحرير جريدة “الأنباء” الالكترونيّة

Facebook: Rami Rayess II

Twitter: @RamiRayess