عن القنبلة النووية بخصوص كولونيا

د. قصي الحسين

K.H

يقف نايجل فارج: زعيم حزب الاستقلال الممثل في البرلمان البريطاني محرضاً باستمرار أمام وسائل الإعلام في خطابه التعبوي للمنافسة في الاستفتاء على بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي أو خروجها منه في 23 حزيران (يونيو) الجاري، وهو الذي حقق في السنوات الأخيرة نتائج متقدمة في الانتخابات المحلية، على خلفية قيادته حملة تنادي بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وبالحد من المهاجرين، كان مننتائجه قتل بريطاني (متأثراً بدعوته)، نائباً من أبرز مؤيدي البقاء في الاتحاد، هي جو كوكس في مقر حزب العمال غرب يوركشير.

وقد صرح نايجل فارج أخيراً أمام الصحافة والكاميرات التلفزيونية أيضاً، إن النساء في المملكة المتحدة يواجهن بالفعل أخطار التعرض لاعتداءات بسبب وجود “اختلافات ثقافية كبيرة جداً”بين المهاجرين الوافدين وبين البريطانيين. وحذّر قائلاً: “إن القنبلة النووية هذه المرة، يمكن أن تكون في خصوص كولونيا”. إذ يشير كما يفهم من سياق خطابه، إلى بعض شكاوى عن تعرض بعض أعداد من النساء والفتيات الألمانيات لاعتداءات التحرش، خلال احتفالهن بأعياد نهاية السنة الماضية، أثارت غضباً في مدينة كولونيا بألمانيا مستغلاً ذلك، ومحرضاً على شبان من المهاجرين الأفارقة والمغاربة.

إزاء ذلك، وكما في مقابلة مع وكالة فرانس برس في واشنطن، نرى مدير مفوضية اللاجئين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أمين عوض، يقف مندداً بما أسماه: “فشل جماعي لا بد من تصحيحه”. حيث إن المجتمع الدولي يشهد أزمة غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية، تهدد بزعزعة استقرار المنطقة برمتها مع تداعيات هائلة، بدأت أوروبا تشعر بها منذ أكثر من عام، وتحديداً منذ بدأت ما أسماه المفوض أمين عوض: “الرحلة الكبرى” لمليون شخص عبروا بحر إيجه على متن زوارق مطاطية، وأكملوا رحلتهم سيراً في اتجاه الشمال عبر منطقة البلقان، إلى أوروبا (اللواء العدد 14674، 16/6/2016، ص 10)

وفي المعطيات المتوافرة لمفوض اللاجئين، أنه في مؤتمر المانحين بلندن (4/2/2016) نظمته الأمم المتحدة، وعدت كل من بريطانيا والكويت والنـروج وألمانيا بهبات تناهز 11 مليار دولار، لمساعدة نحو 18 مليون سوري من ضحايا الحرب، سلم منها 2,5 مليار دولار فقط. وأن هذا البلد (سورية) الذي كان تعداده السكاني 23 مليون قبل الحرب، تأثر 13,5 مليون شخص بها أو اضطروا للهجرة في مطلع العام 2016، فيما غادر 4,7 مليون سوري ليشكلوا أكبر عدد من اللاجئين جراء نزاع واحد في جيل.وأن العالم لم يسبق له أن شهد هذا العدد من اللاجئين (ستون مليوناً). وأن بلدان الشرق الأوسط، تضم 35 إلى 40 بالمئة من حالات اللجوء. وأن تركيا تستقبل نحو 2,5 مليون سوري ولبنان 1,5 مليون، يشكلون ربع سكان هذا البلد الضعيف. أما لاجئو الأردن فمليون، والعراق 225 ألفاً ومصر 137 ألفاً.

Syria Jordan Refugee

واستقبلت ألمانيا في العام 2015 أكثر من مليون مهاجر. ووعدت باستقبال عشرة ملايين. وتعهد الرئيس الأميركي أن تستقبل أول قوة عالمية مئة ألف لاجئ من مختلف الجنسيات بحلول 30/10/2016، بينهم عشرة آلاف سوري. غير أن اقل من ربع هؤلاء اللاجئين السورين تم قبولهم للعام 2016 في غمرة حملة انتخابية رئاسية طالب فيها المرشح دونالد ترامب، بمنع جميع المسلمين من دخول الولايات المتحدة. وكذلك فإن عدداً من الدول الأوروبية لم تظهر كثيراً من التعاطف، بل شهدت على العكس من ذلك، تنامي تيارات قومية مناهضة للمهاجرين.

وبحسب دراسة أجراها باحثون في جامعة لايبزيغ، بالتعاون مع مؤسسة هاينريش بول، ومؤسسة روزا لوكسمبورج ومؤسسة أوتوبرنر، أن 50 % من أصل 2420 شخصاً بدأوا يشعرون وكأنهم أغراب في بلدهم. وارتفع عدد الأشخاص الذين يعتقدون أنه يجب منع المسلمين من دخول ألمانيا. ويدعو “حزب البديل من أجل ألمانيا” إلى معاداة المهاجرين وحظر بناء المآذن وارتداء النقاب. ويصف الإسلام بأنه لا يتوافق مع الدستور الألماني. وتتحدث التقارير عن ازدياد عدد الهجمات على معسكرات إيواء اللاجئين المسلمين.

