تراجيديا كاملة الأوصاف!

رامي الريس

أن يتقدم 51 ديبلوماسياً أميركياً بمذكرة للإدارة الأميركية ممثلةً بوزير الخارجية جون كيري للمطالبة بإعادة النظر بالسياسة الاميركية تجاه سوريا وتحديداً لتصويبها تجاه ضرب النظام السوري وإسقاطه، هي بطبيعة الحال ليست مسألة تفصيلية في إطار الحركة السياسية داخل الإدارة الاميركية.

فعدا عن كون هذه الخطوة غير مسبوقة بتاريخ العمل الديبلوماسي والإداري لوزارات الخارجية، إلا أنها تعكس في مكان معين مدى إعتراض تلك المجموعة من الديبلوماسيين على عدم فعالية السياسية الأميركية تجاه الحرب السورية التي إندلعت في إطار ثورة سلمية في العام 2011 وحوّلها النظام السوري إلى حرب أهلية دامية بتشعبات محلية ودولية أدت إلى تهجير أكثر من 8 ملايين سوري داخل وخارج سوريا وإلى مقتل أكثر من 600 ألف سوري عدا عن المفقودين والمخفيين والمعتقلين السياسيين.

department-of-state-1

لقد سبق للرئيس الأميركي باراك أوباما أن كرر في العديد من المواقف والخطابات الرسمية والتصريحات الصحافية أنه ليس مستعداً لإعادة تكرار تجارب الحروب التي خاضها سلفه جورج بوش لا سيما في العراق وأفغانستان حيث تكبدت الإدارة الأميركية خسائر كبيرة دون أن تحقق النتائج المرجوة منها، في العراق.

صحيح أن النظام الدكتاتوري الذي كان يقوده صدام حسين على مدى سنوات طويلة  قد تم إسقاطه بفعل الغزو الأميركي، إلا أن مرحلة ما بعد صدام كانت مليئة بالفوضى والحروب العبثية لا سيما الطائفية منها.

IRAQ

أما في أفغانستان كذلك الأمر، صحيح أنه تم القضاء على أسامة بن لادن بعد سنوات مضنية من المطاردة حيث ألقي القبض عليه في باكستان، إلا أن أفغانستان ذاتها لا تزال في أجزاء كبيرة منها خاضعة لسيطرة حركة “طالبان” التي لم يتم القضاء عليها بفعل الحرب الأميركية.

بالإضافة طبعاً إلى الحروب الأخرى التي شاركت فيها الولايات المتحدة الأميركية من الخلف، إذا صح التعبير، وفق توصيف أوباما نفسه كما حصل في ليبيا على سبيل المثال حيث أيضاً لم يتم دراسة حقبة ما بعد القذافي في ذلك البلد الذي تحول إلى دويلات مشرذمة تسيطر عليها مليشيات عسكرية تمتلك كميات هائلة من السلاح وهي باتت تهدد الجوار لا سيما  تونس ومصر.

قد تكون النتيجة الوحيدة الثابتة، عن قصد أو غير قصد، جراء سياسات الحروب الإستباقية الأميركية تليها سياسات الإنكفاء والقيادة من الخلف هي صعود اللاعب الإيراني كلاعب إقليمي أساسي تمددت أذرعه السياسية والعسكرية في المنطقة العربية والشرق الأوسط وعزز هذا التمدد الغياب العربي شبه التام!

إلا أن السؤال المنطقي الذي يفرض نفسه: هل فعلاً في إستطاعة الولايات المتحدة الأميركية أن تقف متفرجة على ما يحصل في سوريا دون أن  تدرك أن إنكفاءها هذا سوف يترك تداعيات في غاية السلبية على أوروبا وعلى الولايات المتحدة نفسها وعلى العالم بأسره؟ وهل يمكن لإدارة أوباما أن  تستمر في غض النظر عن ما يقوم به نظام الأسد الذي يقف في طريق التسوية السياسية لحل الأزمة السورية؟

syria

وهل يمكن لإدارة أوباما أن تكتفي بتسديد الضربات الجوية لداعش التي كان من الواضح أنها لم تقدم ولم تؤخر في مجريات الصراع العسكري السوري بشكل كبير خصوصاً بعد دخول الدب الروسي إلى حلبة الصراع وقصفه لمجموعات المعارضة السورية المعتدلة؟

لا شك أن هذه الأسئلة هي أسئلة صعبة ومعقدة ولو أن الإجابات متوفرة لها لما كانت الظروف قد وصلت إلى هذا القدر من المأساوية والتراجيدية الكاملة الأوصاف!

———————————

(*) رئيس تحرير جريدة “الأنباء” الالكترونيّة

Facebook: Rami Rayess II

Twitter: @RamiRayess