كيف قرأ كمال جنبلاط التطورات المستقبلية منذ سنة 1969؟

المعلم كمال جنبلاط

 النص التالي وثيقة سياسية هامة أعلنها مؤسس الحزب التقدمي الاشتراكي كمال جنبلاط في مؤتمر الحزب الذي إنعقد في 16 تشرين الثاني 1969، وتعيد “الفكر التقدمي” نشره لأهميته:

يرتدي مؤتمرنا الحزبي السنوي في هذا العام طابعاً خاصاً من الأهمية والعلانية، لأنه يقام في مرحلة تعتبر أكثر فأكثر معبراً بين واقعين لبنانيين، وفاصلاً بين عهدين عربيين في الوطن الكبير، وجسراً بين ماض تتساقط وتهوي معالمه وأشلاؤه في الذهنية المتبدلة وفي الأوضاع المتغيرة، وبين مستقبل يأمله شبابنا ومثقفونا وأرباب النهضة بيننا والمواطنون الخيّرون والأحرار، ويرجون منه الكثير بعد مرحلة الهدم، واعتمال طاقات البناء، وبزوغ فجر الانطلاق، وسيطرة مشيئة التبديل والتغيير التي هي دفعة التطور المختزنة والمتفجرة، أي إرادة الحياة.

وهذه العلانية في اجتماعنا اليوم أردناها ــ جرياً مع تقاليد الفكر والإعلام ومنطق حرية التعميم  والجدل ـ لأننا حزب سياسي ديمقراطي يؤمن بجدوى التفاعل بين الرأي والجمهور والقادة، ويعلق ويركز على حكم الرأي ومسلك الشورى وعملية انبثاق النخبة القيادية والمتطورة، أهمية كبرى.

إننا سنتوخى من خلال عرضنا، إبراز الأحداث التي تعتبر ذات تأثير مباشر على الصعيد الداخلي والعربي والدولي والحزبي، ونخلص ببعض العبر والتوصيات من كل ذلك لأجل توضيح خطتنا في السنة الحزبية المقبلة علينا، ودورنا في ما يمكن ارتقابه من أحداث، وما يتوجب علينا فعله لتنمية كفاحنا القومي والسياسي والاجتماعي، ولتطوير الحزب وتركيز انتشاره، وتدعيم ركائزه الثقافية والمعنوية والنظامية.

ــ الوقائع والأحداث

ــ على الصعيد اللبناني:

كانت السنة الغابرة هي الثانية المنقضية بعد عدوان الخامس من حزيران 1967. ويبدو ان الدولة اللبنانية، التي تتمثل فيها أبداً سلبية الحيوية وردة الانطلاق، لم تفد من عبرة المحنة لكي ترتفع بنفسها وبلبنان الى المستوى الذي يتوجب للقيادة المسؤولة.

مصر 1967

بل حصل نقيض ذلك تماماً، بما فرضته سياسية المصالح الاحتكارية المستغلة، المتلاحمة مع الرأسمالية الأجنبية، عبر المصارف الأميركية بشكل خاص والاستثمارات اللبنانية الهاربة، في قصد الربح السريع الى الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، تنجذب الى التوظيف فيها بعد ان حرمت البلاد، في هذا العهد، من خطة للتنمية الصناعية والحرفية والعلمية السليمة، وبعد ان قضى هذا الحكم في انسياق من الجهل، على جميع المصارف الوطنية الكبرى والوسيطة، وأضحى لبنان بمصارفه الأجنبية المسيطرة على السوق المحلية منطقة عبور لا أكثر ــ معظم الأحيان ــ للأموال العربية المودعة.

وقد تجلت هذه النزعة للانكماش اللبناني في الحقل السياسي، وبالنسبة للعرب أولاً، ولسياسة عدم الانحياز والعالم الثالث ثانياً:

1ــ بمحاولة المسؤولين اتخاذ مواقف أكثر تحفظاً في الصراع القائم بين العرب واسرائيل، وتغطية هذا التحفظ وهذا النزوع الى الحياد بتصريحات كلامية عامة وفارغة من أي محتوى تطبيقي، وأية إرادة للمشاركة أو للتنفيذ.

2ــ بمحاولة السلطة الاتجاه بلبنان وجهة حيادية بالنسبة للعالم العربي ككل وكبعض، في استيحاء لمشروع كان يقول به ونشر عنه سابقاً سنة 1958 مسؤول كبير في الدولة، ثم تظاهر في العدول عنه وتنكر له إذ سعي لمركزه الحال في الحكم… وهو المشروع المعروف بتدويل الحياد اللبناني على طريقة بعض الدول الأوروبية، ومنها النمسا.

3 ــ التقرب الخفي من اسرائيل بشكل مباشر (عبر لجنة الهدنة)، وبشكل غير مباشر عبر بعض سفراء الدول الكبرى الأجنبية، في قصد من الممالأة لحماية الحدود الجنوبية، وفي مقابل وعود بعدم قيام نشاط عدائي عسكري في لبنان.

4 ــ انتهاج سياسة تقارب وانحياز أميركية بينة في اعتماد كسب مبدأ الحماية المعنوية للبلاد. وقد افتضح أمر ذلك في أكثر من تصريح أميركي، كان ذروته تصريح السيد سيسكو الأخير الذي أعلن بعد زيارة وزير خارجيتنا للولايات المتحدة، وبعد مشاورات أجريت، وبطلب من لبنان، ما أنبأنا أحد المصادر الخارجية الأجنبية الموثوقة.

5 ــ في الانحراف المبدئي والعملي للمسؤولين عن الخط العربي السليم، وعن النهج الثالث بين  الجبهتين المتصارعتين؛ وتم هذا بتفضيل رجحان الكفة الأميركية على سواها مع توقف مرحلي عند الضمانة الفرنسية في عهد الرئيس شارل ديغول ذات الجهة الواحدة، والتظاهر بالاكتفاء بها عن سواها.

6 ــ الامتناع عن أي عمل جدي لتنمية وسائل الدفاع اللبناني، ومعارضة التجنيد الإلزامي، وعدم تحصين قوى الحدود وحفر الملاجىء، وتسليح وتدريب أبناء الجنوب الخ.. وامتنعت الدولة ــ مسايرة للأميركيين وخشية منهم ــ عن شراء أية معدات حربية أو قبول أية هدية دفاعية من الاتحاد السوفياتي والدول الاشتراكية الأخرى، كما جرى ذلك بالنسبة لبعض الدول العربية.

7 ــ في جمود تطور العلاقات الخارجية بين لبنان والدول الاشتراكية، فلم تتجرأ الدولة طوال هذا العهد على الاعتراف بالصين الشعبية وبألمانيا الشرقية، وبحكومتي كوريا الشمالية والفيتنام الشمالية، وحكومة الفيتكونغ، كما فعلت معظم الدول العربية وفريق كبير من دول اوروبا والعالم الثالث، وقد ظهر استمرار تبعية السلطة اللبنانية الولايات المتحدة في هذا النهج المنحرف.

8 ــ في جمود تطور علاقتنا الاقتصادية والثقافية مع العالم الاشتراكي الشرقي؛ وقد حافظ هذا العهد على نهج عدم توسيع مدى هذه العلاقات في خطة تقليدية، كرستها العهود السابقة، ترمي الى حصر مجالات التبادل الاقتصادي مع  العالم الاشتراكي الشرقي ضمن حدود لا ينعكس تأثيرها في الحقل السياسي، ولا تؤدي الي إبعاد لبنان الرسمي عن نطاق الانحياز الضمني والظاهر للمعسكر الغربي. ولو توسع هذا التبادل الاقتصادي كما يتوجب، لكانت مشكلات تصدير انتاجنا الزراعي حلّت من أساسها وبرمتها.

أما بشأن المبادلات الثقافية، فمن المعلوم ان مديرية عام الأمن اللبناني تباشر توصيات اعتباطية في منع المسافرين من السفر الى الاتحاد السوفياتي والصين الشعبية والدول الأخرى الاشتراكية، وحتى الى الجزائر، او التضييق على هؤلاء المسافرين لحصر عددهم، وكيف ان المجلس النيابي بشبه إجماع أعضائه كان ألغى هذا الحجز والحصر والتضييق المنافي للدستور وللحريات التي نصّت عليها شرعة حقوق الإنسان في حرية الانتقال، وعدّل القانون الخاص بهذا الشأن، ثم عادت إحدى الحكومات السابقة فأفادت من سلطة المراسيم الاشتراعية وأعادت أسلوب الحظر والتضييق. ومعظم طلاب العلم والتخصص في الخارج يتأذون في كل سنة من هذه التدابير غي المقبولة والاعتباطية.

