لثورةٍ حزبيّةٍ اﻵن!

رامي الريس

رامى  الريس (14)

أقل ما يمكن أن تمارسه الأحزاب السياسية في هذه اللحظة التي إحتدمت فيها عناصر الإشتباك البلدي – المحلي- العائلي- “القبلي” هو أن تثور على ذاتها.

وأقل ما يمكن أن تخوض فيه الأحزاب السياسية في هذه المرحلة هو النقد الذاتي تمهيداً لتصويب المسار المتعثر. وهذا يندرج في سياق ما كتبه المعلم الشهيد كمال جنبلاط في كتابه الشهير: “في الممارسة السياسية” الذي أكد فيه على ضرورة ممارسة النقد الذاتي الدوري لتطوير الأداء.

المعلم كمال جنبلاط

الإنتخابات البلدية كشفت الكثير من العورات التي حاولت الأحزاب أن تطمسها (وقد يقع جزء من هذا الكلام في باب النقد الذاتي)، وسلطت الضوء على إشكاليات عميقة لطالما رافقت العمل الحزبي في لبنان وهو قصور القسم الأكبر من الأحزاب عن ممارسة العمل المؤسساتي المنظم الخاضع لأصول وقواعد محددة وواضحة منصوص عنها في دساتير تُحترم بروحيتها ومضمونها ويعكس هذا الإحترام الثقافة الحزبية التي تعرضت ﻹهتزازات كبيرة وإضطرابات مختلفة سببها التحول والنمو التدريجي لبعض رموز داخل الأحزاب إلى ديناصورات سياسية تحتل جزراً ومواقع نفوذ تبسطها على شريحةٍ من المحازبين القابلين أن يتخندقوا في صف هذا الديناصور السياسي أو ذاك بمعزل عن الخط السياسي العام للحزب وموقفه الوطني العام.

وكي لا يسارع أصحاب النفوس الخبيثة لإستثمار هذا الكلام وإلباسه على أسماء وحالات بذاتها، أسارع إلى القول أن هذه الظاهرة متنامية في عدد كبير من الأحزاب اللبنانية التي تعاني من غياب الإنتظام في عملها نتيجة العديد من العوامل، قد يكون بعضها التالي:

–  عدم نجاح الأحزاب التي خاضت الحرب، كل حزب دفاعاً عن قضية آمن بها، على خلع ثوب الحرب نهائياً والتخلص من اللوثة الميليشاوية التي طالت أدائه في حقبة الحرب الأهلية، وتالياً قصور هذا الحزب أو ذاك عن إعادة إنتاج نخبه السياسية العليا والوسطية وفق منطق جديد للعمل الحزبي، سواء أكان داخل الأطر التنظيمية أو خارجها بالتوازي مع الأحزاب الأخرى. وغنيٌ عن القول أن هذا الموقف لا يهدف إطلاقاً للإنتقاص من تضحيات جميع المناضلين، بل على العكس هو يأتي من باب التأكيد على ضرورة مواءمة الأداء السياسي مع ما يتلاءم مع شهاداتهم وتضحياتهم ونضالاتهم.

–  الفشل الجماعي، الذي تتحمل مسؤوليته بدرجات متفاوتة الأحزاب والقوى السياسية، في العمل المشترك نحو إنجاح مشروع الدولة ظناً منها أن هذا المسار هو الطريق الأقصر للحد من نفوذها ودورها في حين أن تعزيز المفاهيم الديمقراطية من خلال مؤسسات دستورية منتظمة من شأنه أن يحقق إنتقالاً نوعياً في طبيعة العمل الحزبي من الزبائنية والخدمات الإجتماعية إلى العمل السياسي المرتكز إلى برامج ومشاريع ورؤى تتنافس فيما بينها لتحقيق الأفضل ودائماً في خدمة المواطن أولاً.

– إنسلاخ مجموعات وشرائح شبابية وإجتماعية واسعة عن العمل الحزبي نتيجة يأسها من أن ترى الأحزاب تحقق الأدوار المناطة بها في إدارة السلطة وفق قواعد الشفافية والديمقراطية والمحاسبة والمساءلة. وما تنامي حركة ما سمي “المجتمع المدني” وثم تفريخه لعشرات الحملات والحركات الشعبية، ولو المبعثرة، إلا شكل من أشكال الرغبة الجامحة لدى المواطنين للتفتيش عن أطر جديدة للعمل في الشأن العام، ولو أن تجربة المجتمع المدني تحتاج بدورها لتقييم موضوعي وهادىء ﻹنغماس بعضها في ممارسات كانت في قائمة “شكاويها” من المجتمع السياسي اللبناني.

IMAGE

إزاء كل ذلك، هل يمكن فعلاً للأحزاب السياسية أن تواصل العمل بالسياسات والأدوات ذاتها التي دأبت على ممارستها قبل حدوث كل التحوّلات الهامة في المراحل الأخيرة؟ وهل يمكن لها فعلاً أن تتغاضى عن حاجتها لمقاربة الواقع المستجد بطريقة مختلفة وجديدة تستطيع من خلالها محاكاة تطلعات الشرائح المهمشة التي تعبّر عن إستيائها جرّاء تقهقر الوضع الداخلي في لبنان وملامسته حدود الإنهيار شبه التام؟

الثورة الحزبية موعدها اﻵن ﻹستعادة الدور المفقود للأحزاب السياسية كرافعة للعمل السياسي والوطني وكإطار جامع وعادل نحو غد أفضل ومستقبل أكثر إطمئناناً.

———————————

(*) رئيس تحرير جريدة “الأنباء” الالكترونيّة

Facebook: Rami Rayess II

Twitter: @RamiRayess