أسماء زلازل حزيران ومعانيها

د. قصي الحسين

زلازل حزيران 2016، ليست بلا أسماء. وليست بلا معاني. فمنذ اليوم الأول منه أعلن “داعش” عن تجنيد الأطفال والاستعداد لمعركة طويلة في الفلوجة. فزلزال “الفلوجة” له اسم إذن، وله معنى. وتحرير الفلوجة خطوة خطوة بتقدم القوات العراقية نحو مركزها، جعل رئيس البرلمان سليم الجبوري، ورئيس الوزراء حيدر العبادي، يلتقيان أبومهدي المهندس رئيس هيئة الحشد الشعبي لإزالة المخاوف من تمركز “الحشد” في محيط المدينة عند وقوع الزلزال. ولذلك دعا رئيس الجمهورية فؤاد معصوم، إلى تشكيل لجنة تحقيق لتقصي الانتهاكات، أثناء زلزال الفلوجة وبعده. ابتداءً من الأنبار التي تتهم الحشد الشعبي بقتل النازحين. ووصولاً إلى حالات الخطف الجماعي على الهوية، للنازحين من “الصقلاوية” و”الكرمة”، وغيرهما. ولهذا كان “الهروب الكبير” من الفلوجة، وإصابة أكثر من ألف عسكري في المواجهات مع داعش.

أما سقوط بلدة الصقلاوية البوابة الشمالية للفلوجة، فهو الذي جعل هذا الزلزال، ينفر داعش لشن هجمات مضادة في محافظات صلاح الدين وبغداد، ويجعل الانتقادات السياسية والشعبية ضد حملة الفلوجة، تراجع التأييد الشعبي للحملة العسكرية.

ومع بداية الأسبوع الأول من حزيران، كانت مدينة اللاذقية تشهد “عودة انتحارية” إليها (2/6/2016)، مع تعثر خطط دولية لإسقاط المساعدات جواً، وعلى وقع قذائف تستهدف “القرداحة”. إذ سقط قتلى وجرحى في تفجير انتحاري في اللاذقية بالتزامن مع سقوط قذائف قرب القرداحة، مسقط عائلة الرئيس بشار الأسد، وذلك بعد أسبوع من تفجيرات ضربت “طرطوس” و”جبلة” وقتلت أكثر من 150 شخصاً. وهي الهجمات الأولى من نوعها في المدينتين. وقد أعلن داعش مسؤوليته عن هذه التفجيرات، في وقت تستمر المعارك ضد التنظيم في شمال سورية. وذهب التحالف: (قوات سورية الديمقراطية والمجلس العسكري لمنبج)، أن الحملة ستستمر على “منبج” شرق حلب، حتى يتم تحرير “آخر شبر” من أرض المدينة ومحيطها.

MIDEAST-CRISIS/SYRIA-LATAKIA

وبدأت واشنطن تستخدم حاملة طائرات ضد داعش. وبدأت “فصائل معارضة” تتقدم جنوب حلب. كما بدأت القوات النظامية تتقدم إلى “بحيرة الأسد”. وانعقد مجلس الأمن ليبحث جراء ذلك، إغاثة المناطق المحاصرة. وأخذت القوات النظامية تتجه إلى “الرقة” بـ”غطاء أميركي”. وطار كيري إلى السعودية والإمارات. وبدأت الغارات والمعارك، تغطي سماء حلب وأرضها.

وفي الوقت الذي دعا فيه الملك سلمان إلى محاربة وباء الإرهاب واجتثاثه، في كلمة قالها لمناسبة شهر رمضان، كان القصف الروسي – السوري المكثف على حلب عشية رمضان، وكان إسقاط طائرة فوق ريف حلب. أما التحالف الكردي – العربي، فكان يستعجل دخول منبج. بالإضافة إلى الغارات التي انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية والتي واكبت التقدم السريع لـ”قوات سورية” إلى منبج. أما ريف إدلب فقد كان يشهد اغتيال قيادي في “أحرار الشام” بتفجير في ريف إدلب. ولم تلبث الرقة أن غدت بين فكي الأكراد والقوات النظامية. وأخذ داعش يتراجع فيها، مما كان يسجل مخاوف عظيمة من موجة نزوح ضخمة. وبدأ الحديث عن خنق “داعش” بغطاء أميركي – روسي. وهذا ما جعل اجتماع طهران يقول بوقف مشروط لإطلاق النار في سورية. أما الاجتماع الروسي – الإيراني – السوري، فدعا لصوغ استراتيجية عسكرية.