9 ــ ظهر انحراف السلطات واضحاً في طريقة معالجتها للعمل الفدائي في لبنان وعبر حدوده. وكانت العلانية التي طرحها رئيس الحكومة آنذاك ورئيس الجمهورية، أساس تعقد الأزمة التي ما لبثت أن قامت بين السلطات المختصة وبين الفدائيين. ولو قبلت منا هذه السلطات بمواجهة الوضع القائم على أساس تبادل الثقة بين الفريقين، والتنسيق العملي، والسرية، وتدعيم القوى الوطنية على الصعيد الشعبي وعلى الصعيد الدفاعي النظامي، لما اندلعت الأزمة ولما تطورت الى شبه الانتفاضة الشعبية المباشرة. وكانت هذه الأزمة مقياساً لانحياز أو عدم انحياز لبنان الرسمي للخط الأميركي والغربي السياسي في الشرق ومدى تخلف الدولة عن القيام بواجب المشاركة العربية وجنوحها السلبي، في مثل هذه الظروف الخطيرة، بما يشبه الخيانة على الصعيدين الوطني الداخلي العربي والخارجي.

وكانت تظاهرات الثالث والعشرين من نيسان لفتة تحول، في نظرنا، في تصاعد النقمة الشعبية وبروزها في إطاراتها الجديدة المنتسبة الى تيارات فكرية واجيال طالعة، وذهنية منطلقة ومتحررة من المفاهيم والمسالك والضوابط التي كانت تعرقل طريق النهضة المتحركة في لبنان. كما ان هذه التظاهرات أظهرت مدى الشراسة المقرونة بانعدام الفهم، التي قابلت بها السلطات هذه البادرة الشعبية المعتادة في لبنان، الأمر الذي أدى الى سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى في بيروت والجنوب والبقاع والشمال. وانكشفت بذلك تبعية السلطة القامعة وموجهيها للنفوذ الغربي وتخطيطه، وعمالتها المفضوحة لأرباب النظام الطائفي والرأسمالي الاحتكاري القائم.

مظاهرات

وإذا ما شئنا التأريخ، بين عهدين وفصلين في سياسة هذا البلد، فمما لا شك فيه أن ما رافق هذه التظاهرات من أساليب للقمع تعرّض لها شبابنا ورجالنا ونساؤنا بفظاظة متناهية، وهذه الفورة الشعبية التي عقبت الاعتداء على الفدائيين في قرية مجدل سلم، كانا الفاصل والقاطع المعنوي الحقيقي بين عهدين وفصلين من تاريخ لبنان، وعبثاً يحاول المسؤولون إعادة الماضي أو التأخر عنده.

وكان للهجوم على مطار بيروت الدولي، وإحجام السلطات عن مباشرة أية مقاومة، قبل وأثناء وبعد الاعتداء، أن تأكد حدس اللبنانيين بأن القوى النظامية إنما أعدّت، أساساً وبشكل رئيسي، للحفاظ على النظام الطائفي والوضع الرأسمالي الاحتكاري والنفوذ الغربي في البلاد، وعلى السياسة الضمنية المنحازة والماثلة للعيان. وليس أدلّ على ذلك من أنه لم يسقط أحد من قواتنا المسلحة في مواجهة جيش اسرائيل قبل وإبان العدوان الأخير وبعده، بينما عدد القتلى الذين سقطوا على يد هذه القوى من اللبنانيين والفلسطينيين، في هذه السنة وحدها، يقرب من الماية والخمسين.

10 ــ كان لتوقف سياسة الإنماء الاقتصادي، ولتعثر النهج الاجتماعي، أثر في تصعيد النقمة الشعبية في البلاد مما أدى الى مضاعفات خطيرة في الداخل، ليس أقلها البطالة للمثقفين وللعمال العاديين، والحرمان الذي أصاب موارد فئات واسعة من المواطنين، وهذه الهجرة الضخمة التي أخذت تجرف افضل عناصر شبابنا الى الغربة القريبة والبعيدة، وكذلك الشعور بالقنوط وبالسأم من بلد لا يتغير فيه شيء تقريباً، ولا يستبدل فيه وضع سيء بأفضل منه، ولا تراعى فيه على الأقل مصالح الفئات الشعبية في رخص الإيجارات ومجانية التطبيب والدواء والعلم، وإمكانية العمل وديمومته، وضمان راحة الإنسان وفي فعالية الإدارة لا تقوم على الرشوة المعممة أو الواسطة المتبعة.

وكان من جراء استمرار السلطة في القضاء على معظم المصارف اللبنانية الوطنية، تحت شعار وستار التنقية والتطهير، أن تأثر الاقتصاد التجاري والصناعي اللبناني في تمويله من جراء ذلك؛ وكان لدعم مركز المصارف الأجنبية، وبخاصة الأميركية منها، في السوق المحلية، أن أضحى لها سيطرة رئيسية في الحقلين المالي والسياسي.

11ــ استمرت عناصر التبديل في المجتمع اللبناني تفعل فعلها المتصل في مؤازرة النقمة الناجمة عن الانحراف وعن التخلف؛ وفي طليعة هذه العناصر، تلعب الزيادة المضطرة في عدد العمال الصناعيين والحركات النقابية والدعوة للأفكار الاشتراكية والاجتماعية، وتصاعد عدد طلاب الجامعات وتلامذة المدارس التكميلية والثانوية سريعاً وسنة بعد سنة، وتناقض الحرمان والتخلف من جهة، والبحبوحة الدافقة من جهة أخرى، وبطالة المثقفين، وترسّخ إرادة التغيير في الأذهان وعلى نطاق أوسع دائماً، والانجذاب الِى الثورة، يلعب كل ذلك دوراً رئيسياً في تطوير الذهنية العامة في اتجاه يفاجىء أرباب الجمود وأصحاب التقليد.

ولكن يجب ان لا نستهين أبداً بقوى التقليد والرجعية المعاكسة، وبمن يساندنها في الخارج وفي الداخل. ونحن لا نزال في بداية التحدي وفي غمرة انقسام اللبنانيين أفقياً على أساس اجتماعي، عوض ذلك الانشطار العمودي الذي تحاول دائماً القوى التقليدية والرجعية إحداثه وإنمائه، ثم استغلاله.

ويقع على عاتق الحزب التقدمي الاشتراكي ومناصريه، واصدقائه، وحلفائه، وأعوانه، مسؤولية الاسراع في اجراء هذا التحويل الجذري في المجتمع  اللبناني، وفي وعي الجماهير لمضامينه وأهدافه.

12ــ الخروج على الدستور وعلى القانون والميثاق الوطني في تصرف المسؤولين كان ظاهرة هذه السنة وهذه المرحلة المنقضية. فقد تفاقم تدخل السلطات المنفذة وغير  المسؤولة في الصغيرة والكبيرة من شؤون البلاد (من سياسية وقضائية، وحتى في شؤون بعض المصارف والمؤسسات الاقتصادية، وفي السياسة الخارجية نفسها، كما تبدّى ذلك من حادثة طائرة الميراج). ومن جهة أخرى تطور أسلوب الضغط والقمع على إخواننا الفلسطينيين وعلى جمهور كبير من الناس، بخاصة من يقطن منهم  المناطق الخاضعة لقانون الطوارىء، وهي تبلغ نصف مساحة لبنان.

وقد أدى هذا الخروج على القانون، وهذا الطغيان غير الدستوري، الى حركة التمرد الواسعة التي قام بها سكان المخيمات فريق كبير من المواطنين أخيراً، بمناسبة الحوادث التي وقعت بين الفدائيين وبين السلطات العسكرية اللبنانية. هذه الحوادث انتهت ظاهراً ــ ولم تنته بعد عملياً في ما قد يخبىء لنا المستقبل ــ في اتفاقية القاهرة. والتنفيذ لمضامين الاتفاق بروح التعاون والأمانة هو أهم من توقيعه.

اتفاقية القاهرة

كما أن ما درجت عليه بعض السلطات غير المسؤولة من مبادرات وأعمال مخالفة للقانون وللدستور، قد دفع، على ما يبدو، السلطة السياسية العليا في البلاد الى الخروج عن الدستور والأعراف البرلمانية والمشاركة الداخلية. وتم ذلك بامتناع رئيس الدولة عن القبول بتشكيل أية حكومة منذ سبعة أشهر تقريباً، وامتناع رئيس الحكومة الملكف عن تشكيل حكومته بذاته وتقديم مراسيم التوقيع لرئيس الجمهورية، واتخاذ الحكومة المستقيلة صلاحيات لها لا يمكن قبولها أو تبربرها دستورياً وإصدار بيانات غير قانونية عن بعض السلطات.

إن مثل هذا التصرف قد أسهم، ويسهم، بخلق ذهنية وأوضاع غير شرعية في البلاد، ويوحي للمواطنين بضرورة الانتفاض لأجل إنهاء هذه اللاشرعية العملية في التصرف وفي الأوضاع.

وقد أبدى الحزب التقدمي الاشتراكي رأيه في جميع هذه الوقائع والأحداث، وحلّلها تحليلاً موضوعياً في كل مناسبة ومرحلة، بعيداً عن الأهواء والعاطفية والطوباوية، وسعى سعياً حثيثاً، وناضل نضالاً سياسياً وشعبياً لغاية تطوير الاتجاه الجماهيري في مسار التناقضات الناجمة عن هذه الأوضاع.

