هل أصبح إختصاص التاريخ من التاريخ؟

رامي الريس

 

في أيار الماضي، نشرت صحيفة “لوس أنجلوس تايمز” مقالاً عن تراجع الإهتمام من الطلاب الأميركيين بدراسة إختصاص التاريخ، إذ تراجعت نسبة طلاب هذا الإختصاص من 2.2 بالمئة الى 1.7 بالمئة من إجمالي عدد الطلاب الأكاديميين، وهذا التدهور الكبير تفاقم بشكل ملحوظ بعد التباطؤ الإقتصادي الكبير الذي شهدته الولايات المتحدة الأميركية سنة 2007.

المهم في هذا المقال، ليس فقط تسليطه الضوء على التراجع الكبير الذي شهده الإهتمام بهذا الإختصاص، إنما أيضاً دفاع الكاتب جايمس غروسمان عنه وقوله أنه ليس إختصاصاً لا فائدة منه، فهو يعزز الفكر النقدي الذي تحتاجه الولايات المتحدة  بشكل كبير. وإذ يدافع الكاتب عن “التاريخ”، فإنه يعرب عن قلقه في الوقت ذاته من تراجع نسب الإهتمام بالإختصاصات الأدبية، إذا صح التعبير، كالفلسفة والأدب واللغات وما  يشابهها من علوم إنسانية.

war

لا شك أن العلوم الإدارية والإقتصادية والمصرفية، فضلاً عن الهندسة والطب والحقوق وإدارة الأعمال والمحاسبة قد تكون من الإختصاصات  الأكثر رواجاً لا سيما أن حاملي هذه الشهادات  القدرة على إيجاد فرص عمل بسهولة أكثر. ولكن لا شك أيضاً أن مقاربة المجتمع للتعاطي مع الخريجين من الإختصاصات الأدبية وفي طليعتها التاريخ هي مقاربة معنوية بالدرجة الأولى.

إن التفكير التاريخي يساعد على تحديد وتعريف كل المشكلات، والكاتب الأميركي إياه  يصل  في  في تحليله لدرجة المطالبة بأن يكون لكل كيان- إقتصادي، غير حكومي- أم حكومي – خبيراً في التاريخ مشاركاً في دائرة صنع القرار، مؤكداً الحاجة الى المزيد من خبراء التاريخ وليس أقل.

usa-war

في لبنان، لطالما إرتبط الإختصاص الجامعي بوظيفته المعنوية والإجتماعية، قبل وظيفته الأكاديمية والعلمية ومدى قدرته على تأمين فرص العمل المناسبة، وهو ما يفسر إنزلاق مجموعات كبيرة من طلاب المدارس نحو ثلاثية الإختصاصات الذهبية: الطب، الهندسة، الحقوق وإنسلاخها عن إختصاصات قادرة على تأمين عمل لائق ويحقق مداخيل ماليه هامة كالعلوم المهنية والتقنية مثلاً لعدم ملاءمتها مع الوضع الإجتماعي لهذه الأسرة أو تلك!

ليس المقصود بطبيعة الحال الإنتقاص من أي من الإختصاصات “المزدهرة” ولكن هناك حاجة ماسة لخلق فرص عمل جديدة في مختلف المجالات، وهو ما يتطلب إستقراراً سياسياً وإنتظاماً مؤسساتياً ودستورياً.

عدنا الى نقطة البداية!

———————————

(*) رئيس تحرير جريدة “الأنباء” الالكترونيّة

Facebook: Rami Rayess II

Twitter: @RamiRayess