وأما زلزال منطقة السيدة زينب، فأتى كرد على المد. وتبنى “داعش” التفجيرات. وأخذ القصف النظامي يشل توزيع المساعدات على مناطق يحاصرها النظام نفسه. ووقعت مجزرتان بغارات على إدلب بعد هدنة برعاية إيرانية. وتعرضت مدن داريا ودوما والزبداني في ريف دمشق لطائرات و”براميل متفجرة”. وقالوا إن “الهدنة الروسية لا تمنع قصف النظام ريف دمشق. وذكرت وسائل الإعلام في الوقت عينه عن مناورات مشتركة بين الجيشين الروسي والإسرائيلي قبالة الشواطئ السورية في الصيف المقبل.

و”زلزال اسطنبول” (7/6/2016) فقد أوقع 47 قتيلاً وجريحاً. وقد اتهم الرئيس أردوغان حزب العمال الكردستاني، وتعهد “حرباً على الإرهاب حتى يوم القيامة”. وقيل فيه إنه يهدد استقرار تركيا. وأن الإرهاب ضرب اسطنبول للمرة الرابعة هذه السنة. وقد وقع التفجير في منطقة بايزيد قرب مبنى بلدية اسطنبول الكبرى وكلية الآداب لجامعة اسطنبول. وأغلقت السلطات محطة الترامواي في فينرنيجيلار. وغادر مئات السياح على الفور، ثم أتى تفجير مدينة مديات مع تشييع ضحايا اسطنبول.

أما زلزال فلوريدا (13/6/2016)، فقد ضرب في مدينة “أورلاندو” التابعة لها. ذلك أن أميركياً أفغانياً (عمر متين) قام باحتجاز رهائن في ملهى ليلي للمثليين، فقتل بالرصاص 50 شخصاً، وجرح أكثر من 50 شخصاً آخرين. ونقل السيناتور بيل نيلسون عن السلطات الأميركية، أن الارهابي، بايع تنظيم داعش قبل تنفيذ العملية. وأعلنت وكالة أعماق التابعة لداعش مسؤولية التنظيم عن الهجوم الذي وصفت منفذه بأنه مقاتل من الدولة الإسلامية. ووصف الرئيس الأميركي باراك أوباما الحادث بأنه “جريمة وحشية ومجزرة مروعة”. وزاد: نقف مع أورلاندو. إنه عمل ارهاب وكراهية، أسوأ اطلاق نار في التاريخ الأميركي. وأكد أن الولايات المتحدة لن تذعن للترهيب، وستبقى موحدة لحماية الأميركيين ممن يهددون البلاد. أما مسؤول “ألإ بي آي” رون هاربر فقال: هناك تلميحات إلى أن الرجل قد يكون متعاطفاً مع ايديولوجيا داعش، مستدركاً: لا نستطيع الآن أن نؤكد ذلك في شكل قاطع. أما داني بانكس مسؤول إدارة الشرطة في فلوريدا فأشار إلى أنها تسعى (الشرطة) إلى تحديد هل هي واقعة “ارهاب محلية أو دولية”. أما المرشح الجمهوري دونالد ترامب، فتعهد بسياسة أكثر بطشاً ضد الإرهاب والتطرف الإسلامي. وكان أوباما رجح تحرك منفذ الهجوم “كذئب منفرد”. وقارن ذلك بقتل زوجين باكستانيين 14 شخصاً بالرصاص في مدينة سان برناردينو في ولاية كاليفورنيا العام الماضي. وقال: “يبدو أن الفاعل استوحى عمله من معلومات متطرفة على الانترنيت، ولا دليلاً واضحاً حتى الآن على أن الاعتداء جرى تدبيره في الخارج.

اورلاندو

وأما زلزال باريس (13/6/2016) فقد ضرب في حي ماينانفيل على مسافة 52 كلم شمال غربي باريس حين انقض المهاجم لعروسي عباله (25 سنة) من داعش فقتل قائداً في الشرطة وشريكته، في إطار دعوته أنصاره في الغرب إلى استهداف رجال الأمن “الفاسقين” في بلدانهم. وسارع الرئيس فرنسوا هولاند إلى اعتبار الجريمة عملاً إرهابياً بلا شك. قائلاً إن فرنسا تواجه تهديداً إرهابياً، وتبنى تنظيم الدولة الإسلامية الهجوم عبر وكالة أعماق المرتبطة به ونشر شريط فيديو لعبالة في منـزل الضحيتين.

وزلزال الأردن (6/6/2016) حيث وقع هجوم على برج “المخابرات الأردنية في مخيم البقعة” إذ تعرض مكتب المخابرات التابع للواء عين الباشا الذي يضم منطقة مخيم البقعة إلى هجوم دنيء صبيحة الأول من شهر رمضان فأوقع خمسة قتلى من عناصر المخابرات العامة الأردني. وسرت ترجيحات بضلوع عناصر من التيار السلفي الجهادي، منتمين إلى تنظيم داعش. وتعتبر منطقة البقعة إحدى حواضن التيار السلفي الجهادي، كما في إربد والزرقاء والسلط ومعان.