وفي كل مناسبة أو مرحلة، كان يركز الحزب في انتقاده للأوضاع وتعبيره عن بعض التناقضات، على الحلول الايجابية العلمية التي كان من المفروض تطبقها للحيلولة دون الأزمات المتعاقبة.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، نورد بعض الآراء والبيانات والمواقف منها:

1ــ رفع لواء المطالب الشعبية الرئيسية والكفاح لأجلها، تلك التي أوجزناها بشكل خاص في مذكرة السبعة عشر بنداً التي أضحت فيما بعد تسعة عشر، والتي تبناها الحزب التقدمي الاشتراكي وجبهة النضال، وأيدتها الأحزاب والهيئات التقدمية في البلاد، واعتبرتها برنامجاً للعمل. ومن مضامينها:

أــ إقرار حرية العمل الفدائي في لبنان وتنسيقه باعتبار أن على لبنان أن يتحمل مسؤولية المشاركة العربية.

ب ــ إقرار التجنيد الإلزامي المقرون بالعمل الاجتماعي.

ج ــ إطلاق جميع المعتقلين في حوادث التظاهرات، وإبطال جميع الملاحقات، والتعويض عن الضحايا.

د ــ عدم رفع تسعيرة البنزين، وتخصيص ليرة من السعر الحالي لمشاريع الإنماء على أن يخصص الجهد اللازم لتنظيم فرض ضريبة الدخل وجبايتها، وإلغاء وتخفيض الضرائب والرسوم المرهقة على المواطنين (رسوم البناء ورسوم التقاضي وسواه).

هـ ــ حسن معاملة إخواننا الفلسطينيين وتحسين أوضاعهم وإبطال أسلوب الاستفزاز، ومعاملتهم كما يعامل أي مواطن عربي في لبنان، وإنشاء مجلس فلسطيني رسمي يتعاون مع الدولة فيما يعود لشؤون الفلسطينيين في لبنان.

و ــ إنشاء وزارة للشؤؤن العربية ولقضية فلسطين.

ز ــ إنشاء وزارة صناعة وصندوق مستقل فيها يمكّن من مشاركة الدولة في المشاريع الصناعية الكبرى، وإنشاء مصرف للتسليف الصناعي والزراعي والسياحي لآجال طويلة.

ح ــ وضع خطة عامة للتنمية وتطبيقها.

 ط ــ تخصيص المبالغ الناجمة عن جعالات واشتراكات الضمان الاجتماعي لتسليف الموظفين والمستخدمين والعمال، وتمكينهم من شراء شقق بناء لللسكن بالتقسيط:

ي ــ تنفيذ الضمان الصحي بنصه التشريعي الحالي وفي حينه، وإنشاء مصلحة مستقلة لتأمين الأدوية الشعبية.

ك ــ تأمين تصدير انتاج الفاكهة اللبنانية بإنشاء الشركة المختلطة، وتوسيع مجالات التصدير بالإقدام على تلزيم بعض المشاريع العمرانية بالتراضي للدول الاشتراكية الشرقية، وبخاصة تلزيم مرفأ صيداً، ومبادلة قسم من هذا الانتاج بمعدات تستورد للدفاع اللبناني.

ل ــ إصلاح الجامعات وإشراك الطلاب في الإدارة، وفي مجلس تمثيلي استشاري في علاقتهم مع الدولة.

م ــ تحقيق اللامركزية الواسعة والمشاركة في إدارة الأقضية والمحافظات بمجالس تنفيذية منتخبة لهذه الغاية.

ن ــ إنشاء مصرف التنمية.

س ــ تعديل قانون الانتخاب وتبني أسلوب الاقتراع النسبي وإلغاء الطائفية السياسية.

ع ــ اختيار هيئة تأسيسية لوضع مشروع نظام سياسي جديد يطرح على الاستفتاء الشعبي. ويكون في عداد أعضائها ممثلون عن الأحزاب التقدمية والنقابات العمالية والمهن الحرة وأرباب العمل والشخصيات العلمية والوطنية.

ف ــ حماية المصارف الوطنية، وبعث الحيوية في نشاطها باعتماد التدابير والقوانين التي سبق للحزب وتقدم بها في مذكراته بهذا الخصوص، وتحقيق مؤسسة ضمان الودائع حتى الماية ألف ليرة الموضوعة في المصارف الوطنية دون سواها.

ص ــ عدم رغبة الحزب والجبهة مبدئياً في الاشتراك في الحكم، على أن يكون تمثيلهما ــ إذ بدّلا رأيهما في ذلك ــ على قدر ما يمثلان في الرأي العام اللبناني والعربي.

2 ــ إحباط الحزب لدعوة الحلف وبعض أربابه ومشاريعهم بشأن تحييد لبنان أو تدويله.

3 ــ محاربتنا للأساليب الطائفية التي نهج عليها الحكم القائم في تمزيق عرى هذا البلد، والتي توجها بمشروع الحكومة الرباعية، أي المناصفة المعروفة، ومناهضتنا للمسالك الطائفية من أية جهة أتت، والتي قصد منها الإفادة القصوى من ظروف لبنان بعد نكسة الخامس من حزيران لفصله عن المحيط العربي، ومنعه من المشاركة في الدفاع، وتنفيذ مخططات إسرائيل فيه وحوله.

4 ــ إشاعتنا لروح الثقة بالمصير والتغلب على الهزيمة، منذ اللحظات الأولى للنكسة العربية، ومطالبتنا الدائبة بتنمية الدفاع العربي، بإقامة الجبهة الشرقية وتدعيمها، ومشاركة لبنان الرسمي فيها مشاركة فعالة.

5 ــ مطالبتنا بمشاريع التنمية اللبنانية، ومعارضتنا للاستمرار بفرض الضرائب غير المباشرة، ومنها ضريبة البنزين الجديدة، وإرشاد السلطة الى ما يجب القيام به من اصلاحات في القانون وفي الجباية لأجل تحصيل ضريبة  الدخل كما يجب ان تجبى وكما يجب أن يدفعها ذوو الدخل المرتفع.

6 ــ دعمنا للعمل الفدائي وإدراكنا لأهميته في ما أبرزه من شخصية معنوية وسياسية لشعب فلسطين، وفي ما أوحى به للجيوش وللشعوب العربية من إرادة للإنطلاق، وتصميم على الكفاح، وتوق للتغلب على المحنة أية كانت ظروفها وعقباتها، مهما طال النقاش حول جدوى العمل الفدائى النسبي او المطلق. وقد أدرك الحزب التقدمي الاشتراكي، قبل أي حزب آخر، أن الحركة الفدائية تتضمن بوادر وبذور التحرر من التقليد البالي والذهنية الميثولوجية السحرية، والانتقال بالمواطنين الى عقلانية الحضارة الغربية، في شقيها، والى العصر الحديث.

 ويذكر المواطنون الموقف الصلب الذي لا ينفعل بمؤثرات الظروف المؤقتة، الذي وقفه الحزب في مواجهة آثار التضليل الذي غرسته الدعاية الموجهة في تصورات كثرة من اللبنانيين حول تدخلات الصاعقة والسوريين في جنوبي لبنان، والترويج للإحتلال المزعوم، وكيف ذهبنا شخصياً الى سوريا وزرنا كبار المسؤولين فيها لتحدي هذه الدعايات المختلقة التي كان يقصد منها التمهيد لضرب فدائيي الصاعقة، ومن ثم سائر الفدائيين في لبنان، وبعد ذلك إطباق التسلط الغاشم على إخواننا سكان المخيمات من شعب فلسطين، وتعدي ذلك الى العناصر الوطنية والتقدمية.

كما يذكر اللبنانيون موقفنا في الظروف الراهنة والمنقضية، وكيف عرف الحزب ان يعبّر عن أماني الكفاح الفلسطيني: ومهدنا في الواقع في مقابلاتنا للمسؤولين الرسميين وغير الرسميين في لبنان سبل التفاهم مع الفدائيين في القاهرة. كما تولى الحزب التقدمي الاشتراكي مع سائر الأحزاب التقدمية والشخصيات الوطنية الدعوة للإضراب الشامل وللتظاهرات المؤيدة للعمل الفدائي ولقضية العرب في لبنان؛ هذه التظاهرات الناقمة على تصرف السلطات وقيامها بأعمال القمع والاعتداء على إخواننا الفلسطينيين بالتنظيم والمعدات التي كان يجب ان تتوجه لمقاومة اسرائيل والاستعمار الكامن وراء الدولة المغتصبة.

ومع ما قام به الحزب التقدمي الاشتراكي مع الأحزاب اليسارية السليمة والشخصيات الوطنية، لم يسقط من حسابه الدعوة الماثلة من السلطات ومن بعض الجهات الأجنبية، لإشعال نار الفتنة الطائفية في البلاد، وتحضير الأجواء لاستدعاء الجيش الأميركي من جانب بعض المسؤولين اللبنانيين… فآثر الحزب خطة واقعية وحكيمة ودعا الى عدم تصعيد تفجير الموقف، وجنب هكذا البلاد وأهلها الكارثة الداخلية ومحنة تنفيذ مخططات التصريح الأميركي المعروف.