وهناك الكثيرون من قادة الدول وقيادات المجتمع الغربي، أتى ردهم مباشراً أو غير مباشر على خطاب نايجل فاراج بشأن قنبلة التهجير النووية التي تحدث عنها، ولاقاه أيضاً في حملته عليهم دونالد ترامب المرشح الجمهوري وحزب البديل من أجل ألمانيا.

e6d1d4d7a7

غير أن الرئيس الألماني يواخيم جاوك حذّر من شيطنة المسلمين، ومن الاستقطاب الديني والعرقي في المجتمع الألماني، في خطابه في إفطار رمضاني. كذلك فعل مفوض اللاجئين أمين عوض رداً على سؤال: هل يمكن قانوناً رفض استقبال لاجئين مسلمين؟ أجاب عوض: “كلا لأن أدواتنا القانونية الدولية تنص على وجوب عدم التمييز بين الأشخاص”.

والواقع أن مسؤولية قنبلة التهجير النووية في خصوص “كولونيا” أو “أورلاندو” أو “باريس” أو أي مكان ضرب فيه الإرهاب، أكان في السيدة زينب بدمشق أو في مخيم البقعة في الأردن أو في سيناء أو في سرت أو في القاهرة أو في بيروت، فإن مثل هذه المسؤولية إنما تقع على من تسبب بتهجير الناس من فلسطين ولبنان وسورية والعراق وليبيا وغزة، بحمم القذائف والبراميل المتفجرة أو بالصواريخ وبالطائرات في المعسكرين الأميركي أو الروسي، ودفعهم دفعاً إلى ركوب بحر إيجه أو طرابلس أو الأوزاعي، على متن زوارق مطاطية فيما أسماه مفوض اللاجئين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أمين عوض بالرحلة الكبرى للهجرة المأساوية لملايين الأشخاص، وليس لمليون شخص وحسب كما يقول، وللفشل الجماعي الذي لا بد من تصحيحه، لوقف الحرب وإنفاذ الهدنة، وحسن الرعاية الدولية لتوزيع الخدمات والمساعدات واستقبال قوافل اللجوء القسري.

وكان لافتاً أن تهب صحيفة “ذي صن” المؤيدة لفارج، لشن حملة على نفاقه في إثارة اللوم على المهاجرين في قضايا الاغتصاب والتحرش. إذ أثار خطاب الكراهية لفارج ثورة غضب عارمة في بريطانيا، لدى الليدي سيدة وارسي الوزيرة البارزة سابقاً في حزب المحافظين. وكذلك لدى الليدي دورين لورانس، وشامي شاكراباتي طالبن برسالة اعتذار منه، لأن خطاب الكراهية تسبب بنشر الخوف من المهاجرين وباللعب على وتر العنصرية ضدهم، وابتزاز الأصوات الانتخابية. أما المدعي العام الفدرالي الأميركي لي بنتلي، فأعلن أنه لم يتم التساهل مع التهديدات ضد المسلمين. وأضاف: “سنحقق في الحوادث التي ترتكب ضد الأفراد بسبب العرق والدين والميول الجنسية” (اللواء 16/6/2016، ص 11).

فقنبلة التهجير النووية الحقيقية،هي في تهجير الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين والعراقيين والليبيين من بلادهم، وبتفجير دولهم ومجتمعاتهم، وحملهم في رحلات كبرى، مثل قنابل موقوتة إلى عواصم العالم ولو على قوارب مطاطية، وحتى لو ابتلع البحر نصفهم.

* – أستاذ في الجامعة اللبنانية

اقرأ أيضاً بقلم د. قصي الحسين

قاعة قطر

خمسون عاماً على ضياعها: القدس الآن

ماي والشعبوية والبرج المحترق

قمم الحروب

على هامش قمة الرياض فلسفة الاستنـزاف العربي أميركياً

فرنسا وعقد التسوية

 المناظرة الانتخابية بالضوء

فساد الميثاق    

تحرير الموصل عقدة الارهاب الراحل والقادم

نعم لريما خلف وفلسطين الجريمة ماثلة

 بكائية البحر الميت

 مع تيمور جنبلاط تراث كمال جنبلاط في الحفظ والصون

جدوى “دراسات المستقبلات” أميركياً صناعة القرار

محمد حسنين هيكل عام على أيقونة الصحافة

ترامب وفوبيا المؤتمرات

الانتخابات النيابية فلسفة الوجبة الناقصة

خطاب الكراهية المقارن ترامب وعبد الناصر

آستانة وجنيف سورياً

عن الرئيس ترامب محاصراً

 كاسترو ثائراً وحاكماً مختلفاً