وزلزال بيروت 12/6/2016 بانفجار عبوة تستهدف مصرفاً في بيروت، إذ بعد آذان المغرب بقليل، هز انفجار وقع بالقرب من مبنى الإدارة المركزية لمصرف “لبنان والمهجر”، عند تقاطع فردان –الصنائع. وتردد أصداؤه في ضواحي بيروت، وتبين أنه كناية عن عبوة وضعت قرب سيارة مركونة بالقرب من المدخل الخلفي للمصرف أدت إلى انهيار أجزاء منه. وقال رئيس الحكومة اللبنانية تمام سلام: إنها جريمة إرهابية تمس الأمن القومي وتهدف إلى ضرب الاستقرار الاقتصادي. أما جمعية مصارف لبنان فاعتبرت أن هذا التفجير أصاب القطاع المصرفي بكامله. أما وزير المال علي حسن خليل فقال: إنه على اتصال دائم بالوزارات والأجهزة الأمنية المعنية لمتابعة التحقيق في هذا التفجير. أما الوزير السابق جهاد أزعور فدعا “الحكومة إلى تحمل مسؤولياتها في هذا الشأن، خصوصاً أنها تضم مختلف الأطياف”.

انفجار لبنان والمهجر

ومن زلازل حزيران 10/6/2016: 1- الهجوم الحوثي على مواقع المقاومة والأحياء السكنية، وتفجير المنازل في تعز، وإحباط تقدمهم إلى قاعدة “العند”، وكذلك اعلان حزب العمال الكردستاني “حرباً” في تركيا. 2- والمعارك العنيفة التي تدور في سرت وسط ليبيا، بين داعش والقوات التابعة لحكومة الوفاق برئاسة فائز السراج بحيث اكتظت مستشفيات مصراتة بمئات الجرحى من القوات الحكومية الذين ناهز عددهم الأربعمائة. فدكت “قاعات واغادوغو”في وسط المدينة على بعد 450 كلم شرقي العاصمة طرابلس. وقد تمكنت القوات الحكومية من استعادة ميناء مدينة سرت وطرد داعش منه، وبات داعش محاصراً في منطقة تمتد بين وسط مدينة سرت الساحلية وشمالها وذلك في 12/6/2016.

 أما في إسرائيل فلا زالت الأوساط السياسية ترجح أن لا يختلف الرد العسكري الإسرائيلي على عملية تل أبيب التي نفذها مساء الأربعاء 8/6/2016 فلسطينيان من بلدة “يطا” في الخليل المحتلة وقتل فيها أربعة إسرائيليين، عن الردود السابقة. وقد اقر نتانياهو وليبرمان الرد على العملية بالقتل وهدم منازل وبيوت الفلسطينيين. وقد رفضت ردود الفعل الإسرائيلية السياسية والإعلامية، الربط بين العملية والإحباط الذي يلف فلسطينيي الضفة الغربية، وقتل نحو مئتين منهم في الأشهر الأخيرة. بل رجحت إن عمليات التفجير والقتل في العالم العربي تشكل مصدر الهام لتنفيذ عمليات داخل إسرائيل.

اسبوعان من حزيران 2016، وقعت فيهما كل هذه الزلازل بأسمائها ومعانيها، فماذا تحمل أسابيعه القادمة لنا من زلازل. سؤال برسم “الشراكة الاستراتيجية” بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية. والشراكة الاستراتيجية أيضاً بين روسيا وإيران وسورية وحزب الله، والشراكة أيضاً بين القطبين: الروسي والأميركي. أما تركيا فهي حتى الآن تعيش في حالة عزف منفرد.

—————————–

(*) أستاذ في الجامعة اللبنانية

اقرأ أيضاً بقلم د. قصي الحسين

تحرير الموصل عقدة الارهاب الراحل والقادم

نعم لريما خلف وفلسطين الجريمة ماثلة

 بكائية البحر الميت

 مع تيمور جنبلاط تراث كمال جنبلاط في الحفظ والصون

جدوى “دراسات المستقبلات” أميركياً صناعة القرار

محمد حسنين هيكل عام على أيقونة الصحافة

ترامب وفوبيا المؤتمرات

الانتخابات النيابية فلسفة الوجبة الناقصة

خطاب الكراهية المقارن ترامب وعبد الناصر

آستانة وجنيف سورياً

عن الرئيس ترامب محاصراً

 كاسترو ثائراً وحاكماً مختلفاً

التسامح السياسي وآفاقه في لبنان

صادق جلال العظم سورية في القلب

الاتحاد الأوروبي ولعنة الهويات

العجز عن لبنان

وحدة القطبية والاستبداد

حسن إدارة الإنقسام أولاً

رحيل شريف فياض أضاء الشعلة ومشى

لبنان: ديوان المظالم