7 ــ وقوفنا المتحفز في وجه محاولات السلطة التعرض للعناصر الوطنية والتقدمية بعد تظاهرة الثالث والعشرين من نيسان، ومطالبتنا بمحاكمة المسؤولين عن المجازر التي ارتكبت بحق شبابنا ورجالنا ونسائنا من جانب قوى القمع المشتركة، والتعويض على الضحايا.

8 ــ تجميد نشاط رئيس الدولة النازع للسلطة الفردية ــ في ما كان يسعى إليه من التنكر للأعراف الدستورية والبرلمانية، للمجيء بحكومة على شاكلة تصوره الخاطىء للبلاد ــ والحؤول دون إقدامه على حل لمجلس في تلك الظروف العسيرة.

9 ــ نضالنا لأجل العودة بالبلاد الى نظام حكم الرأي والديمقراطية، وتعديل الدستور وقانون الانتخاب في اتجاه يضمن التمثيل السليم والحكم المنفتح، ووقفونا في كل قضية الي جانب الحقوق الأساسية للإنسن، وموقفنا الثابت في قضية بعض اللاجئين السياسيين، بعد وعد السلطات بتسليمهم، والذي أنقذ فيه الحزب شرف هذه البلاد؛ ونحن نولي أمر الغاء القوانين الاستثنائية عناية كبرى وسعياً متصلاً.

10 ــ مواجهتنا لرواية خطف طائرة الميراج وللتشهير المتقصّد الذي رافقها، وذلك بإبراز حقائق المؤامرة المتخفية وراء هذه القضية بما له علاقة بانتخابات الرئاسة سنة 1970 وبمحاولة رخيصة لكسب التأييد الأميركي.

انتخاب فرنجية

11ــ وكانت من جملة نشاطات الحزب البارزة قيام رفيقنا النائب فريد جبران بزيارة السلطات الرسمية في العراق، على رأس وفد لبناني تقدمي، للتوسط بشأن إلغاء التدابير الاستثنائية الاقتصادية التي كانت قد قامت بها دولة العراق رداً على الحملة الصحفية المشبوهة في بعض الصحف اللبنانية، ورداً على تغاضي السلطات اللبنانية عن نشاط بعض العناصر المناوئة لحكم العراق. وقد تكللت هذه الوساطة بالنجاح. وإبان السنة المنصرمة قام وفد من الحزب التقدمي الاشتراكي، بناء لدعوات رسمية، بزيارة يوغوسلافيا لحضور مؤتمر رابطة الاشتراكيين اليوغسلافيين، كما زارت وفود أخرى بلغاريا وألمانيا الديمقراطية، حيث اطلعت هذه الوفود على نتائج اختيار تنفيذ الأنظمة الاشتراكية رغم تنوعها في هذه البلدان، كما توجه وفد آخر برئاسة نائب رئيس الحزب الرفيق فريد جبران لزيارة جمهورية كوريا الشمالية.

12ــ واتسم أخيراً لا آخرا نهج الحزب، في هذه السنة المنصرمة، بالاستقلال أكثر فأكثر، موقفاً شعبياً وسياسياً ونيابياً، عن جماعة النهج وعن جماعة الحلف على السواء في سعيه لاستقطاب اوسع قاعدة للجماهير المناضلة الشعبية.

ــ على الصعيد العربي:

تتميز السنة التي انقضت بالأحداث العربية التالية:

أولاً ــ الاستعداد لمعركة مواجهة العدوان الاسرائيلي. ففي هذا الباب، يمكن القول، واقعاً وفعلاً، إن الجمهورية العربية المتحدة قد قامت بجهد كبير جداً يعتبر تحدياً ظافرا للطباع الشرقية الموروثة من عهود الانحطاط العربية، وأعجوبة ملموسة في جميع المستويات كانت موضع دهشة دول العالم الغربي واسرائيل ذاتها. وبينما كانت الدول الأجنبية المساندة لاسرائيل، وفي طليعتها الولايات المتحدة، تنتظر في جملة حساباتها وارتقاباتها، انهيار الوضع الاقتصادي والسياسي في الجمهورية العربية المتحدة، وبينما كانت اسرائيل تأمل في الوصول الى فتح باب المفاوضات المباشرة مع العرب، إذ بالدولة الاشتراكية العربية الفتية تجتاز التجربة الصعبة والمحنة القاسية بنجاح نسبي كبير. وفي رأينا ان الصمود الاقتصادي بالنسبة للجمهورية العربية المتحدة كان ربما أهم من التوصّل الى مرحلة الصمود العسكري والسياسي، ويظهر مكنة الأنظمة الاشتراكية على تصدي العقبات وامتلاك زمام الأمور واستعادة المبادرة، وتجميع الطاقات والقوى، أكثر من الأنظمة الرأسمالية الحرة.

وقد قفزت مصر وقفز العالم العربي، معها ــ لأنها القوة الرئيسية والمستقطبة في هذا المحيط، ولذا تعرضت من جانب الاستعمار والصهيونية الى حربين متلاحقتين في ظرف اثنتي عشرة سنة للعدوان بقصد إعاقة نهضتها والقضاء على انطلاقتها ــ قفزت مصر، من مرحلة التعبئة الأولية وإعادة تقييم الأوضاع والمكنات، الى مرحلة مباشرة تحدي العدوان، ومبادرته بحرب الاستنزاف على نطاق يسهم، بسرعة وبتدرج تصاعدي، في تبديل معالم الذهنية الشعبية العامة وبرفع مستوي التدريب والحشد المعنوي في القوى المسلحة العربية.

ولا يسعني، عبر التاريخ، الا أن أذكر للمقابلة مثالاً آخر رائعاً لأعجوبة مغرية سبقت، وهي التي قام بها، في حقل الدفاع، وراء حدود نهر سخاريا في برّ الأناضول، مصطفى كمال ورئيس أركانه عصمت أينانو، يوم انسحبت فلول جيوشهم إلى أعماق آسيا الصغرى، فاستعادوا بسرعة مذهلة وبجهد مكابر مضن تنظيم القوى العسكرية الممزقة التي خلفتها هزائم العثمانيين في الحرب العالمية الأولى وانحطاط عهدهم، بين أيدي هذه القبضة الجديدة المتمردة من رجال البعث التركي.

ويجب الاعتراف أنه كان للعون السوفياتي وخبرته دور كبير في تمكين مصر من استعادة طاقتها العسكرية، ورفع مستويات التدريب، وتقديم المشورة العسكرية الحديثة؛ كما لعب الأسطول السوفياتي دوراً سياسياً مهما في بعض المراحل لكبح جموح العدو، ومن هم وراءه. كما كان للعون المالي الذي دفعته لمصر بعض الدول العربية المنتجة للنفط، ولاكتشاف واستثمار حقول النفط في الجمهورية العربية، دور فعال في تركيز الأوضاع المصرية وتمكين وثبة الانطلاق في الاستعاضة علي الأقل عن موارد قناة السويس المغلقة.

السوفياتي

أما سائر الدول العربية التي كان ينتظر منها الإعداد لمعركة التخلص من آثار العدوان، فقد قامت هي أيضاً بدون شك بجهد في هذا  الحقل، ولكنه لم يكن، في الظاهر، في المستوى التي سعت لبلوغه قوى  الجمهورية العربية المتحدة. ويبرز هذا الواقع في عدم قيام الجبهة الشرقية كما يتوجب ان تكون عليه رص الصفوف، ووحدة القيادة والخطة، وحشد الجيوش المطلوبة، حشدها عدداً وعدة.

أما بالنسبة للبنان الرسمي الذي كان بإمكانه أن يلعب دوراً مرموقاً في معركة الغد، وفي المشاركة العربية، انتساباً لدور الإمارات التاريخية التي قامت على هذا الشاطىء في نطاق سوريا الطبيعية، فإن لبنان الحديث المنطلق من أساس طائفية وطابع مغاير لواقعه وتطوره ورسالته، ومن ترسبات امتداد عهد الحماية والأوطان الطائفية والمصلحة التجارية التي غرسها عهد الانتداب بين فريق واسع من الجماعة اللبنانية ــ إن لبنان الرسمي هذا لم يتحرك بعد للمشاركة في معركة فلسطين، لا على الصعيد الدبلوماسي، ولا على الصعيد الإعلامي، ولا علي الصعيد العسكري.

وهذا هو سر منشأ الأزمة القومية الحادة التي تخض كيان شعب هذا البلد وتطرح مصيره.

وعلى الرغم من تركّز العمل الفدائي في لبنان، والجبر الذي يلاقيه فيه المسؤولون تحت ضغط الأحداث والشعب اللبناني ذاته، في اتخاذ خطوة للمشاركة العربية النسبية أو الكاملة، وبالرغم من دخولنا عملياً بعد تظاهرات الثالث والعشرين من نيسان وبعد اتفاق القاهرة، في نطاق المعركة، فإن السلطات التقليدية المتحجرة في تصوراتها للماضي، والعاجزة فكرياً عن الانتساب الى الحاضر، لا تزال تتردد وتتلعثم وتتخلف في المضي في أي تعميم، أو اتخاذ اي قرار من شأنه الاسهام فقط في تنمية الدفاع اللبناني لمواجهة الواقع.

وكان المطلوب من لبنان ولا يزال:

1ــ تجنيد عدد كبير من رجال السياسة والفكر النشيطين، والذين لهم علاقات بأحزاب وشخصيات عديدة في العالم الغربي، للقيام بحولات متعاقبة ومستمرة وفق تخطيط إعلامي واقعي وسليم، لأجل الإسهام في تنوير الرأي العام العالمي حول القضايا العربية الرئيسية، وبخاصة قضية فلسطين. ويكفي ان نذكر للمثال ما للحزب التقدمي الاشتراكي وأصدقائه وبعض مناصريه من العلاقات العامة مع الأندية الدولية والأحزاب الاشتراكية وغير الاشتراكية، والشخصيات السياسية والثقافية عبر العالم الواسع، ما لا يتوفر في أي حال لوزارة الخارجية اللبنانية وأجهزتها، ولعدد غفير من سفرائها وقناصلها الذين هم ــ وفق التقارير التي تردنا من بعض المهاجر ــ ليسوا مطلقاً سفراء وممثلي لبنان والعرب في الخارج، بل هم سفراء وممثلو إسرائيل، فيما يثيرونه من نعرات طائفية ويقومون به من دعايات مؤسفة. وكم من الصداقات والاتصالات والمعارف في الولايات المتحدة وفي أوروبا يمكن استخدامها لأجل هذه الغاية النبيلة المتركزة في تعريف العالم على قضايانا الحيوية!

ولكن الدولة اللبنانية هي في مستوى من التخلف الذهني والحضاري لا يمكّنها من القيام بالوظيفة التي تدّعيها بحكم ما تزعمه لأبنائها من رقي حضاري وعلمي.

ب ــ اعتماد النظام السويسري او الأسوجي او الاسرائيلي ذاته في تنمية قرى الجنوب وتحصينها وتدريب المزارعين فيها. وجعل كل مواطن له مكنة في الدفاع عن أرضه حيثما كان من الأرض اللبنانية، ورفع مستوى الجيش اللبناني الى مرتبة ما هو عليه جيش الأردن على الأقل عدة وعدداً واستعداداً ــ وقد بلغت قوى هذه الإمارة الصغيرة، والتي هي أصغر في عدد سكانها من لبنان، ما يقرب السبعين ألف رجل

ولا يمكن للمراقب الشوون اللبنانية أن يبرر التخلف اللبناني في حقل الدفاع العربي الا بلون من التواطؤ المستتر ــ فوق ما يبرز عليه التخلف في الفكر الذهني والحضاري والعربي ــ بين المسؤولين اللبنانيين وبين الولايات المتحدة الأميركية وحكام إسرائيل، وتصميمهم على إبقاء ثغرة واسعة في جهاز الدفاع العربي.

ج ــ تنفيذ خطة فورية للانتقال ترمي الى توطيد علاقات لبنان الخارجية بالعالم الاشتراكي، والاعتراف بجميع الدول المنتسبة الي هذه الجبهة، وتوسيع نطاق التبادل التجاري والتعامل الاقتصادي والثقافي مع هذه الدول، والاقدام على شراء معداتنا الدفاعية من الاتحاد السوفياتي. الأمر الذي يخرج به لبنان الرسمي عن الاعتبار الأميركي والصهيوني بأنه، على حد تعبير أحد كبار الصحفيين في الولايات المتحدة «القاعدة الغربية» الوحيدة المتبقية في الشرق العربي.

ثانياً ــ برز عمل الكفاح المسلح الفلسطيني بشكل أكثر وضوحاً في السنة المنصرمة، في تشخيص النزعات القومية والمطالب السياسية لشعب فلسطين. وقد كرست دول الجامعة العربية هذا الواقع، كما أن  أكثر دول العالم أخذت تتوجه الى اعتماد مثل هذا التشخيص. وكانت الأزمة التي قامت بين بعض السلطات اللبنانية وبين العمل الفدائي، وردود الفعل الداخلية والعربية العنيفة في جميع البلدان، مقياساً للانفعال العربي بالقضية الفدائية وتأييده لمضمونها الثوري والتمثيلي. وكان لتدخل بعض الحكومات العربية الرسمي وبياناتهم وخطبهم ووساطتهم شأن في تدعيم الاعتقاد الذي بدأ يسود المحافل الدولية حول صلاحية الكفاح المسلح الفلسطيني في التعبير عن الأماني القومية لهذا الشعب المغتصبة أرضه.

الكفاح المسلح

بقي أن تتوحد جميع هذه المنظمات، وأن يجري التنسيق الكامل فيما بينها من داخل هذه الوحدة، وأن تباشر تنسيقاً  آخر مع القوى الشعبية والسياسية الوطنية التي تدعمها في لبنان وفي كل بلد عربي آخر.

ثالثاً ــ معركة الغد.. مما لا شك فيه أن الوضع العربي كان يمكن ان يكون أقوى على الصعيد السياسي وأبعد أثراً في الأوساط الدولية، وبخاصة المناوئة منها لقضية العرب والداعمة لموقف إسرائيل ــ ونخص بالذات الولايات المتحدة ــ لو ان العرب بمجموعهم تمكنوا من إقامة جبهة شرقية فعالة وباشروا حرب الاستنزاف التي أخذت تشنها مصر بشكل متصاعد في سيناء.

وفي رحلتنا الأخيرة الى أوروبا تبين لنا بوضوح ان أكثر من دولة أوروبية، ومنها هولندا وبريطانيا، تكاد تبدل موقفها رأساً على عقب، لو شعرت فعلاً بقوة التضامن العربي وبالتصميم الشامل على الاستعداد للقتال وعلى خوض معركة المصير، أو لو خشيت من بعض الدول العربية الملوّحة بمحاسبة كل فريق أجنبي يقف مناهضاً للقضية الفلسطينية محاسبة تتوافق مع موقفه الرسمي منها.

وعلينا أن لا ننسى في هذا المجال أثر المصالح الاقتصادية في مواجهة الولايات المتحدة والغرب لجعلها تبدل من مواقفها. فالودائع العربية لا تزال مثلاً موظفة وتوظف في مصارف الدول المناهضة للعرب، ولم تهدد بعد أية دولة عربية بتأميم أسهم بعض الدول المناوئة للعرب في شركات النفط المستثمرة، ولم تباشر فعلاً هذا التأميم، ولم يبادر أحد الي مقاطعة سلع الدول المعنية.

إذا، لو تم ذلك لانقلب موقف جميع الدول المؤيدة لإسرائيل رأساً على عقب.

فالعوامل الاقتصادية والإعلامية والسياسية والدبلوماسية وطاقة القوى العسكرية، لها كلها الشأن في الخلاص من النكسة التي انهزم فيها  العرب في الخامس من حزيران سنة 1967، ويجب ان لا يهمل أي عامل منها…

ولا يزال يقوم في رأينا، من الوجهة العسكرية المحض، أنه لو كسب العرب معركة «صغيرة كبيرة» في حرب الاستنزاف والتصدي للهجوم الجارية، لأسرعت وتيرة التبدل في الرأي العام الغربي ولدى حكوماتها، ولكسب العرب مؤكداً في مواجهة إسرائيل.

رابعا ــ تميزت هذه السنة على الصعيد العربي بانقلابين ثوريين اشتراكيين هما ثورة السودان وثورة ليبيا. وما لبثت أن تبعتهما ثورة الصومال. ويبدو أنه كانت هناك محاولة ممثالة في إحدى الدول المتوجهة الى حد كبير بالسياسة وبالدبلوماسية الأميركية.

وقد أحدث هذا الوضع الجديد في المنطقة العربية تأثيراً بالغاً في الأوساط الدولية العالمية والغربية بشكل خاص. كما ان الوضع الناجم في لبنان عن انتصار مبدأ العمل الفدائي، بالرغم من الجهود الأميركية والغربية والانعزالية المبذولة مع السلطات لمنعه أو تقييده، أظهر لبنان الشعبي بمظهر جديد هو بداية التحول في طابعنا الماثل.

والعبرة في كل ما يجري من تحولات في هذا النطاق من العالم الشرقي يقلق بال الغربيين والأميركيين، لأنه الدلالة القاطعة على المسيرة الى اليسار والى الاشتراكية والقومية العربية التي تسجلها هذه التحولات في كل مكان، علاوة على تهديدها المباشر لسياسة النفوذ الغربي الأميركي ولمصالحه الاقتصادية والاستراتيجية الكبيرة في المنطقة.

ولو صح وتعممت الثورات الاشتراكية والديمقراطية في بعض البلدان المنتجة للنفط، لكان في ذلك الكفاية لبعث تبديل فوري في سياسة الدول الغربية والولايات المتحدة بالنسبة للعرب.

وفي هذه المرحلة من التاريخ، يهظر الارتباط وثيقاً واضحاً بين الاشتراكية وبين أهداف ومصالح القومية العربية.

خامساً ــ العرب والوحدة: لا مناص من تكرار التأكيد وترداده ابدا، ان الرد الايجابي الكامل والشافي على المحنة التي واجهتنا منذ قيام اسرائيل وبخاصة بعد النكبة الأخيرة، هو في قيام اسرائيل، وبخاصة بعد النكبة الأخيرة، هو في قيام وحدة عربية بشكل فدرالي، لامركزي، بين أجزاء واسعة من الوطن العربي، والوصل بين الذي فصلته ومزقته، في كياننا، الأيدي المستعمرة والمنتدبة، منذ أن وضعت سلطتها على هذه الأقسام المنتزعة من الامبراطورية العثمانية.

الوحدة، ثم الوحدة، ودائماً وأبداً الوحدة: هي نزعة العرب الأصيلة في جميع ديارهم، شرط أن تتحقق ضمن المسلتزمات الديمقراطية، والعقلانية العلمانية والعلمية الحديثة، والاطارات اللامركزية الواسعة.

ومن المؤسف إعلانه أن بعض الأنظمة التقدمية في العالم العربي لم ترتفع بعد الى مستوى هذه العقلية العلمية في تصميمها لبناء الاشتراكية، وفي استيعابها للكفاءات، وتنميتها، وفي فهمها للواقع العربي، وفي سعيها لتحقيق هذه الوحدة وأنظمتها، فالنظام الاشتراكي هو نتاج تطور الحضارة والديمقراطية والعلم. ويجب ان نواجه ونعتمل به في هذه المواجهة الدينامية السليمة الحية.

وتجدر أخيراً التوصية، التي يكررها الحزب سنة بعد سنة، لأجل قيام الوحدة الاقتصادية بين دول العالم العربي، أو على الأقل السوق العربية المشتركة، وإنشاء شبكة من المواصلات البرية الحديثة الواسعة ذات الطابع العربي الدولي للربط والتوثيق بين أجزاء العالم العربي،  ولأن الطريق في العصر القائم أضحت بحد ذاتها وسيلة للتقريب والازدهار.

ــ على الصعدي الدولي:

إن الأحداث والوقائع المهمة التي لها دلالة تاريخية في سياق التطور الذي تعانيه والتي جرت في العام المنصرم، يمكن تلخيصها بما يلي:

أولاً : ــ إن العالم يشهد أزمة عبور ملحة، في شقيه الرأسمالي والاشتراكي، بين عهد ندرك تناقضاته ومشاكله ومعاييره الى حد كبير، وبين عهد آخر، يرمز الى التجديد تقريباً في كل شيء. فالبلاد المتخلفة أو النامية تعتورها هذه الدفقة من التبديل النسبي، فتزعزع أركان التقاليد واساليب التصرف على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.

أما البلاد المصنْعة، وبخاصة تلك التي تعدّت مرحلة التصنيع العادي وأمعنت في التنظيم، فإنها تعاني تحركاً أعمق وأشمل يجري في مخالفة كل تقليد، أو حتى المألوف من العادات، للعودة الى البساطة الطبيعية والى العفوية السليقية المجردة عن كل قالب فكري وعن أي طابع أو اتباع لمثال، وعن أي معتقد دوغماتيكي أو منهج طقسي، ولأجل تفهم هذه الظاهرة يجب العودة الى الجدلية البسيكولوجية، أي ديالكتيك الطاقة النفسية ذاتها التي حلل قواعدها ومسالك تناقضها العالم جونغ، أو يجب تذكر موجة البساطة والفقيرية Pauperisme، ورفض الحضارة البرجوازية الرومانية التي عمرت بها نفسية جماعات المؤمنين المسيحيين الأوّل، أو الصحابة في أيام الرسول وبعده بقليل.

البرجوازية

إنني عائد من سفر عبر عدة بلدان أوروبية وأضحيت أدرك تماماً ــ كمن يقرأ في علامات الأفق معالم الغد القريب ــ ما يخبؤه لنا المستقبل من تبدلات اساسية وعميقة في جذور كياننا ونفسيتنا. وكأن الانسان في المجتمعات المتحضرة، عندما يحصل على ما يحتاج اليه للعيش والتعلم والتأمين والقرار، ينزع بطبيعته الى إحداث تبديل جوهري في ذاته، مصدره هذا التناقض بين ما هو عليه من عادات وتقاليد وايلاف، وبين ما يحركه من دوافع سليقية لتبسيط معالم العيش ولاستجلاء العفوية ولتحقيق أصالة الحياة.

يقابل هذا النزوع الى البساطة والى التخلص من أساليب الترفيه وذهنية العيش البرجوازي في المجتمع الصناعي وذهنية العيش البرجوازي في المجتمع الصناعي المتطور، تجربات وحركات شعبية ضخمة تقوم في العالم الاشتراكي الماركسي تعرف بالثورات الثقافية وتستهدف تبديل بنى الإنسان والمجتمع العليا المعنوية.

وفي البلدان المتخلفة والنامية، اختلطت الى حد ما، مطالب التنمية الاقتصادية والثقافية بشيء قليل أو كثير من روح نقاش العصر المتمثلة برفض التقليد والمألوف، وذلك نتيجة لشمول الحضارة التقنية الغربية المسيطرة وتعميم وسائل إعلامها وأدبها وفنونها المتنوعة. وكلما نما المجتمع وتطور، قويت فيه هذه النزعة للعفوية والأصالة السليقية، على قدر ما تكون حاجات المواطن قد أشبعت وتحققت لفي سلّم تصاعدها المتدرج، على أن الذي لا يعجبنا أو يروقنا أحياناً في ما نرقبه في الجيل الجديد، وهذه النزعات المتفشية التي نرتضيها ونفهمها ونقدرها تماماً في جدلية ومنهجية التحدي والنقاش والرفض وهدم الصرح القديم، هو عدم إدراك إخواننا من المثقفين وأفراد الجيل الطالع وأرباب الرفض هؤلاء، أن تحقيق الأنظمة الاشتراكية وحدها يؤمن لهم القاعدة المادية لتحقيق المساواة والأخوة والتضامن والمحبة التي يطمحون اليها، وأنه لا مجال لتحقيقهم ذلك ضمن المجتمع الرأسمالي القائم.

ثم ان المجتمع الاشتراكي يوفر للمواطن فكرة العمل لأجل العمل أو لأجل هدف اجتماعي، ويستقطب نشاطه لمثل هذه الغاية. بينما يظل المواطن الانسان قابعاً في خواد فرديته وفراغ أنانيته يتخبط، كما هي حال الكثرة من المواطنين في النظام الرأسمالي المقابل.

على أنه يبقي على أرباب النظام الاشتراكي ان يتفهموا أسباب ومصادر الرفض والتحدي التي تحرك المواطن في المجتمع الصناعي: رفض العيش في المدن المتراكمة أبنية وسكاناً، رفض التقاليد والعادات البرجوازية، رفض الامتيازات والفروقات المتركزة على الجاه والغنى والبيروقراطية، رفض مادية الحضارة القائمة، رفض نزعات القومية الضيقة، رفض العنف، رفض الحرب، رفض النظام الكابح لحرية الإنسان، رفض العقائد الدوغماتيكية المعقّدة لانطلاق العقل، رفض التحجر الذهني، رفض كل ما من شأنه أن يعيق تفتح الإنسان الكامل وعلى أرباب النظام الاشتراكي ان يسعوا، وفق تعبيرنا في ميثاق الحزب التقدمي الاشتراكي، الى «ان يعيدوا الانسان الى نطاق عيشه الطبيعي».

ننطلق من هذه التأملات الموجزة الى الإعلان: بأن على الحزب التقدمي الاشتراكي أن يعنى عناية خاصة بالشباب، بالطلاب، برواد التحرر الجديد أياً كان الشذوذ في العيش أو في التصرف أحياناً الذي يتلبسون به. فما من نهج تطوري جديد الا ويعتوره وجه من الشذوذ والمغايرة والمغامرة أيضاَ.

فلنعكف على دراسة هذه الظاهرة الجديدة من التحرر الشامل في المجتمعات المتقدمة، ولنؤيد مضامينها الحقيقية، والتي عبرت عنها شخصية من أرباب هذا التحرر الجديد ومن أصدقائنا في أوروبا، بأنها ظاهرة عهد وعصر جديد تماماً يتسم «بالقدرة على الجمع بين أعظم مقدار من الحرية الفردية مع أكبر قدر من السعادة الشخصية، وبالنسبة لأوسع عدد من الناس».

ثانياً ــ إن العالم بأسره يتجه نحو اليسار والأنظمة الاشتراكية، عبر التناقض الاقتصادي القائم والمعروف بالمادية التاريخية في حالات كثيرة، وعبر التناقض النفسي الذي أشرنا إليه، ونزعة النقاش والرفض في حالات أخرى، على أنه من واجبنا تقديم هذه الاشتراكية في وعيها وأسلوبها الجدلي الصحيح للمثقفين وللجماهير والتأكيد عليها في وجهها الأصيل والشامل. إن تيار الاشتراكية النامية يتلازم، في ازدياد رقعة شموله، مع الحرية الجديدة والتحدي القائم، بشكل خاص في أوروبا وفي أميركا الشمالية وفي الشق الشرقي من الدول الاشتراكية الصناعية، حيث نشهد ولادة الأممية الجديدة وتيار التحرر من كل تقليد ــ وهنا بالذات نضع الأحداث التي ظهرت في العالم الاشتراكي الشرقي أخيراً.

الاشتراكية

ثالثاً ــ ويجب ان ندخل، أكثر فأكثر، في حسابنا، وفي اعتمال وجهة التطور، الأهمية المتصاعدة للعلم وانتشاره، كعنصر تطوري اساسي فعال في حياة الشعوب وفي مواجهتهم النظرية للوجود، لا للتقنية فقط. فالتزامنا بالعقائد السياسية يجب ان يأخذ بعين الاعتبار هذا الأس الفاعل لهذا اللون من الجدلية ولزحف الأفكار الجديدة والمقاييس المستحدثة المتنوعة، وفق درجة نمو الشعوب وتطورها.

رابعاً ــ يشهد العالم الثالث محاولة مكابرة وحثيثة للاستعمار الأميركي الجديد في التدخل السياسي والاقتصادي، وحتى العسكري، في كل مكان، وفق مخططات من السيطرة المؤذية، لكبح جماح انطلاق الشعوب في مسيرتها التحررية. ولكن المقاومة التي يلقاها هذا التدخل الاستعماري، حتى بشكله العنفي والمسلح، تتمثل بالاستنفار لجميع طاقات هذه الشعوب وبالاستنكار المتصاعد وبالثورات المسلحة المتأججة الظافرة، كما حدث في فيتنام؛ تلك الثورات التي هي مثالات من البطولة لا تنسى، ترغم الاستعمار على التراجع وسحب قواه بعد الهزائم المتكررة لأضخم قوة من الفولاذ والنارعرفها التاريخ، وكما حدث في كوريا الشمالية لحادث استفزاز باخرة التجسس البويبلو، وكما وقع أخيراً من نقمة عربية عارمة في رفض إعلان عزم الولايات المتحدة على التدخل في شؤون لبنان. وكما سبق ووقع للمساندة المستمرة الذي يلقاها العدوان الاسرائيلي من جانب والولايات المتحدة على العرب.

خامساً ــ لا تزال مداخلات الولايات المتحدة وسيطرتها الاعتباطية على الأمم المتحدة مانعاً لقبول عدد من الدول، وفي رأسها الصين الشعبية، وحائلا دون إسهام هذه الدول بدورها في الحياة الدولية على نطاق هذه الهيئة. الأمر الذي يشكل من جانب الولايات المتحدة خرقاً لميثاق الأمم المتحدة ذاتها، وللقوانين الدولية، وتهديداً مباشراً للسلم في السنوات القليلة المقبلة.

سادساً ــ لا يزال العالم الثالث يعاني ــ من خلال كفاحه لبلوغ مستوى أعلى للمعيشة وتحريره من الاستعمار والنفوذ الجديد ــ أزمة واقعية في نطاق حركة تضامن الشعوب الآسيوية والإفريقية والأميركية اللاتينية، من جراء التناقضات التي قامت بين الاتحاد السوفياتي وبين الصين الشعبية، وبين الهند وبين الصين الشعبية أيضاً. الأمر الذي أضعف كيان هذا التضامن وفعاليته وحرمه من توفر توحد القيادة الموجهة، ونلحظ هذا الضعف في الأحداث السياسية التي تعاقبت، ولا تزال، على بعض دول إفريقيا، حيث تمكن النفوذ التسلطي الأميركي، بواسطة استخدامه للانقلابات العسكرية، من الدخول الى بعض أنحاء هذه القارة، كما تمكن من إشعال نار الحرب والفتن الداخلية فيها.

ولا شك ان تجزئة هذه القارة الى دويلات صغيرة جداً أحياناً، يكاد لا يتعدى عدد سكان بعضها بضع مئات الألوف، تشكل ضعفاً طبيعياً سياسياً واقتصادياً في كفاءة مقاومة هذه الشعوب للاستعمار الجديد. ولا نشك في أن قيام وحدات واسعة سياسية واقتصادية يحول دون نكسة بعض هذه الشعوب ودون اضطرارها لمجاراة السياسات الدخيلة الأوروبية والأميركية والاسرائيلية. كما ان مشاريع الوحدة على النطاق العربي الذي نعيشه تؤلف حاجزاً من المنعة المنشودة.

وما من شك ان اتفاق حكومات الدول العربية على إنشاء وكالة عربية، من ضمن الجامعة العربية لمدّ المساعدة الاقتصادية والفنية لبعض دول إفريقيا النامية، يسهم في تحرير هذه البلدان من وقوعها الحالي في حلقة الاستعمار الأميركي المتحالف، في مداخلاته، مع الصهيونية الاسرائيلية والعالمية.

سابعاً ــ بالنسبة لموقف بعض الدول الكبرى، وبخاصة الولايات المتحدة، وإعلان عزمها على الانسحاب من الفيتنام، أية كانت نتائج المفاوضات الجارية، يجدر التساؤل في هذا الباب، هل سيؤدي هذا الانسحاب ــ إذا كان صادقاً ولم يكن مجرد إعلان أو مناورة ــ الى تبديل مقابل في سياسة أميركا بالنسبة للعالم العربي وللقضبة الفلسطينية بالذات، أم سيؤدي ذلك الى زيادة في التزام الولايات المتحدة بدعم إسرائيل مادياً ومعنوياً، بعد أن تكون الولايات المتحدة قد فرغت من مشكلة فيتنام؟ إنه سؤال يطرح ذاته، وقد يكون الجواب عليه في تصاعد مقاومة الشعب الأميركي واستنكاره لسياسة التدخل في الأسابيع المقبلة الآتية، وفي قدرة الرئيس نيكسون على الوقوف في وجه أطماع العسكريين والصهاينة الأميركيين الذين قد يوصلون بمغامرة أخرى في الشرق.. والجواب الأصح على هذا هو في القيام بعمل عربي غايته تهديد المصالح الاقتصادية الأميركية الضخمة في الشرق كما سبق وأوضحنا..

نيكسون

ـ على الصعيد الحزبي:

أولا ــ شهد الحزب في السنتين الأخيرتين بعثاً في تكوينه وتنظيمه، سنستمر في تخطيطه وتدعيمه، ومن هذه العوامل:

أ ــ إن العناصر المسؤولة والفئات الشابة المؤمنة قد وضعت امكاناتها في خدمة الحزب ونشر سياسته وتفهم مناهجه واعتماد أهدافه، وسنولي اهتمامنا الدائب لنولّي بعد هذا المؤتمر عناصر جديدة أخرى مهمة مسؤوليات أخرى في الحزب.

ب ــ اعتماد مبدأ التفرغ للعمل بالنسبة لبعض المفوضين، على نطاق لا يزال محدوداً جداً، نظراً لمحدودية إمكانات الحزب المالية. وفي المستقبل القريب، سنعمد الى جعل عدد آخر من المفوضين يتفرغون لعملهم، الأمر الذي يتطلب تضحيات مادية مقابلة، لا نظن أن الأعضاء الحزبيين والإخوان المناصرين سيضنون بها علينا، لأنها واجب في هذه المرحلة التي تفرض ان يشمل الحزب جميع مناطق البلاد بشبكات تنظيمية، وكذلك جميع الفئات الاجتماعية.

ج ــ تنفيذ خطة للتثقيف في العمق وفي سطحية انقشاع ما يجب تفهمه على الأقل. وكانت الندوة الدائمة الليلية، يوم الأربعاء، التي تعهدناها شخصياً لتدريس المذاهب الاقتصادية والمبادىء الاشتراكية، وفق تسلسلها او تحققها التاريخي، وما كان يتبع هذه الندوة من مناقشات، مصدراً لتفاعل العقول واستيعابها لحقيقة الفكرة التقدمية الاشتراكية التي ندين بها، ورسوخها في البحث العلمي وفي واقعية تصور المستقبل وأنظمته. وكانت لنا هذه الندوة عوناً على إقناع فريق من الشباب بصوابية النظرة التي نتبناها، وبسلامة الخطة التي ننفذها وحافزاً لهم على الانخراط في نهضتنا.

وفي السنة المقبلة سنوسع نطاق هذه الندوة، لتصبح مدرسة حقيقية للتعاليم التقدمية الاشتراكية، وسنطلب من الأعضاء المرشدين في الحزب بشكل خاص، وطبعاً من الأعضاء العاملين الاندراج فيها، لكي تتوضح أهدافهم ويتقوى استيعابهم للنظرية الجدلية التي تشكل المنهج العلمي الذي تعتمده كل نظرة سليمة وعلمية للأشياء، والتي على ضوئها يتم التحليل الموضوعي للمجتمع وأسسه المتبدلة القائمة، وتتخذ المقرررات الموافقة.

كما تجدر الإشارة الى تعميم كتابنا الأخير «ثورة في عالم الإنسان»، واطلاع الحزبيين عليه بشكل أوفى، وفي السنة المنصرمة، وتكلف مفوضية الدعاية بنشر وشرح بعض مؤلفاتنا الأخرى مثل «حقيقة الثورة اللبنانية»، و”في مجرى السياسة اللبنانية: أوضاع وتخطيط”: كما أسهم هو ورفاقنا، مفوضو الداخلية والشباب وأمين المركز، في تعميم فكرة الحزب ومبادئه بواسطة ندوات كانوا يقيمونها لهذه الغاية. كما كنا نقيم برفقتهم وبإرشادهم ندوات متنقلة في بعض أحياء بيروت وفي مناطق أخرى من الجنوب والبقاع وجبل لبنان والشمال.

77089

وسنستمر في القيام بهذه الندوات المتنقلة، حيث يفرّج المستمعون بأسئلتهم عما يشغل بالهم، يقف عقبة في سبيل تفهمهم لمبادئنا ونهجنا، أو يزيلون ما علق بأذهانهم من أضاليل حول مسلك الحزب وعقيدته.

د ــ وكان لنا عبرة وفائدة مرجوة في قيام المخيمات الصيفية، حيث يتلاقى الأعضاء، والذين نعدّهم لتسلّم بعض المسؤوليات بعد نجاحهم، وكان لهذه المخيمات شأن كبير في تقريب رفاقنا بعضهم ببعض، وصهرهم في بوتقة الزمالة والإخوة، وبعث أواصر المعرفة والصداقة بينهم ــ والحزب يجب ان يكون منتدى رحباً للأخوة والصداقة قبل أي شيء آخر ــ كما كان للتدريب الحزبي والعيش في الطبيعة والتثقيف المتدرج والنظام الصارم، أثر في تكوين رفاقنا، وإعمار نفوسهم بروح الأمل الواقعي والنخوة المتحفزة العملية.

وسنسعى في العام المقبل الى تعميم فائدة هذه المخيمات والى تطويرها، بحيث تصبح مدرسة حقيقية لتخريج وإبراز النخبة في الحزب… ولا قيادة تصح بدون نخبة، ولا نخبة بدون مراس ولا مراس بدون فهم عميق لموجبات النضال وأهدافه، ولا موجبات بدون اعتمال بالحرية المسؤولة، ولا حرية حقيقية بدون دفق من الشجاعة المعنوية في مبادرة مهام الفكر ومسالك الحياة.

وإننا سنضيف، بشكل خاص الى هذه المخيمات، العمل الاجتماعي والعمراني الذي يجب ان يقوم به شبابنا في الدساكر والقرى، لكي يتفهموا بشكل أوفى وأدق أوضاع الشعب وذهنيته، ولكي يرتفعوا هم الى مستوى المراس المطلوب والتثقيف المعنوي السليم. وليس أكثر فائدة للمرء، لأجل تهذيب ذاته، وإبراز مكامن التعاون والخير والجدية فيه، من تعوّده على مساعدة الآخرين، والعمل بيديه لأجلهم ولأجل النفع العام.

هــ ــ ويتوجب في حقل آخر، إجراء تدريب عميق لعناصرنا التنفيذية جميعاً على الدعاية الحزبية السليمة، وعلى أساليب الإدارة وطرق التنفيذ والمراقبة، بما في ذلك حدس الفراسة، وفق ما تبرزه العلوم النفسية والاجتماعية الحديثة. علينا ان نشارك في مؤتمر دولي يعقد خصيصاً في فرنسا لمثل هذه المهام والتدريب.

و ــ بمناسبة هذا المؤتمر السنوي، وضعت بين أيديكم نشرة تتعلق بتحديد مبادئنا وشخصيتنا الحزبية المعنوية ونهجنا، بالنسبة لعدد من الحركات الأحزاب اللبنانية، وهو عمل ليس بكامل، ولكننا عكفنا عليه وعلى التأمل به أسابيع وساعات طويلة. وكانت هذه النشرة من الضرورة الملحة بمكان كبير، لأن العقيدة، كالإنسان، تتميز شخصيتها بمحتواها الإيجابي ولا شك من جهة، وكذلك بما تفترق به عن العقائد الأخرى من جهة ثانية.. هي قاعدة الجدلية الدائبة: إنما كل شيء في الوجود يتميز بتناقضه مع ضده أو غيره.

ويبقى علينا هذه السنة بشكل خاص:

ــ وضع درس حول القضية القومية. وسنطرح على مؤتمركم، بناء لتوصيتكم السابقة، وبناء لرغبة مجلس الإدارة، النص الذي وضعناه والذي يكرّس ارتباط الحزب بالقومية العربية، لأنها القومية الحية المنفعلة الوحيدة في لبنان وفي البلاد العربية الأخرى.

ــ وضع وثيقة لما يتصوره الحزب من تنظيم للاقتصاد في حال تسلم مهام الأحكام من جانب الحزب التقدمي الاشتراكي، بشكل تفصيلي رئيسي.

ــ وضع وثيقة لما نتصوره، ونرتضيه من نظام سياسي ومن تمثيل وضمان للحقوق وللحريات.

أ ــ توضيح نظرة الحزب للجدلية علي ضوء ما اقتبسه ماركس من تعاليم اليونان القديمة، وفي طليعتها أقوال هيراقليطس وديمقريطس وسواهما، وما عبر به من نظريات لهيغل، وفي ضوء تطور العلوم الحديثة وما وضعه العالم الانثروبولوجي تيلار دي شاردان وجوز وهكسلي وكاريل وسواهم، ومن أهداف للتصور الحياتي والإنساني المجتمعي والكوني الشامل، وكذلك في مجرى ما ذهب اليه ماوتسي تونغ، ووجودية الكفاح التي أطلقها كاسترو وشي غيفارا وسواهما، وجدلية المحبة والشجاعة المعنوية والصدق، التي أبرزها للعالم، المثال الحي للمهاتما غاندي ولنضاله ولحياته. والاشتراكية في النهاية أخوّهة وتعاون في المساواة التي تخلقها المحبة.

Untitled

ب ــ وضع نظام وخطة للدعوة لمبادىء الحزب.

ج ــ محاولة إحداث نشرة شهيرة دورية منتظمة.

د ــ تعميم مواقف الحزب على مختلف الفروع والخلايا في كل مناسبة للزيادة في رفع مستوى تثقيفهم العملي.

هــ رفع مستوى الصحيفة الحزبية التي توسع انتشارها من 2500 عدد في بداية السنة السابقة الى ستة آلاف في الأشهر الأخيرة، وتطوير المقابل الفرنسي الى صفحة يشترك فيها بعض الكتاب اللبنانيين وغير اللبنانيين من رفاقنا الاشتراكيين.

و ــ وضع مؤلفات باللغة الفرنسية والإنكليزية وطبع ما تيسرت مخطوطاته منها لدينا.

ز ــ التوجه لأفضل العناصر في المدن وفي القرى واختيارها للانتظام في صفوفنا، وتطعيم الحزب بها وبنشاطها التقني وبمصادر طاقتها علي العمل المجدي.

ح ــ كا أنه تم في السنة المنقضية، إحداث مفوضيتين رئيسيتين في الحزب، مفوضية الشؤون العربية، ومفوضية التعبئة الشعبية، وإننا سنقترح في السنة المقبلة إحداث نيابة للرئاسة ثالثة تتولى الاشراف على الشوؤن الخارجية في الحزب التي يمارسها مفوض الشؤون الخارجية، وإشراك عدد من الأعضاء المرشدين بالتداول النصف السنوي في اعمال وجلسات مجلس الإدارة، لكي تمكنوا من الإطلاع على مجريات السياسة الداخلية والخارجية، والتعرف على شؤون الحزب، توفيراً لمشاركة أوسع في حياة الحزب العامة.

هذا بعض ما نرتأيه في هذا الحقل من العمل الحزبي، والقليل منه الذي ينفذ أفضل من الكثير الذي يعلن ويبقى بدون تنفيذ..

أيها الأخوان، أيها الرفاق،

أنهي هذا العرض السريع فأتوجه بالشكر من الذين تفضلوا وحضروا هذا الاجتماع، أحزاباً وهيئات وأفراداً وبتقديرنا لمن عملوا من المسؤولين في حقل الحزب ــ مجلس إدارة ومفوضين، وكلاء مفوضين وأمناء سر، ومعتمدين ووكلاء معتمدين ومدراء فروع، وأعضاء متوثبين. كما لا أنسى تقديري لمؤسسي حركة الشباب والكشفية في الحزب والمعاونين في إنمائها وبعثها. كما ننوه بالنشاط والتوجيه الذي قامت به، هذه السنة، جبهة النضال الوطني في عملها النيابي، وسيثابر حزبنا على خطة الكفاح التي انتهجها، وعلى المسيرة التي وطدها واعتمدها، في يقين منه ان النصر هو النتيجة الحتمية لكل كفاح يعمره مسلك التفهم الموضوعي والانفتاح على نتاج العالم والتطور، في كل مرحلة وحقبة، ويؤسس على النظام والتفهم المشبع بروح القيادة.

——————-

(*) نص البيان الرئاسي السنوي الذي ألقاه المعلم كمال جنبلاط بتاريخ 16/11/1969.

(**) المصدر: كمال جنبلاط، “البيانات الرئاسية: كلمات للتاريخ، الدار التقدمية، الطبعة الأولى، 2004، ص 193-234.

 (***) نشرت في مجلة “الفكر التقدمي”، العدد 22، كانون الأول 2015.